في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وهناك ، لا تُقاس الأيام بالوقت، بل بثقلها وبعدد الاقتحامات ، ولا تُختصر المعاناة بنقص الاحتياجات، بل تمتد إلى استهداف الجسد والكرامة معًا .
هناك، حيث تُغلَق الأبواب الثقيلة، لا يُحتجز الجسد فقط، بل تُختبر القدرة على الاحتمال، وتُستنزف الروح يومًا بعد يوم ، وفي كل زاوية من الزنزانة، حكاية صامتة، وفي كل ليلة، خوفٌ لا يُروى.
في سجن الدامون وفي الأشهر الأخيرة ، تصاعدت وتيرة الانتهاكات التي طالت 87 أسيرة، في ظل ظروف احتجاز توصف بالقاسية وتفتقر إلى الحد الأدنى من المقومات الصحية والإنسانية. ويواجه العدد الأكبر من الأسيرات اتهامات مرتبطة بما يُعرف بـ"التحريض"، وهي تهم تُوجَّه في كثير من الحالات استنادًا إلى منشورات أو تعبيرات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما يثير تساؤلات واسعة حول حدود حرية التعبير واستخدام هذه التهم كأداة لتوسيع دائرة الاعتقال تجاه النساء الفلسطينيات ، وفي موازاة ذلك، تحتجز أعداد متزايدة من الأسيرات بموجب أوامر الاعتقال الإداري، دون توجيه لوائح اتهام واضحة أو إخضاعهن لمحاكمات فعلية، حيث يُحتجزن استنادًا إلى ما يُعرف بـ"الملف السري"، الذي لا يُتاح للأسيرة أو لمحاميها الاطلاع عليه، الأمر الذي يحرمهن عمليًا من حق الدفاع ومعرفة الأدلة المستخدمة ضدهن، في مخالفة واضحة لمبادئ المحاكمة العادلة.
ومن بين الأسيرات ، نساء حوامل، وهن : أمينة الطويل، منار كراجة، دانا جودة، إلى جانب أسيرات مريضات وقاصرات وأخريات متقدمات في السن، في ظل بيئة احتجاز تفتقر إلى الحد الأدنى من الرعاية الصحية والإنسانية ، وظروف اعتقال قاسية وشهادات تكشف عن واقع قاسٍ وبيئة اعتقال تتفاقم فيها المعاناة يوماً بعد يوم .
( 13 ) عملية قمع خلال شهر واحد
لم يكن شهر نيسان 2026 شهراً عابراً ، بل كان مثقلاً بـ 13 عملية قمع، 13 مرة سُحبت فيها الكرامة على أرضٍ باردة، و13 مرة ارتجفت فيها قلوب الأسيرات تحت وقع الأقدام والصراخ، وبين كل اقتحام وآخر، كان خوف الأسيرات يتراكم لا كذكرى، بل كحالة دائمة.
تكشف إحدى الشهادات من داخل السجن عن مستوى غير مسبوق من التصعيد، حيث أفادت أسيرة : " الوضع صعب جدًا… 13 قمعة خلال شهر نيسان، قمعة صباحًا وأخرى مساءً ، كانوا يجرّون الأسيرات من أرجلهن على الأرض، مع شحشطات متواصلة وتشديد قاسٍ."
ووفقاً للمعطيات المتوفرة من مؤسسات الأسرى ، فإنّ هذه العمليات تُنفّذ عبر وحدات خاصة، أبرزها وحدة " النحشون "، وتتخللها إجراءات عنيفة تبدأ باقتحامات مفاجئة للأقسام، يليها استخدام القنابل الصوتية، ثم إجبار الأسيرات على الانبطاح أرضًا، قبل تقييد أيديهن إلى الخلف، وانتهاءً بالاعتداء عليهن بالضرب والركل.
ولا تبدو هذه الممارسات حوادث معزولة ، بل أصبحت تعكس نمطًا متكررًا ومنهجيًا من القمع، أصبح جزءًا من الروتين اليومي داخل السجن، يتكرر أحيانًا مرتين في اليوم ، ويشير هذا التسلسل المنتظم إلى استخدام مفرط للقوة يتجاوز بكثير حدود التفتيش الروتيني، ويؤكد تصعيدًا واضحًا في أساليب التعامل مع الأسيرات الفلسطينيات.
