بين لحظة حرية قصيرة وظل الزنازين الطويل، يعيش عشرات الأسرى المحررين كابوسا جديدا بعد الإفراج عنهم ضمن صفقات تبادل. الاحتلال الإسرائيلي لا يكتفي بالاحتجاز، بل يمارس خرق متواصلا للاتفاقات، ويعيد اعتقال من تحرروا، ضاربا بعرض الحائط القوانين الدولية والضمانات الإنسانية التي يفترض أن تحكم مثل هذه الصفقات.
المحررون تحت سيف الاعتقال مجددا
في نهاية نوفمبر 2023 أبرمت المقاومة الفلسطينية صفقة تبادل إنسانية مع الاحتلال، أفرج بموجبها عن أسرى فلسطينيين معظمهم من النساء والأطفال. لكن سرعان ما بدأت ملامح نكوص الاحتلال عن التزاماته تتضح بعد أن أعاد اعتقال عدد من المحررين خلال شهور قليلة.
ومن بين من أُعيد اعتقالهم:
- سماح حجاوي – من محافظة قلقيلية
- تسنيم عودة – من مدينة القدس
- رضا عبيد – من مدينة القدس
- معتصم عنتوري – من محافظة قلقيلية
يضاف إليهم الأسير المحرر وائل الجاغوب الذي أعيد اعتقاله بعد أقل من أربعة أشهر على إطلاق سراحه ضمن صفقة "طوفان الأحرار"، في نموذج صارخ لإصرار الاحتلال على استخدام الأسرى كورقة ضغط سياسية.
وائل الجاغوب: سيرة نضال وسلب متكرر للحرية
وائل نعيم أحمد الجاغوب من بلدة بيتا جنوب نابلس، وُلد عام 1967، واعتُقل عدة مرات، كان أطولها في عام 2001 حيث حُكم عليه بالسجن المؤبد بتهمة مقاومة الاحتلال. أمضى ما يزيد عن 24 عاما في الأسر، وخرج من السجن في يناير 2025 ضمن صفقة "طوفان الأحرار"، لكنه لم ينعم طويلًا بالحرية. في مايو 2025 أعادت سلطات الاحتلال اختطافه دون مبرر قانوني في مخالفة فاضحة للاتفاق المبرم، وللقانون الدولي الذي يمنع إعادة اعتقال أسرى محررين دون محاكمة أو تهمة.
الحرية المهددة: واقع المحررين بين الاستدعاء والسجن المؤجل
لا تنتهي معاناة الأسرى الفلسطينيين بمجرد خروجهم من سجون الاحتلال، إنما تبدأ رحلة جديدة من التضييق والملاحقة تجعل من الحرية تجربة منقوصة ومهددة في كل لحظة. يعيش كثير من المحررين تحت وطأة التهديدات الأمنية المستمرة، والاستدعاءات المتكررة للتحقيق والمنع من السفر، وتقييد الحركة ما يجعل حياتهم أقرب إلى سجن مفتوح يراد له أن يفرغ الحرية من معناها.
اعتقال الأسيرات المحررات : قيد مضاعف ومعاناة خاصة
لم تسلم المحررات من هذا الواقع القاسي، فعدد من الأسيرات المحررات تلقين استدعاءات أمنية متكررة، خضعن خلالها للتحقيق والتهديد، في محاولات لكسر إرادتهن وثنيهن عن أي نشاط وطني أو تواصل مع رفيقاتهن في السجون. بعضهن يتعرضن للمراقبة الدائمة، أو تفرض عليهن قيود على التنقل والسفر، ويمنعن أحيانا من المشاركة في فعاليات دعم الأسرى.
التهديد بالاعتقال أو سحب الهوية أو سحب الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية بات أداة ضغط ممنهجة، يمارسها الاحتلال لإخضاع الأسيرات المحررات خاصة من شاركن في الإضرابات أو كن رموزا نضالية داخل الأسر.
أما حين تعتقل المرأة الفلسطينية، فالقضية تأخذ بعدا أكثر إيلاما. فالأسيرة تعاني من ظروف اعتقال صعبة تمس خصوصيتها الجسدية والنفسية في ظل إهمال طبي متعمد وممارسات قمعية تبدأ من لحظة الاعتقال مرورا بالتحقيق القاسي ووصولا إلى ظروف الاحتجاز المهينة في سجون مثل الدامون وغيرها.
الاحتلال يستخدم اعتقال النساء كوسيلة ترهيب للمجتمع الفلسطيني، ويستهدف القياديات منهن لتصفية أي دور نضالي للمرأة في مقاومة الاحتلال. ومع كل عملية إعادة اعتقال لأسيرة محررة يعاد فتح جراح قديمة ويتجدد السؤال حول حقوق النساء تحت الاحتلال.
