الأحد 10 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

المفقودون في غزة.. صمت الركام وألم الانتظار

22 مايو 2025 قراءة 5 دقيقة

تحت الركام وفي غياهب السجون، وبين خطوط النزوح والحدود المشتعلة، تختفي ملامح الحياة، ليسوا شهداء معلنين، ولا أحياء تُروى أخبارهم، إنهم المفقودون في قطاع غزة؛ حرب أخرى لا تقل بشاعة عن القصف والدمار. في غزة، لا تُعرف نهاية الحكاية، ولا بداية اليقين، بل تتكرر المفاجآت على هيئة أسماء تبحث عنها عائلاتها منذ شهور، ووجوه تُطارد في الصور والمستشفيات والمقابر الجماعية دون جدوى.

10 آلاف مفقود تحت الأنقاض وأمام الأسلاك الشائكة

يقدّر جهاز الدفاع المدني الفلسطيني أن نحو 10 آلاف مفقود ما زالوا عالقين تحت أنقاض المنازل والمباني السكنية المدمرة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، بينهم 8 آلاف في مدينة غزة ومحافظة الشمال، ونحو ألفي مفقود في محافظات الجنوب لا سيما في خانيونس ورفح.

وتشكل هذه الأرقام صدمة إضافية في ظل انعدام المعدات والآليات اللازمة لانتشال الضحايا، حيث تعاني طواقم الدفاع المدني من نقص حاد في الرافعات الثقيلة وأجهزة الإنقاذ تحت الركام. يقول أحد أفراد طواقم الإنقاذ: "نسمع أنينا، نحاول الحفر بأيدينا، لكننا نُقهر كل مرة أمام عجز الإمكانيات وتواصل القصف"

عائلات بلا قبور.. ومصير مجهول في السجون والممرات

في قطاع غزة لم تعد العائلات تنتظر عودة أبنائها فحسب، بل باتت تحلم بقبور تحمل أسماءهم، تطفئ نار الانتظار الطويل. الآلاف من العائلات الغزية تعيش اليوم في دوامة المجهول، لا تعرف إن كانت ستحتضن جثمان فقيدها يوما أم ستظل ذكراه معلقة بين ركام المنازل وذاكرة الصور. أطفال فقدوا في لحظات نزوح جماعي، ونساء خرجن لطلب الأمان فلم يعدن، وشباب كان آخر ما نقل عنهم أنهم شوهدوا في محيط قصف عنيف أو على حاجز احتلالي قبل أن تنقطع أخبارهم إلى الأبد.

وقد وثقت مؤسسة العهد الدولية عشرات الشهادات المؤلمة لعائلات المفقودين في قطاع غزة، حيث تتقاطع القصص في تفاصيلها: خروج مفاجئ من المنزل بعد تحذير بالقصف، انقطاع الاتصال أثناء النزوح، أو مشاهدات أخيرة تشير إلى اعتقال أو إصابة في مكان لم تتمكن فرق الإنقاذ من الوصول إليه. قصص عن أب وأم يفتشون بين صور الضحايا، وعن أم تتردد كل صباح إلى مركز للبلاغات علّها تجد اسم ابنها بين قوائم الشهداء، لا لتبكيه، بل لتمنحه قبرا يليق بانتظاره.

إنها ليست مجرد أسماء غابت، هي حكايات كاملة لأشخاص كانت لهم حياة ووجوه، اختطفهم الغياب القسري من بين أهلهم، ولم يُتح لهم حتى وداع أخير. هذا الغياب يمدد الحزن فلا وداع حصل، ولا عزاء أُقيم، ولا شاهد قبر يُزار. وتبقى تلك العائلات معلقة بين الأمل واليأس، تُقاتل لأجل حقها في معرفة الحقيقة، في ألا يُمحى اسم ابنها من الوجود، ولا تُدفن قصته مع الركام.

