في زنزانة باردة موحشة ،، حيث غابت الشمس وحُجبت السماء ،، عاش الأسير الشبل أحمد مناصره ، تفاصيل حكايته القاسية ، وحيدا ، خائفاً ،، يبحث عن ملاذٍ آمن فلا يجد ...
أحمد مناصرة .. ذلك الطفل الفلسطيني الذي اختُطِفَت طفولته على أيدي الاحتلال ، فغيّرت من ملامحه ونفسيته الغضّة .. أحمد مناصرة ،، حكاية كل طفل فلسطينيّ تضيع طفولته داخل أقبية التحقيق وخلف بوابات السجون ...
لم يكن أحمد سوى طفلٍ في الثالثة عشرة من عمره حينما اعتقلته قوات الاحتلال في مشهدٍ يعجز عنه الخيال، ويفقد فيه العالم آخر ما تبقّى من إنسانيته ، صُوِّر وهو ينزف، مُنهكًا ، يتألم جسدًا وروحًا ، يُسأل بأسلوب تعجيزي في غرفة تحقيق صمّاء، بلا رحمة ولا مراعاة لصغر سنّه أو لكسور جمجمته. ذلك الفيديو الشهير الذي هزّ القلوب، لم يكن مشهدًا دراميًا، بل حقيقةً داميةً تُعرض على مسرح القهر اليومي للإنسان الفلسطيني المنهك في أرضه باحثاً عن الحرية والعدالة ، عندما قال أحمد : " مش متذكر " ، كلمة هزت قلوبنا رُدّدت على لسان الأسير أحمد مناصرة أثناء جلسة التحقيق معه .
منذ ذلك الحين، كان أحمد يُصارع ليس فقط قيود السجّان، بل يواجه أيضًا جدران الصمت الدولي، وظلم القوانين التي لا تعترف ببراءة الطفولة الفلسطينية. كبُر أحمد خلف القضبان، نضجت ملامحه، لكنه ظلّ يحمل في قلبه نبض الصبي الذي حُرِمَ من المدرسة، من اللعب، من حضن والدته، ومن ضوء الحياة.
سنواتٌ مرّت، وأحمد يتنقّل بين زنازين العزل وظلمات النسيان، حتى أصيب بحالةٍ نفسية صعبة، كانت كافية لتُخرج العالم عن صمته، لكنها لم تُخرِج الاحتلال عن وحشيّته. أحمد ليس مجرد رقمٍ في سجلّ الأسرى، بل هو رمزٌ للطفولة المسروقة، وصرخة في وجه كل منظومة تدّعي الإنسانية وهي تصمّ آذانها عن أنين الأطفال في سجون الاحتلال.
أحمد .. ليس مجرد أسير ، دخل طفلاً ليخرج رجلاً
احمد هو ابن كل أم فلسطينية .. غيب الاحتلال طفلها في السجون ،، بعيداً عن ضحكاته وألعابه ومدرستة
أحمد .. قصة أطفالٍ ترى الوطن في ملامحهم ،، تطُل من بين قضبان السجون تحمل رسالة للعالم " لا تتركونا وحدنا ، فإن قلوبنا ما زالت تنبض بالحرية.
في 12 أكتوبر 2015 ، وعندما كان يبلغ أحمد مناصره 13 عامًا من عمره ، تعرض للاعتقال على يد قوات الاحتلال الاسرائيلية بزعم تنفيذ عملية طعن في مستوطنة "بسغات زئيف" بالقدس الشرقية ، حيث قُتل ابن عمه حسن مناصرة البالغ من العمر 15 عامًا برصاص الشرطة الإسرائيلية، بينما أُصيب أحمد بجروح خطيرة منها كسر في الجمجمة نتيجة دهسه من قبل سيارة والاعتداء عليه من قبل مستوطنين، نقل على إثرهاإلى المستشفى ومكث في العناية المركزة ، ولكن بعدها مباشرة تم نقله للتحقيق القاسي من قبل الاحتلال، بالرغم من أن القانون الإسرائيلي يمنع محاكمة أو اعتقال طفل دون 14 عاما.
" مش متذكر " هي جملة عُرف بها الأسير الفلسطيني أحمد مناصرة ، عندما سرّب الاحتلال الإسرائيلي مقطع فيديو له، وهو يجيب ضابط التحقيق عن تفاصيل ما حصل معه عند اعتقاله وإصابته، بعد استشهاد ابن عمه حسن في القدس المحتلة عام 2015 ، حيث كان يتعرض لتعذيب شديد أثناء التحقيق ، وحاول الاحتلال إجباره تحت التعذيب على الاعتراف بأشياء لم يرتكبها وكان يرد دائمًا بجملة: مش متذكر.
