السبت 24 أكتوبر 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

بيان وبلال.. قصة حب بدأت خلف القضبان وتنظر الحياة خارجها

23 أكتوبر 2026 قراءة 10 دقيقة

اعتُقل بلال يعقوب البرغوثي، من بلدة بيت ريما شمال غرب رام الله، في 2 نيسان/أبريل 2002، ويقضي حكمًا بالسجن 16 مؤبدًا و36 عامًا. وبعد نحو عشرين عامًا من اعتقاله، ارتبط ببيان رجب، التي كانت تعرف سيرته من خلال عملها واهتمامها بقضية الأسرى، لتبدأ بينهما حياة لم تعرف حتى اليوم بيتًا مشتركًا، وصنعت الزيارات والرسائل معظم تفاصيلها.

خلال السنوات الأخيرة، ازدادت صعوبة التواصل بينهما مع تشديد الإجراءات بحق الأسرى، فيما تنقل بلال بين العزل في عدة سجون، وسط معاناته من أمراض مزمنة وفقدانه إحدى كليتيه. وبعد مرور ذكرى جديدة لارتباطهما، لا تزال بيان تنتظر اليوم الذي تستطيع فيه أن تعيش معه أبسط التفاصيل التي حرمتهما منها سنوات الأسر.

في هذه المقابلة مع مؤسسة العهد الدولية، تتحدث بيان رجب عن قصة ارتباطها ببلال، واللقاء الأول خلف الزجاج، والرسائل التي صنعت جزءًا من علاقتهما، وعن معنى أن تنتظر حياة زوجية لم تبدأ بعد خارج السجن.

مرّت قبل أيام ذكرى ارتباطك ببلال. عندما استيقظتِ في هذا اليوم، ما أول شيء فكرتِ فيه، في السنوات التي مضت، أم في اليوم الذي يمكن أن تحتفلا فيه بهذه الذكرى معًا خارج السجن؟

استيقظت وفي عقلي فكرتان لا تفترقان. الأولى هي الامتنان للسنوات التي مضت، لأنها أثبتت أن الحب ليس جدرانًا ولا مسافات، وأن عهدنا كان أصلب من السجن. والأخرى هي الشغف واليقين باليوم الذي سنحتفل فيه معًا تحت شمس الحرية، بلا حاجز زجاجي ولا هاتف مراقب.

الانتظار لم يكن يومًا حسرة على ما مضى، بل إعدادًا لما هو قادم.

قصتكما بدأت بطريقة غير مألوفة، أحد طلابك اعتُقل والتقى ببلال في السجن، ثم خرج ليسألك إن كنتِ تقبلين الارتباط بأسير. ماذا تتذكرين من اللحظة التي سمعتِ فيها اسم بلال للمرة الأولى بوصفه الرجل الذي قد يصبح شريك حياتك؟

عندما طُرح عليّ السؤال لأول مرة، لم تكن اللحظة مفاجئة بقدر ما كانت استجابة لقدر انتظرته. كيف لا وقد انتظرت هذه اللحظة أكثر من عشر سنوات؟

اسم بلال لم يكن بالنسبة لي مجرد اسم لأسير صاحب أحكام عالية، بل كان تجسيدًا لحلم طال انتظاره، ورجل رأيت فيه النبل والصمود. شعرت برهبة اللحظة ومزيج من الفرح والاعتزاز. أخيرًا جاءت اللحظة التي طالما تمنيتها في سجودي، لأكون سندًا وشريكة لحياة رجل اشترى حرية شعبه بحريته.

كنتِ تعرفين بلال قبل ذلك من خلال الأسرى المحررين وما كانوا يروونه لك عنه. ما الذي عرفته عن شخصيته قبل الارتباط، وما الذي اكتشفته فيه بعد أن أصبح جزءًا من حياتك؟

قبل الارتباط، عرفت بلال القائد، الصلب والصامد، صاحب الـ16 مؤبدًا، الرجل الذي كان الأسرى يتناقلون سيرته بهيبة وعزة.