ظروف معيشية قاسية وإهمال متعمد
لا تقتصر معاناة الأسيرات داخل السجون على سياسات القمع المباشر، بل تمتد إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتحول أبسط الحقوق إلى معاناة مستمرة ، فتعاني الأسيرات من تدنٍّ حاد في جودة الطعام، ونقص واضح في الملابس، لا سيما ملابس الصلاة، حيث أكدت مؤسسات الأسرى أن إدارة سجون الاحتلال تفرض قيودًا إضافية على الأسيرات، من بينها حرمانهن من الحجاب وملابس الصلاة بشكل كافٍ، ما يضطر الأسيرات إلى تبادلها فيما بينهن، في مشهد يعكس حجم التدهور في ظروف الاحتجاز.
كما تعاني الأسيرات من تقليص ما يُعرف بـ "الفورة" إلى نحو ساعة يوميًا فقط تُخصص للاستحمام والتنظيف، فيما تُحرم بعض الغرف منها لأيام متتالية، ما يزيد من صعوبة الأوضاع المعيشية داخل السجن.
ويتفاقم هذا الواقع مع الإهمال الطبي الممنهج، حيث تغيب المتابعة الصحية الدورية، ويُسجّل نقص في الأدوية والعلاجات الأساسية، إلى جانب عدم توفير تغذية ملائمة ، خصوصًا للحالات المرضية والحوامل، اللواتي يحتجن إلى رعاية خاصة غير متوفرة داخل بيئة السجن ، ويشكّل هذا الإهمال تهديدًا حقيقيًا على حياتهن، وعلى سلامة أجنّتهن.
في شهادتها ، كشفت الأسيرة أمينة علي حسين غلبان، من قلقيلية ، وهي أم لثلاثة أطفال (التوأم مجاهد وقسام، ووطن)، عن الوضع الصحي الصعب الذي تُعاني منه غالبية الأسيرات إضافةً إلى معانتها الشخصية ، حيث تحتاج إلى رعاية طبية عاجلة .
وتعاني أمينة من مشكلات صحية تشمل الحصوات والدوالي، وتؤكد حاجتها إلى تقارير طبية وعلاج متخصص، في وقت تُحرم فيه من الحصول على الرعاية اللازمة ، وتعبّر عن أملها في الإفراج القريب، قائلة إنها تتمنى أن تتمكن من العودة إلى منزلها بشكل طبيعي، دون أن تُعاد معاناتها عبر الحواجز أو إجراءات الاحتجاز.
وحول ظروف اعتقالها، تروي أنها اعتُقلت فجر 18 آذار/ مارس 2026، عند الساعة الواحدة والنصف ليلًا، قبل أن تُنقل إلى مركز تحقيق الجلمة، حيث احتُجزت لمدة 13 يومًا في العزل الانفرادي ، وتصف تلك التجربة بقولها إنها كانت " كابوسًا، كالقبر، لا في الأرض ولا في السماء"، في إشارة إلى قسوة العزل وظروفه اللاإنسانية ، وبعد انتهاء فترة التحقيق، نُقلت إلى سجن الدامون.
وتصف أمينة الواقع داخل السجن بأنه " صعب جدًا "، مشيرة إلى تصعيد واضح في وتيرة القمع، حيث سُجّل خلال شهر نيسان/ أبريل وحده 13 عملية اقتحام ( قمعة ) ، نُفذت صباحًا ومساءً ، وتوضح أن هذه العمليات رافقها عنف جسدي، من بينها جرّ الأسيرات على الأرض من أرجلهن، إلى جانب اعتداءات متكررة وإجراءات مشددة.
كما تتحدث عن تدهور الظروف المعيشية داخل القسم، حيث تصف الطعام بأنه "سيئ جدًا"، في ظل نقص حاد في الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك الملابس ، وتلفت إلى عدم توفر ملابس مناسبة للصلاة، ما يضطر الأسيرات إلى استخدام ملابس قديمة ومهترئة لتفصيل تنانير بسيطة تسترهن أثناء الصلاة.
وعلى الصعيد الصحي، تؤكد أمينة أن إدارة السجن لا توفر لهن الأدوية اللازمة، رغم الحالات المرضية القائمة، ما يفاقم من معاناتهن اليومية.
