الثلاثاء 21 يوليو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

التعذيب في السجون الإسرائيلية: شهادات حقوقية ومطالب بتحقيقات مستقلة

20 يوليو 2026 قراءة 8 دقيقة

شهد ملف الأسرى الفلسطينيين خلال الأشهر الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في حجم الشهادات الصادرة عن معتقلين محررين، والتي تتحدث عن أنماط متكررة من التعذيب وسوء المعاملة داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وتتقاطع هذه الإفادات مع ما وثقته مؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية، وما أعلنه محامون تمكنوا من زيارة عدد من المعتقلين، في وقت تتواصل فيه الدعوات الأممية لإجراء تحقيقات مستقلة وضمان وصول هيئات الرقابة الدولية إلى أماكن الاحتجاز.

وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن الانتهاكات المبلغ عنها لا تقتصر على الضرب والإيذاء الجسدي، بل تشمل، وفق شهادات الأسرى وتقارير حقوقية، الحرمان من العلاج والغذاء، والعزل المطول، والإذلال، والتفتيش المهين، إضافة إلى شهادات متكررة بوقوع اعتداءات ذات طابع جنسي بحق عدد من المعتقلين.

تصاعد التوثيق الحقوقي

منذ اندلاع الحرب، أصدرت مؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية عشرات التقارير التي رصدت تدهور أوضاع الأسرى الفلسطينيين داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية. وأكد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أنه وثق شهادات متطابقة لمعتقلين محررين تحدثوا عن تعرضهم للتعذيب الجسدي والنفسي، والإذلال، والحرمان من الرعاية الطبية، والتجويع، إلى جانب شهادات تضمنت تأكيدات بوقوع اعتداءات ذات طابع جنسي، داعيًا إلى فتح تحقيقات دولية مستقلة ومحاسبة المسؤولين عنها.

كما نشرت وسائل إعلام دولية، من بينها الجزيرة ويورونيوز، تحقيقات استندت إلى شهادات أسرى ومحامين وتقارير حقوقية، خلصت إلى وجود تشابه كبير في أنماط الانتهاكات المبلغ عنها، رغم اختلاف السجون ومراكز الاحتجاز التي وردت فيها تلك الشهادات.

وفي السياق ذاته، أكد المحامي خالد محاجنة، أحد المحامين الذين تمكنوا من زيارة عدد من المعتقلين الفلسطينيين، أن الإفادات التي استمع إليها داخل السجون كشفت عن روايات متكررة تتحدث عن الضرب المبرح، والتجريد القسري من الملابس، والتقييد لفترات طويلة، والحرمان من النوم والطعام والعلاج، إضافة إلى تأكيدات تتعلق بوقوع اعتداءات ذات طابع جنسي بحق بعض المعتقلين.

كما أعربت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وعدد من المقررين الخاصين بالأمم المتحدة عن قلق بالغ إزاء المعلومات الواردة بشأن التعذيب وسوء المعاملة والعنف الجنسي بحق معتقلين فلسطينيين، داعية إلى إجراء تحقيقات مستقلة، وضمان وصول جهات رقابية دولية إلى جميع أماكن الاحتجاز.

أنماط الانتهاكات الموثقة

تشير المقارنة بين الشهادات الفردية والتقارير الحقوقية إلى وجود أنماط متكررة من الانتهاكات، أبرزها الضرب المبرح أثناء الاعتقال والتحقيق، والتقييد المؤلم لفترات طويلة، والتجريد القسري من الملابس، والحرمان من النوم والطعام والمياه والرعاية الطبية، والعزل الانفرادي، والتهديد والإذلال المستمر.

وقد وثقت شهادات الأسرى المحررين هذه الأنماط بشكل مباشر. على سبيل المثال، يروي محمد زكي البكري تجربته المروعة بعد اعتقاله في 4/4/2024، حيث تعرض للتجريد من الملابس والتقييد، ثم إشارة للكلاب للاعتداء عليه جنسيًا، وهو مكبل اليدين والقدمين ومعصوب العينين. يصف البكري شعوره بأقصى أنواع الظلم والعذاب، مؤكدًا أنه تعرض للاغتصاب الكامل بواسطة كلب تابع لجيش الاحتلال الإسرائيلي.

