الأربعاء 21 أكتوبر 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

حسن عبادي لـ«العهد»: أدخل السجون محاميًا وأخرج محمّلًا بحكايات الأسرى

20 أكتوبر 2026 قراءة 14 دقيقة

بدأت رحلة المحامي حسن عبادي مع الزيارات التطوعية للأسرى في الثالث من حزيران/يونيو 2019، حين دخل سجن “ريمون” للقاء الأسيرين أحمد سعدات وكميل أبو حنيش. لم تنته الزيارة عند بوابة السجن، بل تحولت، كما يروي، إلى مشروع شخصي امتد إلى مئات الزيارات في سجون مختلفة، حمل خلالها رسائل الأسرى إلى عائلاتهم، ورسائل الأهالي إلى أبنائهم، ووثق ما شاهده وسمعه من داخل غرف الزيارة والعزل.

ومع السنوات، أصبحت الزيارة بالنسبة إليه تتجاوز دور المحامي. صار يراقب وزن الأسير وطريقة مشيه وملامح وجهه، ويتابع تفاصيل المرض والجوع والعزل، فيما أخذت أسماء الأسرى وعائلاتهم تدخل إلى حياته الشخصية، حتى باتوا يسألون عن زوجته وبناته وأحفاده كما يسأل هو عن عائلاتهم.

في هذه المقابلة مع “العهد”، يعود عبادي إلى أول زيارة غيّرت مسار تجربته، ويتحدث عن الأسرى الذين لم يعد يتعرف إلى بعضهم بسبب ما طرأ على أجسادهم، وعن الأسيرات والأمهات والحوامل، ورسائل العائلات، والعزل، وحدود قدرة المحامي أمام السجن، وعن الحكايات التي لا يستطيع تركها خلفه عندما يغادر البوابة.

1. أستاذ حسن، دخلت مئات المرات إلى السجون للقاء الأسرى والأسيرات. هل تتذكر أول زيارة لك عام 2019؟ وما الذي حدث في ذلك اللقاء وجعلك تقرر أن تتحول الزيارات من عمل عابر إلى مشروع شخصي مستمر حتى اليوم؟

كان اللقاء الأول صبيحة الإثنين 3/6/2019 عشية عيد الفطر، في سجن “ريمون” الصحراوي. انتظرت في غرفة المحامين فأطل أحمد سعدات منتصب القامة. التقيته للمرة الأولى، لا شعورياً وقفت لمصافحته وعناقه لكنني شعرت فجأة ببرودة الحاجز الزجاجي الفاصل على الرغم من حرّ صحراء النقب، كان حديثنا عبر سماعة الهاتف الحديدية الصماء الجافة، تبادلنا أطراف الحديث فجاء مثقفاً إلى أبعد الحدود، تحليلاته مدروسة ومنطقية، ملمّ بكل شاردة وواردة، بعيدة عن الشعاراتية، متجذرة في أرض واقعنا المرير. تحدثنا عن الكتابة خلف القضبان، حيث يكتب الأسير بمشاعره وأحاسيسه ويتوق إلى سماع صدى كلماته على أرض الواقع، كما تحدثنا عن أهمية التعددية وضرورة النقد البنّاء والموجّه، وعن الانقسام الفلسطيني المقيت وأمور أُخرى. كلمني بثقة وشموخ ومعنويات ناطحت السحاب وأثلجت صدري وأزالت عناء السفر وجلافة السجّان.

وكذلك مع الأسير كميل أبو حنيش الذي تعرّفتُ إليه عبر رواياته التي تناولت بعضها، ورتبت لزيارته قبل العيد؛ أعدّت زوجتي علبة كعك وطلبت توصيلها إليه، واجهني بابتسامة عريضة وقبلات عبر الزجاج المقيت، فتذكرت ساعتئذ كلمات الراحل عبد الرحيم محمود التي تدعو إلى الابتسام في وجه الحياة مهما كانت الصعاب:

إن تَجِد بابَ الأماني مُغلقاً لا تُكشِّر أو تلُم مَن سكّرَه

إنّ بوّابَ الأماني مرِحٌ يبغضُ اليأسَ ويخشى الكشَرَة

فتبسَّم يا عزيزي.