لا تقتصر الانتهاكات على الجانب الصحي فقط ، بل تمتد لتشمل ضغوطًا نفسية وأساليب تحقيق قاسية، قد تصل إلى العزل أو التهديد، في محاولة للضغط على الأسيرات، خاصة خلال فترات التحقيق الأولى.
ومن أبرز الانتهاكات التي تتعرض لها الأسيرات، سياسة التفتيش المهين، بما في ذلك التفتيش الجسدي القاسي، إضافة إلى العقوبات الجماعية مثل العزل أو الحرمان من الحقوق الأساسية كالتعليم والتواصل ، كما تُحتجز بعض النساء إداريًا دون تهمة أو محاكمة .
تُعد كافة الانتهاكات التي تتعرض لها الأسيرات داخل السجون مخالفة واضحة للمواثيق الدولية، التي تنص على ضرورة توفير الحماية للمدنيين، وضرورة مراعاة احتياجات النساء، لا سيما الحوامل، داخل أماكن الاحتجاز.
ثلاث حالات حمل في ظل ظروف احتجاز قاسية
تشير المعطيات المتوفرة إلى ارتفاع مقلق في عدد الأسيرات الحوامل مؤخرًا، حيث تتواجد ثلاث أسيرات حوامل داخل سجون الاحتلال في وقتٍ واحد ، وتُعاني كلاً من أمينة الطويل، منار كراجة، دانا جودة ، من غياب الحد الأدنى من الرعاية الطبية، وانعدام المتابعة الصحية الدورية، إلى جانب نقص التغذية الملائمة، واستمرار احتجازهن في ظروف لا تراعي طبيعة أوضاعهن الصحية الحساسة ، ولا تقتصر المعاناة على الجانب الصحي، بل تمتد إلى البعد النفسي، حيث تُحرم العديد من الأسيرات من التواصل المنتظم مع عائلاتهن، أو تُفرض عليهن قيود تعسفية، مما يزيد من حدة الضغط النفسي في هذه المرحلة الدقيقة.
وتؤكد تقارير صادرة عن مؤسسات الأسرى أن الأسيرات الحوامل يواجهن واقعًا مضاعف القسوة، إذ يجتمع الإهمال الطبي مع بيئة احتجاز قاسية، تتسم بالاكتظاظ وغياب الخصوصية، وصعوبة الوصول إلى الفحوصات الدورية أو الأدوية اللازمة ، كما تُثار مخاوف جدية بشأن سلامة الأجنة ، في ظل استمرار هذه الظروف التي لا توفر الحد الأدنى من شروط الرعاية الصحية.
وتضع هذه الانتهاكات الأسيرات الحوامل أمام مخاطر صحية حقيقية، في ظل بيئة احتجاز لا تستجيب لأبسط المعايير الإنسانية، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بالواجبات القانونية الدولية ، فمن الناحية القانونية، تُعد هذه الممارسات مخالفة صريحة لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة، التي تنص على ضرورة توفير حماية خاصة ورعاية صحية ملائمة للنساء الحوامل، وضمان ظروف احتجاز إنسانية.
شهادات تكشف ما وراء الجدران
تنقل الأسيرات الحوامل صورة أكثر قتامة عمّا يجري داخل السجون، ففي شهادتها لمؤسسة العهد الدولية ، تكشف الأسيرة أمينة شاهر محمد طويل، من بلدة كفر ثلث / قلقيلية ، وهي أم لأربعة أطفال، عن جانب بالغ القسوة من واقع الاعتقال، لا سيما في ظل حملها في شهره الثالث.
تقول أمينة إنها اعتُقلت فجر 18 آذار/ مارس 2026، عند الساعة الثانية والنصف ليلًا، قبل أن تُنقل إلى مركز تحقيق الجلمة، حيث خضعت لتحقيق استمر 25 يومًا داخل زنزانة انفرادية تحت الأرض، في ظروف تصفها بـ " القاسية جدًا ". وتضيف أنها فقدت نحو 9 كيلوغرامات من وزنها خلال هذه الفترة، نتيجة الضغط النفسي والجسدي الشديد، مؤكدة أن ما تعرّضت له " يفوق ما يمكن تخيّله ."