وبعد الارتباط، اكتشفت بلال الإنسان، صاحب الحنان الفائق والروح اللطيفة والاهتمام بأدق التفاصيل رغم قسوة السجن. اكتشفت أن الصلابة الخارجية تغطي قلبًا يتسع للعالم رقة وحبًا.

بلال كان يوم ارتباطكما قد أمضى نحو عشرين عامًا في الأسر ومحكومًا بـ16 مؤبدًا و36 عامًا. هل كانت هناك لحظة جلستِ فيها مع نفسك وسألتِ: ماذا يعني أن أختار حياة قد يظل فيها الرجل الذي أحبه خلف القضبان؟

صراحة، لم أفكر لحظة واحدة بالرفض. لقد كان بلال بالنسبة لي هو الأسطورة التي أتمنى الارتباط بها. لم أكن أخشى خياري ولا الأحكام العالية، بل كنت خائفة من شيء آخر تمامًا، كنت أخشى أن يتراجع هو في لحظة ما، بعد انتظار دام أكثر من عشر سنوات على أبواب الخجل والألم والخذلان.

بالنسبة لي، لم يكن القرار محل تردد، بل كان تحققًا لأمنية سعيت إليها بقلبي قبل عقلي.

عائلتك رفضت الفكرة في البداية لأشهر، ثم وافقت أمام إصرارك. ماذا كانوا يخشون عليك تحديدًا، وماذا قلتِ لهم حتى يفهموا أن قرارك لم يكن عاطفة عابرة؟

موقف أهلي كان موقف أي عائلة طبيعية تحب ابنتها وتتمنى أن تراها تعيش في كنف رجل وحياة مستقرة وعادية، لذلك كانت الفكرة بالنسبة لهم صدمة كبيرة.

لم يستوعبوا في البداية كيف أرفض كل من تقدم لي وأصر على الارتباط بأسير. كان خوفهم خوف أمهات وآباء طبيعيًا جدًا من المجهول، لكنهم في النهاية يئسوا من محاولة ثنيي عن رأيي بعدما لمسوا بوضوح حجم إصراري وثباتي على هذا القرار.

بعد الارتباط انتظرتِ نحو أربعة أشهر حتى تمكنتِ من زيارته. كيف كان اللقاء الأول بينكما، وما التفاصيل الصغيرة التي بقيت عالقة في ذاكرتك من ذلك اليوم؟

كانت لحظة لا يمكن أن تختصر بسطر. لقد تحقق حلمي بعد عذاب سنوات طويلة. كانت المشاعر غريبة وجياشة وأنا ألتقي بالحلم الذي انتظرته. بكيت كثيرًا في ذلك اليوم، بكيت لدرجة أن بلال بكى لبكائي.

كان اللقاء الأول خلف الزجاج الفاصل مزيجًا من الارتباك والرهبة والفرح العارم، ومشاعر مختلطة بين فرحة لقاء الحبيب ورؤية رجال فلسطين الذين كنا نسمع ونقرأ عنهم، فقد كان في سجن نفحة عدد من الرموز الكبيرة.

التفصيلة التي لا تُمحى من ذاكرتي هي نظرة عينيه حين رفع السماعة، وصوته الدافئ وهو يبتسم رغم قسوة المكان. في تلك اللحظة اختفت كل أجهزة التفتيش والحواجز ورجال الأمن، ولم يبق في العالم إلا ذلك الكبرياء والصدق في عينيه.

بعد إحدى زياراتك وأنت ترتدين الثوب الفلسطيني، كتب لك بلال نصًا سماه “ثوب الوطن”. ماذا تعني لك رسائله اليوم، وهل تشعرين أن الكلمات والرسائل أصبحت في علاقتكما بديلًا عن تفاصيل الحياة التي يعيشها الأزواج عادة؟

رسالة “ثوب الوطن” ليست مجرد كلمات غزل، بل هي وثيقة حب وانتماء جعلت من ثوبي رمزًا لكل ما يقاتل بلال من أجله.

في ظل الحرمان من أبسط تفاصيل الحياة الزوجية، أصبحت الرسائل والكلمات أكسجين العلاقة. نبني بها جسورًا فوق السجون، ونعيش بها التفاصيل التي حُرمنا منها في الواقع.