تحدثنا كثيراً عن كتاباته ومشروعه الأدبي القادم، قتل فراغه بالقراءة والكتابة ليتغلب على الفقد والحرمان واستبداد سجّانه. أخبرته عن كعكات سميرة “المحجوزة” في غرفة الاستقبال، والتي تخضع لفحوصات أمنية إدارية وقانونية قبل إدخالها وإيصالها إليه، وكم كانت حسرتي حين غادرت السجن وعلبة الكعك بيدي. فوجئت برسالة منه حملت عنوان “كعك على بوابة السجن”؛ رسالة قلبت حياتي رأساً على عقب، ولست بنادم. أحاسيسه ومشاعره التي عبّر عنها في إثر لقائه “غريباً” أدخلتني في متاهة ودوامة لم أخرج منها حتى اليوم، وبعد قراءتها مراراً وتكراراً قرّرت، لا شعورياً، البدء بمشوار تواصلي مع أسرى يكتبون، ولكل قصته وحكايته.

2. أنت تذهب إلى السجن كمحامٍ، لكنك تخرج حاملًا رسائل للأمهات والزوجات والأبناء. متى شعرت لأول مرة أن دورك تجاوز العلاقة القانونية بين المحامي والأسير، وأنك أصبحت بالنسبة لبعض العائلات الجسر الوحيد بينها وبين من تحب؟

حاولت قدر الإمكان أن أكون حلقة الوصل والتواصل بين الأسير/ة والعائلة والعالم الخارجي.

في لقاء لي مع الأسيرة إخلاص صوالحة في سجن الدامون وصّلتها رسائل العائلة فرفّت الدمعة من عينيها، أخبرتني أنّ بنات غزّة “صاروا يعيّطوا لمّا وصّلتلهن سلامات من الأهل”، والرسائل التي كنت أوصلها لها أعطتها الأمل، فالرسائل للأسير نَفَسْ، “الرسائل بتِحييني وبتعطيني أمان، أصعب شي ع الأسير ينتَسى، وهو زيّ العطشان لمّا يشوف الميّة”.

وكذلك الأمر حين قرأت كلمات حسام شاهين من سجن نفحة حين وصفني “حسن الجسر”.

3. بعد مئات الزيارات، ما أول شيء تنظر إليه عندما يجلس الأسير أمامك خلف الزجاج؟ وجهه، وزنه، طريقة مشيه، صوته، أم أن هناك تفاصيل أخرى تعلمت مع الوقت أن تكشف لك ما لا يقوله الأسير بالكلام؟

بعد السابع من أكتوبر بدأت أطلب من الأسير/ة الوقوف والحركة والمشي لأتأكد من صحته.

بعد مئات الزيارات بدأت أهتم بالوزن (خاصة بعد زيارتي لعمر القواسمي في سجن النقب الصحراوي حين أخبرني بأنّ وزنه صار 56 كيلو بدلاً عن 90، (أبو التسعين ممنوع يزيد عن الستّين، بموجب تعليمات الإدارة وإجراءاتها)، وأنّ 80% من الأسرى قد عانوا من دمامل بالجسم وحكاك (حكة جلدية) نتيجة لتفشّي السكابيوس، فبدأت أنتبه أكثر للوزن وآثار الأمراض والتعذيب.

4. هل حدث أن دخل عليك أسير تعرفه من زيارة سابقة فلم تتعرف إليه في اللحظات الأولى بسبب فقدان الوزن أو المرض أو آثار الاعتداء؟ وما الحالة التي بقيت صورتها معك بعد مغادرة السجن؟

غادرت حيفا الساعة الخامسة صباح الأحد 17 آذار 2024 (حرصاً على الوقت وأزمة السير المعتادة صباح كلّ أحد) ووجهتي سجن النقب الصحراويّ، وبعد انتظار استمر ثلاثة ساعات ونصف، أطل أسير من أربعة، وسألته من يكون؟ نزلت دمعته وباغتني قائلا: “ولاو أستاذ، مش عارفني؟” وإذ به الصديق الأسير هيثم جمال علي جابر الذي التقيته مراراً وتكراراً من قبل، (مواليد 10.12.1974، وفي الأسر منذ 23.07.2002) (تحرر في صفقات الطوفان) حاول أن يبتسم، وبعد القبلات عبر الزجاج المقيت أخذ يستفسر عن مشقّة السفر وطول الانتظار والاطمئنان على زوجتي سميرة والأحفاد، ودوّنت في أوراقي “هيكل عظمي”.