وبحسب شهادتها، فإنها تواجه استهدافًا على خلفية مواقفها الإنسانية تجاه الأسرى، حيث تقول: "يحاسبونني على مشاعري الإنسانية".
وتُحتجز أمينة حاليًا في غرفة رقم (1)، التي لا تتجاوز مساحتها 4×4 أمتار، وتضم ست أسيرات بدلًا من اثنتين، في ظل اكتظاظ شديد وانعدام للحد الأدنى من الخصوصية، حيث إن الحمام داخل الغرفة دون باب، ما يؤدي إلى تسرب الروائح والبخار إلى كامل المساحة، في وقت تُغلق فيه النوافذ ولا يُسمح بتهوية المكان بشكل كافٍ.
وتشير إلى أنها محتجزة إلى جانب عدد من الأسيرات، بينهن قاصرة وأخريات حوامل، في ظروف لا تراعي أوضاعهن الصحية، مؤكدة أن الوضع داخل القسم "صعب للغاية".
وتكشف أمينة عن تعرض الغرفة لست عمليات قمع منذ وصولها، ترافقها قنابل صوتية تُلقى عند الباب، ما يخلّف حالة من الهلع الشديد داخل الغرفة. وتصف تلك اللحظات بقولها إنها وجدت نفسها في أقصى زاوية الغرفة بفعل شدة الصوت والصدى ، كما تتحدث عن عقوبات متكررة، واقتحامات تتخللها صرخات وشتائم، وإجبار الأسيرات على الركوع أرضًا، إلى جانب نقل ثلاث أسيرات إلى العزل لفترات طويلة.
أما على الصعيد الصحي، فتؤكد أمينة أن الطعام المقدم لا يلائم حالتها كحامل، في ظل غياب الأغذية الأساسية التي تحتاجها، مثل الشوربات والخضروات، وهو ما يفاقم من وضعها الصحي.
وتسلّط شهادتها الضوء على مظاهر التضامن بين الأسيرات، حيث تشير إلى أن زميلاتها قدّمن لها ملابس للصلاة بعد أن صودرت ملابسها عند الاعتقال، واضطررن إلى تعديلها لتناسبها، فيما تتناوب مع أسيرة أخرى على استخدام تنورة الصلاة، سواء لأداء الصلاة أو خلال "الفورة" .
وفيما يتعلق بوضعها الصحي، تفيد أمينة بأنها تعاني من تشنجات وتجلطات، وقد طالبت بإجراء فحص للحمل، إلا أن الاستجابة جاءت متأخرة، حيث لم تُبلّغ بالنتيجة إلا بعد أسبوع من إجرائه، وتلفت إلى أنه بعد تأكيد حملها، تصاعدت وتيرة التحقيق معها لتصل إلى مرة يوميًا.
وفي معاناة أسيرة أخرى حامل ، تكشف الأسيرة دانا عناد سبتي جودي، من مواليد عام 1991، عن مسار متكامل من الضغط النفسي والاحتجاز القاسي الذي تعرضت له حتى قبل لحظة اعتقالها. فبحسب رواية عائلتها، لم تبدأ القضية بإجراءات قانونية اعتيادية، بل بتهديدات مباشرة مارستها المخابرات بحقها وبحق عائلتها، حيث هددها الضابط المدعو "كنعان" بوالدها وابنها الوحيد فارس، بعد تأخرها عن موعد المقابلة ، ولم يتوقف الأمر عند ذلك ، إذ تلقى والدها اتصالًا يطالبه بتسليم نفسه، مع تهديد صريح باعتقاله في حال عدم الامتثال، في محاولة واضحة للضغط على دانا ودفعها لتسليم نفسها خوفًا على عائلتها ، وفي 19 نيسان/ أبريل 2026، توجهت دانا إلى المقابلة، ليتم احتجازها والإفراج عن والدها، بينما دخلت هي في أسبوع كامل من التحقيق والعزل عن العالم الخارجي، دون أن تتمكن عائلتها من معرفة أي معلومات عنها، قبل أن يُسمح لها باتصال وحيد لم يتجاوز الدقيقتين.