بعد مرور شهر على اعتقال أحمد مناصرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، تم نشر لقطات فيديو من استجوابه علناً ، ويُظهر الفيديو، ومدته عشر دقائق، الذي قامت منظمة العفو الدولية بمراجعته، أحمد مناصرة وهو يخضع للاستجواب من قبل ثلاثة رجال بدون حضور محاميه أو أحد والديه، الأمر الذي يشكل انتهاكاً للمعايير الدولية ، ويَظهر أحمد قلِق بصورة متزايدة، حيث يستمر المحققون في الصراخ عليه وكيْل الإهانات والتهديدات له ، إن هذا الفيديو يمثل دليلاً على تعرُّض أحمد مناصرة لانتهاكات عديدة لحقوقه كطفل وكمحتجز.
تعرّض مناصرة لأقسى أنواع التعذيب الجسدي والترهيب النفسي واستخدام أسلوب التحقيق الطويل من دون توقف، والحرمان من النوم والراحة ، وتعرّض أيضاً لضغوط نفسية كبيرة. ونتيجة التعذيب الجسدي والتنكيل النفسي، عانى أحمد الكثير مما أدى إلى ظهور اضطرابات نفسية لديه تفاقمت مع استمرار عزله الانفرادي وعدم السماح له بالاختلاط بباقي الأسرى، ليبقى وحده يحاكي نفسه، ويعاني ويتألم ويصرخ من دون حاضنة اجتماعية.
أصدرت المحكمة الإسرائيلية المركزية بتاريخ 7 نوفمبر/ تشرين ثاني عام 2016، حكماً بالسجن على أحمد مناصرة لمدة اثنا عشر عاماً، بزعم طعن أحد المستوطنين، ودفع غرامتين ماليتين تقدران بحوالي مئة وثمانين ألف شيكل، حيث أكد القاضي أثناء جلسة النطق بالحكم أن " سن الطفل الصغير لا يمنحه الحصانة من فرض العقوبة " ، في مخالفة واضحة للقانون الدولي، والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
جريمة الحبس الانفرادي
منذ مطلع نوفمبر/ تشرين ثاني 2021، وُضع أحمد في الحبس الانفرادي لفترات طويلة، مما أدى إلى تدهور حالته النفسية بشكل كبير حتى شُخّص بإصابته بالفصام والاكتئاب الحاد وأفكار انتحارية ، وهو ما أكد عليه تصريحات الكثير ممن أشرف على حالة الأسير المناصرة واطلع عليها ، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2021، شخَّصت طبيبة تعمل مع منظمة " أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل " حالة أحمد مناصرة بأنه يعاني من مشكلات نفسية حادة، وذكرت أن هذه المشكلات نشأت منذ حبسه.
وفي فبراير/ شباط 2022، قال والدا أحمد مناصرة إنه تمّ تشخيص أحمد بالفصام، ويعاني من تخيلات ذهانية، كما أنه يعاني من اكتئاب حاد مصحوب بأفكار انتحارية.
وقالت هبة مرايف، مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، إن " أحمد مناصرة أُخضع لشتى صنوف الظلم على أيدي السلطات الإسرائيلية، ومن بينها الآثار المؤذية للحبس على نموِّه، والحبس الانفرادي لفترات طويلة ، وتعرَّض لسوء المعاملة أثناء التحقيقات، التي أُجريت معه بدون حضور والديه أو محامييه، وحُرم من حقه في محاكمة عادلة ، وكان ينبغي إطلاق سراحه قبل مدة طويلة ، إلا أنه لا يزال يقاسي معاناة لا داعي لها في السجون الإسرائيلية " .
وفي تصريح سابق لمحاميه خالد زبارقة عن حالة أحمد النفسية بعد زيارته في عزله الانفرادي عام 2023 : " رأيته إنساناً دون روح... حاولت التخفيف عنه فقلت له إنه لم يتبقَ سوى القليل، وإننا نعمل من أجل إطلاق سراحه، فأجابني: أنا لا أنتظر سوى الموت .. لا انتظر شيئاً سوى الموت .. لا أنتظر شيئاً من هذه الحياة ، ثم سألني قبل أن أغادر : هل أنت متأكد من أن الانتحار حكمه حرام ؟ "
في يونيو 2022، صنّفت لجنة الإفراج المشروط التابعة لمصلحة السجون الإسرائيلية قضية أحمد على أنها "إرهابية"، مما منع إمكانية الإفراج المبكر عنه بموجب قانون الإفراج المشروط لعام 2001 ، وقد أثار هذا التصنيفانتقادات واسعة من قبل فريقه القانوني ومنظمات حقوق الإنسان، معتبرين ذلك انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية، خاصة تلك التي تحمي حقوق القاصرين.