صاحبته لحية طويلة شعثاء (وليس كما اعتدته في الزيات السابقة على مرّ السنين، كان مهندماً طيلة الوقت وداير باله ع حالو)، (آخر مرة حلق يوم 11 أكتوبر، البنطلون غسله مرتين بآخر 6 أشهر، والبلوزة كمان، استشهد في النقب 28 أسيراً، نزل عشرات الكيلوات، صار يرتعب من صوت المفاتيح، فش طقوس رمضانيّة كيف تعوّد في سنين الأسر السابقة، لا تسحير ولا أذان والصلاة ع السكت، وقال بحسرة: “أخذوا كل شي، اغتالوا ديوان الشعر الأخير”.

حتلنني بوضعه الصحّي منذ العمليّة (نسيت الوجع من الوضع اللي إحنا فيه)، وحين افترقنا قال لي فجأة “شايف أستاذ، صرت هيكل عظمي متحرّك”.

5. أنت تنقل للأهالي أخبار أبنائهم فور خروجك من بعض الزيارات. كيف تكون تلك المكالمة؟ وهل مررت بلحظة كان عليك فيها أن تختار بين أن تقول للعائلة الحقيقة كاملة عن وضع ابنها، وبين أن تخفف عنها لأن ما رأيته كان أقسى مما تستطيع تحمله؟

مباشرة بعد مغادرة السجن أتواصل مع الأهل اتصال أوّلي لأطمئنهم، وحين وصولي حيفا أعيد الاتصال لأنقل لهم الرسالة كاملة وانطباعي حول الزيارة.

أنقل للأهل الحقيقة كاملة، مهما كانت قاسية وموجعة (أحياناً بالتقسيط، على عدّة مراحل).

الأمر مهم جداً لأنّه في كثير من الحالات تصلهم عبر أسرى تحرّروا و/أو محامين معلومات غير دقيقة، وأحياناً تقوّلات ومن وحي الخيال.

لقاءاتي مع الأسرى لساعات طويلة بالعادة وندخل لتفاصيل التفاصيل وليس لقاء بروتوكولي عابر، ومن تجربتي المتواضعة بعد مئات الزيارات بتّ أدرك ما يهم الأسير أن يسمعه، وما الرسالة التي يرغب بإيصالها لأهله وليس ليس ليس فقط من باب رفع العتب (والله منيح وبسلّم عليكم!!).

التفاصيل الدقيقة مهمة جداً وسمعت غرائب الأمور؛ محامي يوصل أسيرة سلامات والدتها التي توفّت قبل سنوات! ومحامية توصل أسيرة سلامات واشتياق زوجها (وهي عزباء!)، ومحامي يوصل أسير سلامات أخيه ويعلمه أنّه حجّ بدلا عنه (وليس له أخوة!) وغيرها من غرائب الأمور.

6. زرت أسرى في العزل، وبينهم أصحاب أحكام عالية وأسرى أمضوا سنوات طويلة في السجن. كيف يختلف الإنسان الذي تلتقيه في العزل عن أسير يعيش داخل الأقسام؟ وما الذي يفعله الانقطاع الطويل عن الناس والضوء والأخبار بالنفس البشرية؟

التقيت غالبية أسرى العزل في سجن مجيدو وسجن غانوت، وغالبيتهم من ذوي الأحكام العالية جداً، واهتماماتهم تختلف عن الأسرى الجدد، وما زالت ترسخ في ذهني كلمات حسن سلامة: “ والله مش عارف إحنا زيّ أهل الكهف؟ ولّا أهل القبور؟ ما شفنا الشمس من أشهر… والله صرنا هياكل عظميّة متحرّكة”.