وخلال احتجازها داخل سجن الدامون، اكتشفت دانا أنها حامل، في وقت تواجه فيه أوضاعًا صحية شديدة الخطورة، إذ تعاني من آثار عملية " قص معدة " كانت قد أجرتها قبل اعتقالها بفترة وجيزة ، ما يجعلها بحاجة دائمة إلى نظام غذائي خاص وفيتامينات ومتابعة طبية مستمرة، وهي احتياجات لا تتوفر داخل السجن وفق شهادات العائلة.
تعيش دانا اليوم حالة من الإعياء الحاد والجفاف المرتبط بالحمل، وسط مخاوف متزايدة على حياتها وحياة جنينها، خاصة مع استمرار احتجازها في غرفة مكتظة تضم ست أسيرات، تفتقر إلى التهوية والخصوصية، وتنتشر فيها الرطوبة والروائح الكريهة.
وتعكس حالة دانا صورة مركّبة من الانتهاكات، تبدأ من التهديد والترهيب النفسي، ولا تنتهي عند الإهمال الطبي وسوء ظروف الاحتجاز، في ظل غياب الرعاية اللازمة لامرأة حامل تعاني أصلًا من وضع صحي معقد، ما يضعها أمام خطر صحي حقيقي داخل السجن.
من مقاعد الدراسة إلى السجون
شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة اعتقال القاصرين والقاصرات في فلسطين، في ظل ممارسات تثير مخاوف حقوقية متزايدة بشأن استهداف الأطفال والزجّ بهم في منظومة الاعتقال والتحقيق ، ولم يعد اعتقال الفتيات القاصرات حالة استثنائية، بل تحوّل إلى واقع متكرر يطال طالبات المدارس والجامعات، ويخلّف آثارًا نفسية واجتماعية عميقة تمتد لسنوات طويلة، خاصة في ظل ظروف الاعتقال القاسية وما يرافقها من ضغط نفسي وعزل عن العائلة والتعليم والحياة الطبيعية.
وتُعد الأسيرات القاصرات من أكثر الفئات هشاشة داخل السجون، إذ يُحتجزن في ظروف لا تراعي أعمارهن أو احتياجاتهن النفسية والتعليمية، في مخالفة واضحة لـاتفاقية حقوق الطفل، التي تؤكد ضرورة توفير الحماية والرعاية الخاصة للأطفال، وضمان معاملتهم بما يحفظ كرامتهم ويأخذ بعين الاعتبار احتياجاتهم العمرية والنفسية ، وفي كثير من الحالات، تواجه القاصرات ظروف احتجاز مشابهة لتلك المفروضة على البالغات، بما يشمل الاكتظاظ، والتفتيشات المتكررة، والحرمان من التعليم المنتظم، الأمر الذي يضاعف من حجم الأثر النفسي والمعنوي للاعتقال عليهن.
يقبع داخل سجون الاحتلال 3 قاصرات يعشن ظروفاً لا تُراعي أعمارهن واحتياجاتهن ، منهن الأسيرة القاصر سالي صدقة ، وهي من قرية المدية غرب رام الله، وُلدت في التاسع من شباط/ فبراير عام 2008، ولم تكن قد تجاوزت السابعة عشرة من عمرها لحظة اعتقالها في الخامس من كانون الثاني/ يناير 2025، على خلفية قضية وُصفت بمحاولة طعن قرب حاجز بيت إيل. ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة قاسية غيّرت مجرى حياتها بالكامل، وانتزعتها من مقاعد الدراسة إلى زنازين التحقيق.
قبل اعتقالها، كانت سالي طالبة في الصف الحادي عشر العلمي في مدرسة نعلين الثانوية، تستعد لامتحانات الثانوية العامة بعد نحو عام، وتعيش حياة طبيعية كغيرها من الفتيات، إلا أن الاعتقال حرمها من حقها في مواصلة تعليمها، وقطع مسارها الدراسي بشكل قسري، لتتحول الكتب والدفاتر إلى ذكريات بعيدة خلف القضبان.
