بعدما تنسمت رماء عبير الحرية، لم تكن تلك اللحظة نهاية قصتها، فما عاينته داخل جدران السجن كان تجربة لا تنسى؛
لم يكن ثمة شعور أجمل من وجود أطفال يزينون حياة آبائهم، ويتضاعف هذا الشعور حين يصاحبه شعور مشابه لطفل مرتقب، يُنتظر قدومه على أحرّ من الجمر، بشوق وفرح، لكن هذا الفرح الكبير يتحول إلى وجع كبير، حين تختطف سجون الاحتلال حضن الأطفال الدافئ، وملاذهم الآمن، وتُغيّب أمهم في ظلمات الزنازين.
الأمومة
الأسيرة رماء بلوي 31 عاماً، من قرية كفر اللبد في طولكرم، كانت معلمة في مدرسة الأقصى (شويكة)، وهي متزوجة وأم لطفلتين: يافا ولمار، وتنتظر مولودها الثالث عبود، في حملها به في الشهر السادس.
الوجع
فجر الخامس والعشرين من فبراير 2025، اقتحمت قوات الاحتلال منزل رماء لاعتقالها، بطريقة وحشية، حيث تعرضت للتكبيل وتغطية عينيها والاعتداء اللفظي والجسدي، ومُنعت من تبديل ملابسها، ثم نُقلت في رحلة شاقة نحو معتقل الدامون، وهناك أصبحت الأمومة عبئاً على القلب الذي يعتصره الشوق، ويأكله القلق، وفي يوم الأسير، تكلمت دموع رماء، عندما علمت أن طفلتيها رفعتا يوم الأسير لافتة تحمل صورتها، مكتوب عليها: "كل الحكاية ماما مش هون".
عذاب الدامون
في غرفة واحدة، تشترك رماء مع ست أسيرات، يقاسين معاً عذاباً يحمل الرقم 2، ويواجهن أوضاعا قاسية، وسط تنكيل متواصل، وقمع وضرب.
أما رماء فمعاناتها مضاعفة، بسبب حملها، وضعها الصحي يدعو للقلق، فالطعام المتوفر يحتوي فقط على البقوليات التي تسبب لها انتفاخاً وضيقاً في التنفس، ورغم قضائها أربعة أشهر من حملها في السجن، ظلّ وزنها ثابتاً، مهددة بولادة قيصرية، ولا تتلقى أي علاج سوى نصيحة "اشربي ماء"، في حين أن الماء الذي يطلبون منها شربه مالح، أو ممزوج بالكلور، منتظرة كابوس الولادة وحيدة مقيدة، مع طفل في زنزانة!
معاناة رماء ليست فريدة، بل هي جزء شائع من سياسة ممنهجة للاحتلال بحق الأسيرات، سواء الحوامل أو غيرهن، حيث يحرمن من الرعاية الصحية الكافية، والاحتياجات الإنسانية اللازمة، في انتهاك صارخ لاتفاقيات حقوق الإنسان.
أمل وفرج
رغم الألم تمسكت رماء بصورة عائلتها التي في انتظارها، فهوّنت عليها ليالي السجن المظلمة، وفي كل فرصة كانت ترسل للجميع سلامها وسلام جنينها كذلك وتقول "بحبكم كثير، عبود بسلم عليكم ومشتاقلكم".
وبعد ستة أشهر من العذاب، وكابوس الولادة في السجن، منّ الله على رماء بالفرج، وتحررت بشروط قاسية وكفالة قدرها 15 ألف شيقل.
مواد مشابهة
خلف القضبان بدل قاعات الامتحان : أسرى أشبال حرمهم الاعتقال م...
تمثل قضية طلبة الثانوية العامة المعتقلين سوى جزء من واقع أوسع يعيشه الأطفال الفلسطينيون في سجون الاحتلال. فوفق...
شيماء الخولي.. من ساحة المعمداني إلى زنازين الدامون
تقول شيماء إن اللحظة الأصعب لم تكن الاعتقال نفسه، بل شعورها بأنها تغادر غزة إلى المجهول. خلال عملية النقل، راو...
في معزل عن العالم ... الأسيرة الفلسطينية وحيدةً في مسالخ الت...
لم تعد غرف سجن "الدامون" وزنازين التوقيف الإسرائيلية مجرد أماكن لسلب الحرية، بل تحولت بفعل السياسات الانتقامية...