في العلاقات الطبيعية يستطيع الإنسان أن يرى شريكه عندما يشتاق إليه، أو يسمع صوته عندما يقلق عليه. كيف يُعاش الحب عندما تتحكم إدارة السجن في الزيارة والرسالة والمكالمة وحتى في معرفة إن كان الشخص الذي تحبينه بخير؟

يُعاش الحب بالتحدي والدعاء والقرآن. إدارة السجن تملك التحكم في المواعيد والزيارات، لكنها لا تملك التحكم في أرواحنا الموصولة برب السماء.

نلتقي كل يوم على مائدة كلام الله. أنا أقرأ سورة البقرة يوميًا حماية له وسندًا، وهو يختم القرآن مرات ومرات ويهديني ثوابه. نتعلم كيف ننقل الدفء عبر نبرة صوت في مكالمة خاطفة، ونقرأ ما بين السطور في الرسائل.

الحب هنا يتحول إلى عبادة وفعل مقاومة يومي. كلما ضيقوا الخناق، التقينا في السجود والآيات، وزاد التمسك والوفاء.

منذ السابع من أكتوبر تغيرت ظروف الأسرى بصورة كبيرة، ومرّ بلال بالعزل والاعتداءات وانقطاع التواصل، إضافة إلى وضعه الصحي. ما أصعب فترة مرّت عليك منذ ارتباطكما، ومتى شعرتِ أن الخوف عليه أصبح أكبر من قدرتك على احتماله؟

الفترة التي تلت السابع من أكتوبر هي الأصعب على الإطلاق. انقطاع الأخبار، والعزل القاسي، والأنباء الواردة عن الاعتداءات والتنكيل بالأسرى، وتدهور وضعه الصحي.

أصبح السجن كابوسًا يطاردني في كل لحظة، وامتد هذا الوجع ليتسرب إلى صحتي ونفسيتي وعملي اليومي، فصارت تفاصيل الحياة معركة ثقيلة.

كان الخوف يتجاوز القدرة البشرية على الاحتمال، لكن ما كان يرمم روحي دائمًا ويقويني هو معرفتي بصلابة بلال، وإيماني بأن من صمد عقودًا لن تكسره قسوة الشدائد العابرة.

أنتِ اليوم لا تنتظرين فقط لقاء زوجك، بل تتابعين أخباره الصحية وظروف عزله وتنقلاته بين السجون. كيف يؤثر أن تعرفي أن بلال مريض أو يتعرض للاعتداء، بينما لا تستطيعين الوصول إليه أو فعل شيء مباشر لحمايته؟

إنه الكابوس الذي أصبحنا نعيشه في كل لحظة. شعور مؤلم أن تعرف أن من تحب يتألم أو يعاني وأنت مكبل اليدين ولا تملك الوصول إليه.

لكنني أرفض الاستسلام لهذا العجز. أحاول دائمًا أن أذكّر الناس ببلال وإخوته الأسرى، بالدعاء والحديث عنهم، ونقوم بعمل ختمة يومية للقرآن الكريم مع مجموعة من النساء، نرفع أيدينا ونطلب من الله تعالى أن يحفظهم ويحميهم ببركة آياته. أترجم الخوف والقلق إلى صوت وإيمان، ليكون هذا الدفء والقرآن درعًا وحصنًا له داخل السجن.

بعد سنوات من الارتباط، هل تغير معنى الانتظار بالنسبة لك؟ وهل تمر عليك أيام تشعرين فيها بثقل السنوات وبأن العمر نفسه يمضي وأنتم تنتظرون حياة لم تبدأ بعد خارج السجن؟

الانتظار لم يعد مجرد جلوس وتأمل للساعة، بل أصبح مسار نضال. بطبيعة الحال، تمر أيام يثقل فيها الكاهل، ويأتي شعور بأن العمر يسرق منا لحظات هادئة كنا نستحقها.

لكنني أذكّر نفسي دائمًا أننا لا ننتظر حياة ميتة، بل نبني حياة ذات معنى، وأن الحرية قادمة لا محالة.

