السبت 9 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

معتقلو غزة : شهادات من قلب جحيم الاحتلال

17 أبريل 2025 قراءة 4 دقيقة

في قلب الظلام الذي لا ينتهي، حيث كانت الأنفاس تخنقها جدران الزنازين، يعيش الأسرى الغزيين قصصًا لا تُحكى إلا في صمت الألم، وصبر الوجع.

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تم اقتياد آلاف من أبناء غزة إلى قبضة الاحتلال، ليبدأوا رحلة جديدة من العذاب والتعذيب الجسدي والنفسي، رحلة لم تكن لتُرى أو تُسمع لولا صرخاتهم التي أبت أن تخمد.  

بين سياط الجلادين ووجوه الأطباء الذين غاب عنهم شرف الإنسانية، رُسمت ملامح جحيم لم يسبق له مثيل، ولكن في وسط هذا العذاب، وُلدت إرادة لا تُقهر، إرادة صمود وحياة، حفرها هؤلاء الأسرى في جدران الذاكرة لتظل شاهدًا على ما عاشوه، رغم كل ما حاولوا طمسه.

 ظلال الأسرى : رحلة الألم والصمود خلف القضبان

منذ أن اجتاحت أقدام الاحتلال أرض غزة، اجتمع الخوف والوحشية في قلوب الجنود الإسرائيليين، ليتحول هؤلاء الأسرى إلى أرقام مفقودة خلف الأسوار، وكأنهم اختفوا في العدم، لكن ما خفي وراء الجدران كان أفظع من أن تُصوّر.

في زنازين ضيقة، يعيش الأسرى في قسوة لا تُحتمل، حيث يعانون من تعذيب مروع وحرمان من أبسط الحقوق، لا تكاد تمر ساعة دون أن يتعرضوا لأبشع أنواع التعذيب، فلا وقت للراحة ولا مجال للهرب، وعلى الرغم من القسوة التي مورست بحقهم، كان الأسير يُظهر صمودًا من خلال الصمت، فكلما مرّ وقت طويل على العذاب، كان الصمت هو اللغة الوحيدة التي يتقنها.

الأسير الذي تعرض للضرب الشديد، وتكبيل يديه وأقدامه لعدة أيام متواصلة، وجد نفسه أسيرًا للموت البطيء، حيث كان يُترك ليموت تدريجيًا في ظروف لا يمكن تصورها، ولا تنتهي المعاناة عند حدود الجسد، بل تتجاوزها لتطال الروح، فقد خُطف بعض الأسرى من أماكنهم، واختُطفوا بعيدًا عن أهلهم، ولاقوا مصيرًا مجهولًا في معسكرات الاعتقال، حيث لا يعلم أحدٌ ما إذا كانوا سيعودون.

 شهادات من قلب جحيم الاحتلال

في شهادات بعض الأسرى التي رصدتها مؤسسة العهد الدولية تتكرر صورة العذاب كما لو كانت تذكارًا لا يُمحى.

"لا رحمة في قلوبهم، لا صغار ولا كبار"، بهذه الكلمات بدأ أسيرٌ سابق يتحدث عن محنته، وهو يذكر تفاصيل التعذيب الذي تعرض له في أولى أيام اعتقاله، من الضرب المبرح إلى تجويعٍ طال أيامًا دون طعام، كانت السجون أماكن لسلب الأرواح قبل أن تُسلب الأجساد.

ويضيف آخر أنه تم اجباره على الوقوف ساعات طويلة في أوضاعٍ مهينة، بينما كانت أصوات الضرب والشتائم تتناثر في أرجاء الزنازين، لم يكن يستطيع التحرك، وكان كل شيء حوله يحكي قصة من العذاب المستمر.

ومنهم من وصف "العدد" وهو الروتين اليومي لعد الأسرى وإذلالهم ، والذي يفرض عليهم الاستلقاء على بطونهم لعدة ساعات دون القدرة على تحريك أجسادهم، وإذا حاول أحدهم مخالفة الأوامر، كان يُعاقب بعقوبات شديدة قد تصل إلى الضرب حتى يفقد وعيه، أما أولئك الذين تم نقلهم إلى معسكرات الاحتلال البعيدة، فقد عاشوا في سجون تتصف بالقسوة المُفرطة، حيث تعرضوا لحالات من الإهمال الطبي، ورفض علاج الجروح الناجمة عن التعذيب.

 في الزنازين، يواجه الأسرى جلادين يتخذون من أدوات التعذيب وسيلة للإهانة، فتجد أيديهم مطوقة بالقيود، وأجسادهم مغطاة بالجروح التي لا تلتئم أبدًا، يغلقون عليهم الأبواب، ويتلاعبون بهم، ويرغمونهم على تنفيذ أوامرهم، فينهرونهم بالكلمات الجارحة، ويستعملون جلودهم كأدوات للتهديد والترهيب، كانت عمليات بتر الأطراف جزءًا من مشهدٍ يومي، فعند كل جرحٍ كان الأطباء يتجاهلون المصاب، وكانوا هم من يتسببون في إلحاق الأذى بالأسرى لتعذيبهم والتنكيل بهم.

وهذا ما بينته مؤسسة العهد الدولية أن إسرائيل تحللت من كل الالتزامات والقواعد والقيم والأخلاق، وما يحدث لأسرى غزة، غير مسبوق ولم يسمع عنه إطلاقًا، وأن الهيئة الصعبة التي يخرج بها الأسرى تكشف حجم الجرائم والفظائع داخل سجونه ومعتقلاته، وأكدت ذلك من خلال توثيق شهادات عديدة جمعتها المؤسسة والتي أوضحت فيها آثار التعذيب الممنهج والقهر الواضح على أجسادهم والذي يستدعي موقفا حازما لمحاسبة الاحتلال على جرائمه التي ترقى إلى جرائم الحرب.

 في النهاية، تظل الأيدي التي تكبّلها القيود أيديًّا محملة بالأمل، لا بالموت، رحلة الأسرى الفلسطينيين ليست رحلة موت، بل هي رحلة حياة تَكتب فصولها سواعدهم التي لم تنكسر، بل تبقى قوية رغم التعذيب والظلم.

هؤلاء الذين عايشوا ألوان العذاب، تركوا لنا قصصًا من صبرهم وصمودهم، بلغة إنسانية لا تدركها إلا النفوس القوية، لم يكن أملهم في التحرير بعيدًا، بل كان دائمًا في نفوسهم، وكان الصمود هو السلاح الذي لا يتوقف عن القتال، مهما طالت السجون، ومهما طال الزمن، وعندما يكتب التاريخ، سيظل الأسرى الفلسطينيون رموزًا لصمود الأمة وإرادتها التي لا تلين.

مواد مشابهة