الخميس 15 أكتوبر 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

ريتا أبو غلمي: «كان جسده غائبًا.. لكن أبي كان حاضرًا»

14 أكتوبر 2026 قراءة 7 دقيقة

1. عندما يسأل أحد عن طفولتك، هل تقولين إن والدك كان حاضرًا فيها أم غائبًا عنها؟

كوني وُلدت ووالدي في السجن، انعدم وجوده المادي في حياتي. لم أعرف معنى أن يكون أبي موجودًا في البيت بشكل يومي، لكن هذا لا يعني أنه كان غائبًا عن حياتي.

كان يقوم بواجباته كأب بكل ما يستطيع، وكان حضوره في تجاربي وقراراتي وحياتي ملموسًا دائمًا. لذلك أستطيع القول إن جسده كان غائبًا عنا، لكن أبي نفسه كان حاضرًا.

2. ما أول ذكرى تتذكرينها مع والدك؟ هل كانت داخل البيت أم في غرفة زيارة داخل السجن؟

كل ذكرياتي مع والدي مرتبطة بالسجن. لا أملك ذكرى معه داخل البيت، لأنني وُلدت وهو معتقل.

من أول الأشياء التي أتذكرها معه الضحك واللعب وأعياد الميلاد. هذه التفاصيل التي يعيشها الأطفال عادة مع آبائهم في البيت، أنا عشتها معه خلال الزيارات.

3. كيف كانت أيام الزيارة؟ كيف كنتم تستعدون لها؟ وما أصعب لحظة كانت تواجهك عندما تنتهي الزيارة ويعود والدك إلى السجن؟

مشاعر يوم الزيارة كانت متخبطة. كنت أكون متحمسة لأنني سأرى والدي، وفي الوقت نفسه قلقة من تعب الرحلة والإجراءات والتعقيدات التي يفرضها الاحتلال في كل خطوة تقود إلى رؤيته.

كنا نبدأ الاستعداد من اليوم السابق. نذهب لشراء العصير والطعام وأشياء نتسلى بها على الطريق، ثم ننام مبكرًا حتى نصحو مستعدين للرحلة.

أما أصعب لحظة فكانت نهاية الزيارة. أتذكر أبي وهو يمشي إلى الخلف باتجاه الباب، وينظر إلينا ويحاول أن يعطيني كل القبلات التي يستطيع أن يرسلها قبل أن يدخل من الباب ويختفي.

هذه الصورة ما زالت عالقة في ذاكرتي، أبي يمشي إلى الخلف لأنه يريد أن يبقى ينظر إلينا حتى آخر لحظة.

4. كثير من الأطفال يكبرون ووالدهم يرافقهم إلى المدرسة أو يحضر حفلات التخرج والمناسبات. كيف عشتِ أنتِ تلك المحطات في غياب والدك؟

عندما كنت صغيرة لم أتأثر كثيرًا بغياب والدي، لأنني كنت أعرف الظروف التي تمنعه من الحضور، وكان هذا هو الواقع الذي وُلدت فيه وعرفته.

لكن مع تقدمي في العمر وفهمي الكامل للظروف، بدأت أشعر بالفقدان وعدم الاكتمال بسبب غيابه. كلما كبرت، أصبحت أفهم أكثر ماذا يعني أن يكون الأب موجودًا في هذه المحطات.

كنت أعرف أنه لا يغيب لأنه يريد ذلك، وأنه لو استطاع الحضور لكان موجودًا، لكن هذا لا يلغي شعورك بأنك كنت تتمنى وجود أبيك إلى جانبك.

5. هل تتذكرين موقفًا شعرتِ فيه للمرة الأولى أن عائلتكم مختلفة عن بقية العائلات بسبب الأسر؟

لم أشعر يومًا أن عائلتي مختلفة عن أي عائلة فلسطينية. كلنا تقريبًا خسرنا بسبب الأسر أو الشهادة أحبابًا وأقارب وأصدقاء.

ربما لهذا لم أشعر أن تجربتنا شيء منفصل عما يعيشه الناس حولنا. هذه التجربة، للأسف، موجودة في بيوت فلسطينية كثيرة.

6. ما الأشياء التي اضطررتِ إلى تعلمها أو تحملها في سن مبكرة لأن والدك كان غائبًا خلف القضبان؟

تعلمت معنى الصمود في وجه الاحتلال، وتعلمت أهمية وجودنا الفعّال في أرضنا ووطننا فلسطين.

وتعلمت أن أتحمل مسؤولية أقوالي وأفعالي ومشاعري.

لكن ربما أهم شيء تعلمته أن الأب يمكن أن يكون حاضرًا بنفسه وشخصيته، وليس بجسده فقط. أبي لم يكن موجودًا معنا في البيت، ومع ذلك شعرت بحضوره في حياتي.

7. كيف كانت والدتك تدير تفاصيل الحياة اليومية وحدها؟ وما الذي اكتشفتِ لاحقًا أنها كانت تخفيه عنكم حتى لا تشعركم بحجم المعاناة؟

أمي لم تشعرنا أبدًا بأننا نعاني من نقص. كانت هي المدبرة والموفرة في الوقت نفسه، وكانت تتولى كل شيء من دون أن تجعلنا نشعر بحجم الحمل الذي تحمله.

لم أفهم فعلًا ثقل ما كانت تقوم به إلا بعد اعتقالها.

عندها وجدت نفسي أمام متابعة المحامين والسجون والتواصل مع العائلات والأهالي الآخرين حتى نطمئن على من نحب خلف القضبان. وقتها فقط فهمت كم كانت أمي تحمل وحدها طوال تلك السنوات، وكم كانت تخفي عنا حتى نعيش من دون أن نشعر بكل هذا الثقل.