وكلمات بلال البرغوثي حين حدّثني عن طقس جديد؛ إخراج أسير من رموز الحركة الأسيرة لساحة القسم (عبد الله، بلال، عاهد) وضربه بالهراوات حتى ينزف دماً ومحاولة بائسة لتركيعه دون جدوى ليكون “عِبرة” للأسرى الجدد.

 

7. منذ السابع من أكتوبر تحدثت مرارًا عن تغير كبير في أوضاع السجون. لو طلبت منك أن تختار ثلاثة تغييرات فقط جعلتك تقول إن ما بعد السابع من أكتوبر ليس امتدادًا لما قبله، بل مرحلة مختلفة، ماذا تختار؟

الانقطاع التام عن العالم الخارجي (بدون راديو/ تلفزيون/ جريدة/ تليفون – صودرت كل الهواتف المهربة، ومنع الزيارات العائلية)، تجويع ممنهج، التنكيل والتعذيب (غرفة التبريد) والشتائم والمسبات (خاصّة شتم الذات الإلهية ورموز المقاومة).

8. زرت الأسيرات في الدامون مرات كثيرة وخصصت جزءًا كبيرًا من مشروعك لتوثيق تجربتهن. ما الذي وجدته مختلفًا في معاناة الأسيرات، ليس فقط من حيث ظروف الاعتقال، بل في التفاصيل الإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير الحقوقية؟

معاناة الأسيرات تختلف؛ غالبيتهن يبتعدن عن حضن العائلة الدافئ للمرة الأولى، التفتيش العاري المهين والمهين (إحداهن تم تفتيشها العاري 14 مرة خلال 52 يوم)، محاولات التحرّش والتهديد بالاغتصاب، مسبات يسمعنها للمرّة الأولى بحياتهن، إبعاد الأسيرات الأمهات عن أطفالهن (وأحيانا الزوج/ الوالد أيضا بالأسر)، حرمانهن من الأجواء الرمضانية والعيد، نقص بالملابس الداخلية، نقص بالفوط الصحية (خاصة حين العادة الشهرية)، عدم مرافقة الأولاد للمدرسة حين افتتاح العام الدراسي الجديد، حرمان جامعيات من صورة الفوج، فقدان الخصوصيّة، عدم تشميس الشعر لأشهر ، انتشار “العصافير” في الدامون.

9. عندما تجلس أمام أسيرة حامل أو أم تركت أطفالها خارج السجن، كيف تدير اللقاء مهنيًا وإنسانيًا؟ وهل حدث أن خرجت من زيارة وأنت غير قادر على الفصل بين ما سمعته كمحامٍ وما شعرت به كإنسان؟

يغلب الطابع الإنساني على المهني حين لقاء الأسيرات، وأحيانا ترافقني الزيارة وأثرها لأيام، وأهتم بنقل رسالة الأسيرة بالكامل، مع الأحاسيس والمشاعر، لذويها (الأولاد، الخطيب/ الزوج)، الوالدين، الأخوة والمعارف. أحاول التخفيف عنهن قدر الإمكان، ونقل شكاواهن للجهات المسئولة ومحاول إيجاد الحلول، وتدويل قضيّة الحوامل والقيام بحملات لتحرّرهن قبل الولادة)

10. وثقت في زياراتك حالات قمع واعتداء ومرض وجوع، وفي بعض الحالات آثار عض الكلاب أو الضرب أو الإهمال الطبي. عندما يخبرك الأسير بهذه التفاصيل، ما الذي تستطيع فعله فعليًا بعد مغادرة غرفة الزيارة؟ وأين تنتهي قدرة المحامي أمام منظومة السجن؟

حال مغادرة السجن أقوم بتوثيق الانتهاكات، العمل على فضحها محليا ودوليا، تقديم شكوى لإدارة السجن ولمصلحة السجون وتدويل معانتهم عبر التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين ومتابعة الأمر.