الأسرى المقدسيون: أسر مضاعف وحرمان من المدينة
يشكّل الأسرى المقدسيون فئة مستهدفة بشكل خاص. فهم لا يواجهون فقط سلب الحرية داخل السجون إنما يعاملون كغرباء في مدينتهم. الاحتلال يماطل في الإفراج عنهم ويخضعهم لعقوبات مضاعفة، كما حدث في عدد من الصفقات السابقة.
كثيرا ما يتعرض المحررين المقدسيين للملاحقة بعد الإفراج، وتفرض عليهم الإقامة الجبرية، أو يبعدون عن المدينة التي ولدوا فيها، أو يمنعون من دخول المسجد الأقصى، وهو ما يشكل جريمة مضاعفة بحق الهوية والانتماء.
المسجد الأقصى الذي يشكل رمزا دينيا ووطنيا للأسرى المقدسيين، يتحول إلى مساحة ممنوعة عنهم، في سعي إسرائيلي لفصلهم عن مكانهم الروحي والتاريخي، ومنعهم من ممارسة أي دور في حماية الحرم أو المشاركة في صلواته أو رباطه.
إن استمرار استدعاء الأسرى والأسيرات واعتقال المحررين، وتهديدهم الدائم يمثل خرقا صارخا لكل الاتفاقات والمواثيق الدولية. الحرية التي حققت بعد سنوات القيد لا يجوز أن تتحول إلى سجن مؤجل ولا أن تبقى رهينة قرارات أمنية تعسفية.
انتهاك للقانون الدولي: اعتقال بلا شرعية ولا التزام بالاتفاقات
إن إعادة اعتقال الأسرى المحررين بعد الإفراج عنهم في صفقات تبادل تُعدّ خرقا فاضحا للقانون الدولي الإنساني، وتحديدا لاتفاقيات جنيف، التي تُلزم الأطراف المتحاربة باحترام حياة الأسرى وكرامتهم وضمان حمايتهم بعد الإفراج. المادة (118) من اتفاقية جنيف الثالثة تنصّ بوضوح على أن "الأسرى يجب أن يُفرج عنهم ويعادوا إلى أوطانهم دون تأخير بعد وقف الأعمال العدائية الفعلية"، ما يعني أن إعادة اعتقالهم دون تهمة تعد فعلا انتقاميا محظورا.
كما أن اتفاقيات تبادل الأسرى رغم طابعها السياسي تندرج ضمن الالتزامات الثنائية التي تعامل كمواثيق دولية يُفترض احترامها وعدم النكوص عنها، خصوصا إذا ترافقت مع ضمانات دولية أو إشراف من وسطاء. بالتالي فإن إعادة اعتقال الأسرى المحررين ليست فقط انتهاكا لحقوق الأفراد، بل تمثل ضربا لمبدأ "الضمانات الإنسانية" الذي يشكل جوهر الاتفاقات المعنية بأوضاع الأسرى في النزاعات.
وتُضاف إلى ذلك انتهاكات أخرى خطيرة، منها:
- الاعتقال دون تهمة أو محاكمة (الاعتقال الإداري)، والذي يُخالف المادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تكفل "عدم جواز توقيف أي إنسان أو اعتقاله تعسفًا"
- الاستناد إلى ملفات سرّية دون تقديم لائحة اتهام، ما يُحرم المعتقل من أبسط حقوق الدفاع.
- الإخفاء القسري المؤقت للمعتقلين الجدد وحرمانهم من التواصل مع عائلاتهم أو محاميهم.
- استخدام الاعتقال كأداة عقاب جماعي وليس بناء على خروقات قانونية حقيقية، ما يُجرّمه القانون الدولي كنوع من أنواع العقوبات الجماعية المحظورة.
- إن ممارسات الاحتلال بحق المحررين لا تشكل فقط انتهاكا لحقوقهم الفردية، بل تضرب في عمق النظام القانوني الدولي، وتظهر استخفافا سافرا بكل الأعراف والاتفاقات التي تحكم السلوك في أوقات النزاع.
دعوة للحماية والضغط الدولي
أمام هذا التصعيد الخطير تجدد مؤسسة العهد الدولية دعوتها للمجتمع الدولي والمؤسسات القانونية والحقوقية للقيام بدور فاعل في الضغط على الاحتلال لضمان تنفيذ بنود الاتفاقات، ووقف سياسة الاعتقال التعسفي بحق من تحرروا في صفقات رسمية، وضمان عدم تكرار ما جرى في صفقات سابقة كـ "وفاء الأحرار". وتؤكد أن استمرار هذه الانتهاكات يوضح أن الاعتقال لم يعد أداة أمنية بقدر ما هو وسيلة ممنهجة لقمع الروح الوطنية، وإرسال رسالة للمجتمع الفلسطيني بأن الحرية مؤقتة ما لم يرضخ لشروط الاحتلال.
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...