كما تحدث عدد من الأسرى المحررين عن عمليات اقتحام متكررة للأقسام تنفذها وحدات خاصة، تتخللها عمليات ضرب جماعي وتفتيش مهين وإتلاف للمقتنيات الشخصية، إضافة إلى إجبار الأسرى على البقاء في أوضاع مؤلمة لساعات طويلة. ويؤكد الصحفي سامي الساعي هذه الانتهاكات، مشيرًا إلى أن قوات القمع مثل وحدات "متسادا" أو "اليماز" أو السجانون أنفسهم، كانت تقتحم الأقسام بشكل متكرر وتعتدي على الأسرى بالضرب والدعس على الوجوه والبطون والظهور، وسحل الأسرى من الغرف إلى الساحة، مع الشتائم والإهانات. ويذكر الساعي أن الدماء كانت تنزف من الشباب، وبعضهم كانت أسنانه تتساقط من شدة الضرب.

وفي الجانب الصحي، وثقت شهادات وتقارير حقوقية انتشار الأمراض الجلدية، وعلى رأسها مرض الجرب، نتيجة الاكتظاظ الشديد، ونقص أدوات النظافة، وتأخر تقديم العلاج، فضلًا عن استمرار احتجاز جرحى ومرضى دون توفير الرعاية الطبية اللازمة، الأمر الذي أدى، بحسب إفادات عدد من الأسرى، إلى تدهور الحالة الصحية لعدد كبير منهم. ويؤكد الساعي هذه النقطة، مشيرًا إلى أن مرض "السكابيوس" (الجرب) كان مؤلمًا جدًا، وكان بعض الأسرى يبكون من شدة الألم ويحكون أجسادهم حتى تنزف، وتخرج الدمامل والقيح من أجسادهم، دون وجود أدوات نظافة أو علاج.

ولم تبدأ إدارة السجون بعلاج المرض إلا في الأشهر الثلاثة الأخيرة، ليس خوفًا على الأسرى، وإنما لأن السجانين أنفسهم بدأوا يُصابون بالعدوى.

وتضمنت الشهادات التي وثقتها مؤسسات حقوقية، وكذلك الإفادات التي حصلت عليها مؤسسة العهد الدولية، تأكيدات متكررة بوقوع اعتداءات ذات طابع جنسي بحق بعض المعتقلين. وترد هذه التأكيدات في سياق روايات تتحدث عن استخدام الإذلال والانتهاك الجسدي كوسيلة للضغط والإكراه أثناء الاحتجاز. وحتى الآن، لا توجد نتائج معلنة لتحقيقات مستقلة حسمت هذه التأكيدات، إلا أن تكرارها في شهادات صادرة عن معتقلين احتجزوا في أماكن وأوقات مختلفة دفع منظمات حقوقية وخبراء أمميين إلى المطالبة بإجراء تحقيقات دولية مستقلة والتحقق منها وفق المعايير الدولية.

وفي هذا السياق، يروي أمين خالد سليمان بركة تجربته الشخصية وما سمعه من أسرى آخرين. يذكر بركة أنه تعرض منذ لحظة اعتقاله إلى اعتداءات ذات طابع جنسي وإذلال جنسي، حيث أُجبر على خلع جميع ملابسه أمام الناس وأفراد عائلته، ثم قُيد وهو عارٍ بالكامل. وخلال فترة احتجازه الميداني وفي أماكن التحقيق، كان الجنود يتعمدون ضربه في المناطق الحساسة من جسده، ولا سيما منطقة الخصيتين، سواء بأعقاب البنادق أو بالركل واللكم. كما أكد أن سياسة التحرش الجسدي كانت ممنهجة، إذ كان الجنود يتعمدون وضع أيديهم أو أقدامهم على منطقة الخصيتين والضغط عليها، واستخدام العصي وأعقاب البنادق للاعتداء على الأسرى في المناطق الحساسة، بما في ذلك الضغط بأعقاب البنادق في فتحة الشرج أثناء نقل الأسرى أو إجبارهم على الحركة، وكان ذلك يتم أمام بقية الأسرى بقصد كسر كرامتهم وإذلالهم.

وعما رواه عن أسرى آخرين، أوضح أمين بركة أنه سمع مباشرة من عدد من الأسرى، بعد خروجهم من التحقيق، أنهم تعرضوا للاغتصاب، وأن بعضهم أخبروه بأن الاعتداء تم من خلال إدخال أدوات في فتحة الشرج. كما أشار إلى أنه شاهد بنفسه آثار هذه الاعتداءات، إذ كان بعض الأسرى يعودون من جلسات التحقيق إلى القسم وهم في حالة انهيار شديد، وكانت الدماء تسيل من منطقة الشرج .