11. قلت سابقًا إن المشكلة ليست دائمًا أن إدارة السجون تمنع زيارة المحامي، بل إن هناك أسرى لا تتقدم المؤسسات أصلًا بطلبات لزيارتهم. لماذا برأيك يصل أسير إلى مرحلة تمر عليه أشهر أو سنوات من دون زيارة محامٍ؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الفراغ؟

قمت بمئات الزيارات التطوعيّة ولم ترفض إدارة السجن أيّة طلب قدّمته، فقمت بزيارة غالبية أسرى العزل، وغالبية أسرى الأحكام العالية الذين لم يتحرّروا بصفقات تبادل الطوفان.

التقصير منّا!!! فيبدو أنّ غالبية المحامين يمتنعون عن زيارة (ذوي الأحكام العالية/ أسرى العزل). ما زلت أذكر أنني التقيت بمحاميين في غرفة زيارة المحامين في سجن غانوت، تراكضا لمشاهدة وجه أسير العزل القادم للقائي، وحين أنهيا لقاء 6 أسرى، كلّ على حدة، وأنا بانتظار قدوم الأسير الثالث، طلبا منّي ألّا أذكر أسماءهما حين أنشر حول اللقاء!

مؤسساتنا تتحمل مسئولية هذا الفراغ.

حدّثني جمال أبو الهيجاء بحرقة عن استغلال المحامين للأهالي القاتل وخاصّة مع قطع الرواتب.

حين افترقنا قال: “خلّي عنوان اللقاء؛ يا معشر المحامين: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”.

12. انتقدت دور المؤسسات والصليب الأحمر بوضوح. هل ترى أن الأسرى اليوم يعانون من عزلة مزدوجة، عزلة يفرضها السجن، وعزلة أخرى ناتجة عن ضعف المتابعة الخارجية؟ وما الذي كان يمكن فعله ولم يُفعل؟

بالطبع؛ السجن يفرض عزلة تامة للأسرى (حرمانهم من زيارة الأهالي والتواصل مع العالم الخارجي) والمؤسسات تزيد الطين بلّة فتمتنع عن تمويل زيارات المحامين بما فيه الكفاية (باستثناء المحظوظين)، والصليب الأحمر لا يقوم بدوره منذ السابع من أكتوبر (بل وقبل، حين اقتصر دوره على ترتيب زيارات الأهالي فقط، وحتى الرزنامة السنوية حرمهم منها) والمؤسسة الوحيدة التي تقوم، ولو بالقليل، هي “أطباء لحقوق الإنسان” التي تعنى بشئون الأسرى المرضى.

13. سبق أن مُنعت من الزيارات ثم لجأت إلى القضاء وأُلغي القرار. هل شعرت في تلك الفترة أن نشاطك نفسه أصبح مستهدفًا؟ وهل فكرت يومًا بالتوقف، خصوصًا أنك تقول إن المشروع تطوعي وليس عملًا مؤسسيًا تتقاضى عليه مقابلًا؟

فكّرت مراراً بالتوقّف عن الزيارات ولكن زوجتي سميرة وابنتي شادن حالتا دون ذلك، وحين تناولنا إفطارنا ذات جمعة اتصل كميل أبو حنيش من سجن ريمون فأخبرته بما يدور بيننا ومعارضة ابنتي شادن وقولها بحدّة “مش من حقّك توقّف وتقطع الحبل فيهم” فكتب قصيدة “نزق الظباء” وكان لها الأثر الأكبر لاستمراريّة المبادرة، رغم محاربتها ومحاولات الشيطنة البائسة.

14. بعد كل هذه السنوات، هل هناك أسير أو أسيرة دخلت لزيارته باعتبارك محاميًا ثم خرجت من عنده وأنت تشعر أن هذا اللقاء غيّر شيئًا فيك شخصيًا؟ وما الحكاية التي لم تستطع أن تتركها عند بوابة السجن وعدت بها معك إلى البيت؟

كلّ لقاء ترك أثراً وغيّر فيّ الكثير، وبعد كلّ زيارة أصل البيت متعباً من الحكايات ويأخذ لي ساعات حتى “يتحمّض الفيلم” وأعود إلى نفسي. بعد كلّ زيارة لأسير/ة جدد أشعر بأن عائلتي زادت وأصبح لي قريب/ة جديد، وبات الأسرى يعرفون حالتي الشخصيّة وزوجتي وبناتي وأحفادي.