الناس كثيرًا ما يسألون المرأة التي ترتبط بأسير: لماذا اخترتِ هذه الحياة؟ بعد كل ما عشته، هل ما زال هذا السؤال يزعجك، وما السؤال الذي كنتِ تتمنين أن يسألك الناس إياه بدلًا منه؟

أكثر ما يزعجني ويجرحني أسئلتهم السطحية: “شو استفدتي من هذا الزواج؟  وليش دمرتي حياتك؟”. ينظرون إلى الأمر بعين مادية ضيقة، وكأن الحياة تقاس فقط بما نكسبه مجردًا من المعنى.

كنت أتمنى أن يسألني أحد سؤالًا مختلفًا تمامًا: “كيف بلال بقيمته وقامته وافق يتزوج بنت عادية مثل بيان؟”. ليت الناس تقدر قيمة التضحية، وليتهم يقدرون قيمة الرجال بحق. بلال بالنسبة لي شرف وفخر، وليس “تدميرًا للحياة” كما يظنون.

أنتِ ناشطة في قضية الأسرى قبل أن تكوني زوجة لأسير. هل غيّر ارتباطك ببلال فهمك للأسر من قضية كنت تعملين من أجلها إلى تجربة تدخل بيتك وحياتك الشخصية كل يوم؟

قبل الارتباط، كانت قضية الأسرى قضية وطن وأخلاق أعمل من أجلها من الخارج. بعد الارتباط ببلال، أصبحت القضية تفصيلًا حيًا يعيش معي في كل لحظة، في طعامي ونومي وقلقي وتطلعاتي.

تحولت القضية من عنوان في الأخبار إلى نبض يومي وجرح ننزفه ونضال نخوضه كل صباح.

لو أُتيح لكما يوم واحد فقط خارج السجن، بعيدًا عن الزيارات والمحامين والحواجز وأخبار الأسر، كيف تتخيلين ذلك اليوم؟ وما أبسط شيء تتمنين أن تفعليه معه ولم تسمح لكما سنوات الأسر بفعله حتى الآن؟

أتخيله يومًا هادئًا جدًا ومجردًا من كل الضجيج. لا كاميرات، لا محامين، لا أسئلة، ولا حواجز.

أتمنى ببساطة أن نمشي معًا تحت شمس دافئة، وأن نشرب القهوة معًا دون أن ينظر أحد إلى الساعة، وأن نتحدث في أشياء بسيطة وعادية جدًا لم تسمح لنا سنوات الأسر بالحديث عنها.

إذا فُتح باب السجن يومًا وخرج بلال أمامك بعد كل هذه السنوات، ما أول شيء تتمنين أن تقولي له، وما الحياة التي تريدين أن تبدأ من اللحظة التي تنتهي فيها سنوات الانتظار؟

في تلك اللحظة، أظن أن حنجرتي ستعجز عن الكلام، وسينطق بدلًا مني صمت طويل ودموع احتبست لسنوات. سأرتمي في حضنه ليتوقف العالم كليًا، وسأهمس في أذنه بين شهقات الفرح: “أخيرًا عدنا للروح يا بلال. لقد انتهى الكابوس، وأوفيت بعهدي لك، وأنت اليوم حر كما كنت دائمًا في قلبي”.

أما الحياة التي أريدها أن تبدأ، فهي أبسط وأجمل مما يتخيل أحد. حياة لا أستيقظ فيها على فزع الأخبار، ولا أعيش فيها على أمل زيارة مدتها 45 دقيقة خلف زجاج بارد.

أريد أن نبدأ من نقطة الصفر كأي زوجين محرومين. نضع حجر الأساس لبيت يملؤه الدفء، ونرتشف القهوة معًا كل صباح بلا عجلة، ونمشي تحت السماء دون أن يقطع خطانا سجان أو حاجز.

أريد حياة نعوض فيها كل دقيقة سُرقت منا، ونثبت للعالم أن السجن كان مجرد ظلام عابر في قصة حب أضاءت العمر كله.

مواد مشابهة