8. ثم اعتُقلت والدتك أيضًا. كيف تبدلت حياتكم عندما أصبح الأب والأم كلاهما داخل السجن؟

اختلفت الحياة بشكل جذري. في ليلة وضحاها وقعت المسؤوليات كلها عليّ.

أصبح البيت مسؤوليتي، ومتابعة قضية أمي مسؤوليتي، وأخبار أبي مسؤوليتي، والتواصل مع العائلات أيضًا مسؤوليتي.

ربما كنت أرى أمي تقوم بكل ذلك سابقًا، لكن عندما اعتُقلت وجدت نفسي فجأة في مكانها، وعرفت فعليًا حجم ما كانت تتحمله.

الأمر ثقيل، لكننا صامدون.

9. هل شعرتِ يومًا أن الناس كانت تتعامل معكم بطريقة مختلفة لأنكم أبناء أسير، سواء في المدرسة أو الجامعة أو داخل المجتمع؟

بالطبع، لكن دائمًا تقريبًا بطريقة إيجابية. كان هناك تعاطف ومحاولات للتسهيل علينا وإظهار التضامن والإيمان بقضية الأسرى.

لذلك لم أشعر أن الناس تنظر إلينا بطريقة سلبية بسبب كوننا أبناء أسير، بل كان هناك في الغالب احترام وتقدير.

10. بعد كل هذه السنوات، ما أكثر لحظة شعرتِ فيها أن الاحتلال لم يسجن والدك فقط، بل سجن العائلة كلها؟

هذه السنة تحديدًا. مرّت أعياد ميلاد كل فرد من أفراد أسرتنا، أنا وأمي وأبي وأخي، ووالداي الاثنان في سجون الاحتلال.

عندها شعرت فعلًا بالفقدان والحرمان من العائلة. قد يبدو عيد الميلاد شيئًا بسيطًا، لكن عندما تمر هذه المناسبات واحدة تلو الأخرى، وأبوك وأمك كلاهما في السجن، تشعر أن الغياب لم يعد غياب شخص واحد.

11. بعد اعتقال والدتك، هل تغيّر معنى يوم الزيارة بالنسبة لك، بعدما أصبحتِ تتابعين والدين داخل السجن بدلًا من والد واحد؟

نعم، بالتأكيد. في السابق كانت أمي هي التي تحمل معنا عبء المتابعة والزيارة، وبعد اعتقالها أصبحت المسؤولية مختلفة.

لم يعد الأمر متعلقًا بزيارة أبي والعودة إلى البيت حيث أمي موجودة، بل أصبح الأب والأم كلاهما خلف القضبان. وهذا جعل معنى الغياب نفسه مختلفًا، لأن الشخص الذي كان يدير كل هذه التفاصيل معنا أصبح هو أيضًا بحاجة إلى من يتابع أخباره وقضيته.

12. هل ما زلتِ تحتفظين برسالة أو صورة أو هدية من والدك؟ وما القصة التي تحملها هذه الذكرى؟

أحتفظ بكل الرسائل والهدايا التي وصلتني من والدي.

كل واحدة منها بالنسبة لي تمثل ذكرى من ذكريات حضوره. عندما يكون والدك بعيدًا عنك، تصبح هذه الأشياء مهمة جدًا، لأنها جزء منه ومن علاقتك به، ولذلك أحافظ عليها كلها.

13. هل مرّت عليك لحظة احتجتِ فيها إلى وجود والدك لاتخاذ قرار مهم أو لتستندي إليه، لكنك لم تجديه؟

بالطبع. كل فتاة تحتاج إلى والدها في كثير من محطات حياتها.

من السهل أن يفكر شخص بأن والدي لم يكن حاضرًا بسبب الظروف التي يعيشها، لكنني كنت أجده في كل مرة مستعدًا لتقديم المستحيل لإسعادي.

لم يكن يستطيع أن يكون موجودًا بجسده، لكنني لم أشعر أنه تخلى عن دوره كأب، وكان يحاول دائمًا أن يقدم ما يستطيع.

14. ما أكثر سؤال كان يزعجك عندما يطرحه الناس عن والدك أو عن حياتكم كأسرة أسير؟

هل تشتاقين لوالدك؟ هل تحبين والدك؟

بصراحة، كنت أستغرب هذه الأسئلة. بالطبع أشتاق إلى والدي وأحبه، ما هذه الأسئلة؟

هو أبي. وجوده في السجن لا يجعل علاقتي به مختلفة أو يجعل حبي له شيئًا يحتاج إلى سؤال.

15. لو اجتمع والدك ووالدتك اليوم معكم في البيت بعيدًا عن السجن، ما أول لحظة أو حديث تتمنين أن تعيشوه معًا بعد كل سنوات الغياب؟

أتمنى أن نجلس جميعًا في البيت وأسمع منهما قصص شبابهما في الجامعة، وقصص مطاردة أبي، وكل شيء، بكل التفاصيل.

لا أريد شيئًا كبيرًا أو استثنائيًا. أريد فقط أن نجلس معًا كعائلة، من دون زيارة ومن دون سجن ومن دون وقت محدد ينتهي بعده اللقاء.

أريد أن أسمع كل القصص التي لم نتمكن من سماعها ونحن مجتمعون، وأن نعيش جلسة عائلية عادية. هذا الشيء البسيط هو ما أتمنى أن نعيشه معًا.

مواد مشابهة