15. أنت شاهدت مئات الأسرى من خلف الزجاج، بعضهم تحرر وبعضهم ما زال ينتظر وبعضهم فقد أحباءه وهو داخل السجن. عندما تنتهي الزيارة ويعود الأسير إلى القسم وتعود أنت إلى حياتك خارج الأسوار، ما أكثر سؤال يلاحقك في الطريق إلى البيت؟

التقيت الكثير من الأسرى، وفي كل لقاء سمعت حسرة أحدهم يحدثني بحرقة عن عزيز له مات ولم تُتح له فرصة الوداع الأخير، فمنهم مَن فقد أبناءه وبناته، ومنهم مَن فقد أخاً أو أختاً، ومنهم مَن فقد جدّاً أو جدة، ومنهم مَن فقد والده من دون أن يلقي عليه النظرة الأخيرة قبل مواراته التراب، وساعتئذ تكون حسرته أكبر ولا تعزّيها مواساة زملاء الأسر.

تشكل السجون فسيفساء الكل الفلسطيني، ولمست وقفة الأسيرات معاً لعبور المحنة في إثر وفاة سهى ابنة خالدة جرار، بعيداً عن الفصائلية المقيتة، لتتساءل إحداهن: أين الوحدة بيننا، ولماذا نحتاج إلى الألم كي يوحّدنا؟ وحدثتني صبية عن اكتشافها داخل الأسوار العالم الحقيقي خارجها وأهميته، وفي المستشفى لامست كرسي من العالم الحقيقي (الكنبة)، وفي طريقها من الزنزانة إلى غرفة الزيارات تشاهد “السما الحقيقية”، ومن طاقة غرفة الأحكام العالية ترى السماء من دون شبك.

التقيت ختام التي قالت بعفوية “إحنا بشر بنتوجع”، وحدثتني عن وجع البعد والفراق، ووجع الأمهات البعيدات عن أطفالهن، ووجع البعد عن طالباتها وزميلاتها، ووجع الحرمان من المشاركات في المناسبات من أفراح وأتراح، ووجع حرمانها من رؤية واحتضان وعناق حفيدتها سارة… وأختها جنى، كان من المفروض أن تتحرر من الاعتقال الإداري يوم 1/3/2021 لتكون إلى جانب ابنتها دينا ساعة الولادة، لكنها اعتُقلت في بوابة السجن يوم تحرُّرها لتُحرم تلك المتعة!

التقيت جامعيات تم اختطافهن من مقاعد الدراسة وأروقة الجامعة إلى زنازين الاحتلال لتصير أمنية إحداهن أن ترى شبابيك طبيعية من دون شبك وحديد وحماية، لتصير سبيّة الفورة، وزملاؤها تخرّجوا من الجامعة لتُحرم صورة الفوج، تسمع بتخرّجهم عبر الإذاعة وتتضايق لأنها ليست بينهم وصورتها ناقصة. كما التقيت الأسيرة أنهار، وهي حامل في شهرها الثامن، متوترة جداً من فكرة الولادة في الأسر وخائفة من أن يأخذوا منها المولود “علاء” وتظل سجينة وهو بعيد عنها، وتقول بحرقة: “بدي أخلّف برا ويرجعوني بعدها قدّيش بدهم”.

السؤال الذي يلاحقني بعد كلّ زيارة: ليش؟؟؟  لوينتا؟؟؟

16. ⁠بعد أكثر من 700-زيارة، هل هناك شيء كنت تصدقه عن السجون أو عن الحركة الأسيرة قبل أن تبدأ هذا المشروع، ثم اكتشفت بعد سنوات من الزيارات أنه غير صحيح تمامًا؟

لديّ الكثير الكثير من أشياء تصدّعت وأساطير تهشّمت، وعرفت الكثير من الأشياء المسكوت عنها ولكننّي أتهرّب من الإجابة (كتبت الكثير الكثير ولم أنشر) حتّى تبييض السجون وتحرّر كافّة أسرانا… أو يقوم بنشرها ورثتي من بعدي.

مواد مشابهة