على مدار عقود مضت ، مارس جهاز الأمن العام الإسرائيلي ( الشاباك ) ومصلحة السجون الإسرائيلية وقوات الأمن الإسرائيلية التعذيب ، أساليب اجرامية وانتقامية بحق الأسرى الفلسطينيين ، ومن بينهم ، الأطفال الأسرى ، أثناء اعتقالهم ونقلهم والتحقيق معهم ، ضاربين بعرض الحائط كل المعايير والقوانين الإنسانية والدولية ، وفي حالة الاسير أحمد مناصرة ، فإن سلطات الاحتلال قد انتهكت بشكل صريح وممنهج عددًا من الاتفاقيات الدولية التي تُلزمها بحماية حقوق الأطفال والأسرى ومنها :
اتفاقية حقوق الطفل لعام ( 1989 ) ، والتي صادق عليها الاحتلال في العام 1991 ، وبالتالي هي مُلزمة قانونًا باحترام بنودها، التي تشمل:
المادة 37: تمنع الحبس غير الضروري للأطفال، وتُجرّم التعذيب والمعاملة اللاإنسانية. وقد تم اعتقال أحمد وهو طفل، ووُضع لاحقًا في الحبس الانفرادي لفترات طويلة.
المادة 40: تُقر بحق الطفل في التمثيل القانوني، وفي المعاملة العادلة أثناء التحقيق والمحاكمة ، والفيديو الموثق لاستجواب أحمد دون وجود محامٍ أو ولي أمر يُظهر انتهاكًا مباشرًا لهذا النص.
كما انتهك الاحتلال في تعامله مع قضية الأسير مناصرة ، اتفاقية مناهضة التعذيب ( 1984 ) والتي بموجب المادة 2 و16 منها تحظر أي شكل من أشكال التعذيب أو المعاملة القاسية ، وقد تعرّض أحمد لضغط نفسي شديد أثناء الاستجواب، إضافة إلى الحبس الانفرادي الذي أثر على صحته العقلية، وهو ما يُعد شكلاً من أشكال التعذيب النفسي.
كما أن دولة الاحتلال خالفت المواد الخاصة بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في كل من :
المادة 7: والتي تحظر المعاملة القاسية أو غير الإنسانية.
المادة 14: توفّر ضمانات المحاكمة العادلة، لا سيما في حالة القاصرين.
أضافة إلى ما سبق فقد خالفت دولة الاحتلال في اعتقالها للأسير مناصرة ، اتفاقيات جنيف الرابعة (1949)وقد نصت المادة 76 من الاتفاقية على أن سلطات الاحتلال ملزمة بتوفير محاكمة عادلة واحتجاز لائق، خاصة للقاصرين ، إلا أن إسرائيل عاملت أحمد كمجرم بالغ، رغم كونه طفلًا.
إن استمرار اعتقال الأسرى الأطفال الفلسطينيين في زنازين السجون الإسرائيلية، يعتبر بمثابة جريمة حرب، تضاف الى سلسلة الجرائم العنصرية التي يقترفها جيش الاحتلال الاسرائيلي، ودليل على استهتار دولة الاحتلال بالقانون الدولي، ومواصلة انتهاكها للاتفاقيات والمواثيق الدولية.
تحرر الأسير أحمد مناصرة اليوم ، محملاً بسنوات من القهر والعذاب ،، لتبقى ذكرى له من طفولة معذبة قضاها داخل السجون ، وهو ليس الطفل الفلسطيني الأول الذي يتم تكبيل يديه واقتياده إلى عتمة الزنازين ووحشتها ، فقد سبقه المئات من الأطفال الفلسطينيين ، ولن يكون الطفل الفلسطيني الأخير الذي مرّ بتجربة الاعتقال وتعرّض للتعذيب على يد محققّي الاحتلال الإسرائيلي ، في ظل غياب مسائلة ومحاسبة عربية ودولية لمنظومة الإرهاب التي يمارسها الاحتلال بحق أطفال فلسطين .
أحمد مناصرة ليس حكايةً تنتهي بانتهاء السطور، بل هو بداية لكل نداء حرية ، وقضيته ليست قضيته وحده ، بل قضية أمة بأسرها، وضمير يجب أن يبقى حيًّا ، لأن الطفولة لا تُحاكم ، والحرية لا تُقيَّد ،، ولأن كل طفل فلسطيني داخل زنازين الاعتقال هو شهيد مؤجل ،أو أحمد مناصرة جديد !
مواد مشابهة
الدكتور حسام أبو صفية...
في حديث خاص لمؤسسة العهد الدوليةيروي الأسير المفرج عنه أحمد عبد الكريم حسن قدّاس، شهادةً مؤلمة عن الأوضاع التي...
بين الاسم والرقم: كيف يُعاد تشكيل الإنسان داخل "سيدي تيمان"
في اللحظة التي يُنتزع فيها اسمك منك، لا تفقد وسيلة التعريف فقط، بل تخسر أحد آخر ما يربطك بذاتك كما عرفتها. في...
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...