قانون "المقاتل غير الشرعي".. تشريع للإخفاء القسري

يستند الاحتلال الاسرائيلي إلى ما يسمى بـ "قانون المقاتل غير الشرعي"، الذي أُقر عام 2002، والذي يُجيز اعتقال أي شخص يشتبه بانخراطه في "أعمال عدائية"، دون محاكمة أو توجيه تهمة، واحتجازه إلى أجل غير مسمى استنادا إلى ملفات سرية.

بعد حرب السابع من أكتوبر 2023، اعتُبر جميع معتقلي غزة مقاتلين غير شرعيين، وتم نقل الآلاف منهم إلى قاعدة "سدي تيمان" العسكرية حيث يواجهون ظروفا قاسية من التعذيب والإهانة والتجويع.

ولا يعترف القانون الدولي بهذا التصنيف، بل ينص في اتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة على ضرورة حماية المدنيين وتوفير معايير إنسانية للمعتقلين، ويحظر الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري.

الركام لا يشي بالنهايات.. بل بالبدايات المؤجلة

تشير تقارير حقوقية وإنسانية إلى أن آلاف الأشخاص ما زالوا تحت الأنقاض، دفنوا هناك بصمت خاصة في المناطق التي منعت فيها طواقم الإسعاف من الوصول، أو التي استهدفت فيها فرق الدفاع المدني بشكل مباشر ما جعل من عمليات الإنقاذ أو انتشال الجثث مهمة شبه مستحيلة.

وفي هذا السياق، قدرت منظمة "أنقذوا الأطفال" أن نحو 21 ألف طفل في غزة يعتبرون في عداد المفقودين، من بينهم أطفال يُرجّح أنهم ما زالوا تحت الركام، وآخرون اختطفتهم قوات الاحتلال، وبعضهم دفن في مقابر جماعية أو مجهولة الهوية، فيما انفصل المئات عن عائلاتهم وسط فوضى الحرب والنزوح والدمار.

في مخيمات جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون والشجاعية وخانيونس ورفح ما زالت روائح الموت تخرج من بين الردم، فيما يقف الأهالي عاجزين عن الحفر، أو حتى التأكد من أن أبناءهم قد ماتوا بالفعل.

ما يجري يقاس بما تخلفه الحرب من جراح غائرة وليس بعدد الضحايا فحسب ، يقاس بما تخلفه الحرب من طفولة ممزقة وأسماء صغيرة ما زالت تنتظر من يعيد كتابتها في قوائم الحياة .

غياب التوثيق الرسمي.. وازدواجية المعايير في مجلس الأمن

لم يصدر الاحتلال الاسرائيلي حتى الآن أي قوائم بأسماء المعتقلين أو القتلى لديها. وفي المقابل عقدت جلسة طارئة لمجلس الأمن بناءً على طلبها لمناقشة مصير ستة من جنودها تزعم أن حماس أعدمتهم في غزة، فيما لم ُناقش المجلس مصير آلاف المفقودين الفلسطينيين، الذين لا تعرف عائلاتهم حتى إن كانوا أحياءً أو شهداء.

دعوات حقوقية لتدخل دولي

دعت منظمات دولية إلى الضغط على الاحتلال الاسرائيلي للإفصاح عن مصير المعتقلين، والسماح للمنظمات الحقوقية بالوصول إلى مناطق الدفن الجماعي والتحقيق في جرائم الإخفاء القسري.

وحذرت من أن الإخفاء القسري جريمة ضد الإنسانية، لا تسقط بالتقادم، وأن المسؤولين عنها يجب أن يحاسبوا أمام المحاكم الدولية.

في غزة، لا تُغلق دفاتر الحرب، هناك من يستشهد، وهناك من يُفقد، وهناك من يُدفن دون وداع. لكن الأخطر هو أن تتحول الجثث إلى أرقام، والوجوه إلى ظلال، والمفقودون إلى مجرد حالة إحصائية عالقة في وثيقة أو بيان.

إنهم ضحايا بلا قبور، وصرخات بلا أصداء، وصور معلقة في ذاكرة الركام. والعدالة الحقيقية تبدأ حين يُكشف مصير كل مفقود، ويُحاسب كل مجرم، وتُرفع كل يد عن الزناد.

 

مواد مشابهة