كما تضمنت الشهادات التي وافق أحد الأسرى على الحديث عنها بشرط عدم ذكر اسمه، تفاصيل عن تعرض الأسرى للعنف الجنسي والتحرش بشكل شبه يومي، من سجان أو سجانة، ومن أي مكان. ويذكر أن التحرش الجنسي كان يتم بالأيدي، والعصي، والعصي الحديد، والعصي الغليظة، وبالكشاف، وبجهاز الماجنوم للتفتيش، وأي شيء يكون في أيديهم يحاولون أن يعتدوا به على الأسرى جنسيًا. ويؤكد أن الضرب على الأعضاء التناسلية كان بطريقة غير طبيعية، وكانت هناك محاولات للاغتصاب بالعصي وغيرها من الأدوات، ولم تكن مرة ولا مرتين، بل كثيرًا. كما يصف تجريد الإنسان من ملابسه كأسهل شيء لديهم، وبعدها يصبح المعتقل معرضًا لكل شيء.

ويضيف هذا الشاهد أنه سمع من أسرى غزة داخل معسكرات الجيش الإسرائيلي، مثل سديه تيمان، عن اغتصاب بواسطة الكلاب والاعتداء بالعصي.

الإطار القانوني… ماذا يقول القانون الدولي؟

يحظر القانون الدولي بصورة مطلقة التعذيب والمعاملة، أو العقوبة القاسية ،أو اللاإنسانية، أو المهينة، ويؤكد أن هذا الحظر لا يقبل أي استثناء، سواء في أوقات السلم أو النزاعات المسلحة أو حالات الطوارئ.

وتنص اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب لعام 1984 على التزام الدول بمنع التعذيب وملاحقة مرتكبيه، كما تؤكد أنه لا يجوز التذرع بالحرب أو الظروف الأمنية أو الأوامر الصادرة عن الرؤساء كمبرر لارتكاب التعذيب.

وفي سياق النزاعات المسلحة، تلزم اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 القوة القائمة بالاحتلال بضمان المعاملة الإنسانية للأشخاص المحميين، وتحظر ممارسة التعذيب أو العقوبات البدنية أو أي تدابير تسبب معاناة جسدية أو نفسية، كما تحظر الاعتداء على الكرامة الشخصية والمعاملة المهينة والحاطة بالكرامة.

وتحظر المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف كافة أشكال التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة، بينما يعتبر البروتوكول الإضافي الأول أن الاعتداء على الكرامة الشخصية، بما في ذلك الإذلال أو المعاملة المهينة، يعد انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني.

أما نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فيعتبر التعذيب جريمة حرب عندما يرتكب بحق أشخاص محميين أثناء النزاعات المسلحة، كما قد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية إذا ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين، مع العلم أن توصيف أي أفعال محددة يتطلب تقييمًا قضائيًا للأدلة والوقائع.

تقدير موقف مؤسسة العهد الدولية

ترى مؤسسة العهد الدولية أن الإفادات التي وثقتها، إلى جانب الشهادات التي نشرتها منظمات حقوقية فلسطينية ودولية، وما أورده محامون تمكنوا من زيارة معتقلين فلسطينيين، تكشف عن مؤشرات مقلقة تستدعي تحركًا دوليًا عاجلًا للتحقق من أوضاع الأسرى الفلسطينيين داخل أماكن الاحتجاز الإسرائيلية.

وتعتبر المؤسسة أن تشابه أنماط الانتهاكات المبلغ عنها، رغم اختلاف أماكن الاحتجاز والفترات الزمنية، يعزز الحاجة إلى إجراء تحقيقات مستقلة وفعالة، وفق المعايير الدولية، لضمان كشف الحقيقة ومساءلة كل من يثبت تورطه في أي انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.

وتدعو المؤسسة الأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والإجراءات الخاصة التابعة لمجلس حقوق الإنسان، إلى تكثيف جهودها من أجل ضمان الوصول غير المقيد إلى جميع أماكن الاحتجاز، وتمكين المعتقلين من الحصول على الرعاية الطبية، وحمايتهم من التعذيب وسوء المعاملة، وضمان احترام الكرامة الإنسانية والحقوق المكفولة لهم بموجب اتفاقيات جنيف واتفاقية مناهضة التعذيب وغيرها من قواعد القانون الدولي.

كما تؤكد مؤسسة العهد الدولية أن الإفلات من العقاب في الجرائم الجسيمة لا يهدد حقوق الضحايا فحسب، بل يقوض منظومة الحماية التي أرساها القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، الأمر الذي يجعل المساءلة القضائية المستقلة ضرورة قانونية وأخلاقية لضمان عدم تكرار الانتهاكات وحماية جميع المحتجزين دون تمييز.

 

مواد مشابهة