بعد اعتقالها، نُقلت سالي إلى سجن المسكوبية، حيث خضعت لتحقيق قاسٍ استمر قرابة شهرين، تعرضت خلاله للضرب والعزل والحرمان من أبسط مقومات الحياة الإنسانية، إضافة إلى تعريضها للبرد الشديد عبر تشغيل أجهزة التكييف بشكل متواصل. ولم تُراعَ خلال التحقيق حقيقة كونها قاصرًا، ولا حالتها النفسية المتأثرة أصلًا باستشهاد شقيقها، إذ عاشت في عزلة شبه كاملة، تحت ضغط نفسي وجسدي متواصل، دون أي دعم أو رعاية مناسبة لطفلة في مثل عمرها.
وفي سجن الدامون، وُضعت سالي في غرفة مع أسيرة قاصر أخرى تُدعى هناء حماد، داخل غرفة مراقبة بالكاميرات بشكل كامل، دون أي خصوصية، ودون وجود أسيرات أخريات، ما جعل العزلة والخوف جزءًا دائمًا من حياتهما اليومية. ووفق ما نقلته العائلة، فإن ظروف الحياة داخل السجن قاسية للغاية، بدءًا من سوء الطعام، وصولًا إلى أجواء القمع الدائمة. ورغم أن القمع المباشر عليها كان أخف نسبيًا بسبب كونها قاصرًا، إلا أن مشاهدة الاقتحامات المتكررة، وسماع صراخ الأسيرات، ورؤية العنف الذي يُمارس بحق الأخريات، ترك آثارًا نفسية عميقة عليها.
اليوم، تقف سالي وبقية القاصرات ، باعتبارهنّ جزء من مئات الأطفال الفلسطينيين الذين انتُهكت طفولتهم داخل السجون، بعدما حرموا من التعليم، البيت ، ومن الأهل والأصدقاء ، ليجدوا أنفسهم في مواجهة تجربة اعتقال قاسية في عمر كان يفترض أن يكون مخصصًا للحياة والدراسة والأمان، لا للتحقيق والعزل والخوف.
واقع خارج المساءلة
تُظهر المعطيات الميدانية أن ما يجري داخل سجن الدامون لم يعد امتدادًا لوضع سابق داخل السجون، بل يمثل مرحلة أكثر حدّة بدأت ملامحها تتبلور بوضوح بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 .
فبينما كانت الانتهاكات قائمة قبل ذلك، تشير الشهادات الحديثة إلى تحوّل نوعي في وتيرة القمع وأدواته، وفي مستوى التضييق على تفاصيل الحياة اليومية للأسيرات، بما يعكس انتقالًا من ممارسات متفرقة إلى نمط أكثر انتظامًا وحدّة ، وتشير الوقائع داخل السجن إلى تجاوز واضح لحدود الإجراءات الأمنية، باتجاه ممارسات تثير تساؤلات جدية حول مدى التزام إدارة السجون بالمعايير القانونية والإنسانية، لا سيما في ظل تصاعد القيود وتدهور الظروف المعيشية والصحية.
ما يجري للأسيرات داخل السجون ، ليس مجرد حكاية سجن ،،، بل قصة نساء يواجهن القسوة بصمت ، ويتمسكن بما تبقى من قوة في تفاصيل صغيرة… صلاة، كلمة، أو أمل لا ينطفئ.
وفي وقت تبقى فيه هذه الأصوات محاصرة بالجدران، تظل الحاجة ملحّة لتحرك حقيقي يضع حدًا لهذا الواقع، ويعيد للإنسان، أيًّا كان، حقه في الكرامة.
وما قبل السابع من أكتوبر وبعده ، لا يكمن الفرق في التفاصيل فقط ...
بل في انتقال معاناة الأسيرات من مستوى صعب، إلى مرحلة أكثر قسوة وتنظيمًا، تُعيد تعريف حدود الانتهاك داخل السجون.
ومع استمرار تكرار هذه الانتهاكات دون مؤشرات على المساءلة أو التغيير، يبقى هذا الملف مفتوحًا أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية تتطلب تحقيقًا دوليًا مستقلًا، يضمن توثيق ما يجري، ومحاسبة المسؤولين، وحماية الأسيرات من استمرار هذا النمط من القمع.
مواد مشابهة
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...
من " تكسير العظام " إلى الضرب والتعذيب الممنهج داخل سجون الا...
إذا كانت سياسة " تكسير العظام " خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى قد استهدفت كسر الجسد بشكل مباشر وسريع، فإن ما...