في شهر رمضان، حيث تتنزل القيم الإنسانية وتتعانق مشاعر التضامن، يُحرم الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي من أبسط حقوقهم الإنسانية. يواجهون انتهاكات مدروسة تطحن أجسادهم المنهكة، وتستهدف كرامتهم، وتُغلق نوافذ الأمل أمام صمودهم.
رمضان في الأسر .. وجع بلا حدود
بينما يفترض أن يكون شهر رمضان فرصة للتأمل والعبادة، تتحول زنازين الأسرى في السجون إلى مساحات للعذاب، حيث التعذيب الجسدي والحرمان من الرعاية الصحية والضغوط النفسية التي تتجاوز كل المواثيق الدولية.
لا تكترث سلطات الاحتلال بالأصوات الداعية لاحترام القانون الدولي، بل تعمد إلى تصعيد القمع، خاصة بعد الحرب على غزة، في غياب رادع دولي يُذكر. ورغم كل هذا، يبقى الأسرى شمماً يُعيدون كتابة معنى الصبر وسط ظلام السجون، بينما يتراجع الضمير العالمي إلى الظل صامتاً.
إن إدارة سجون الاحتلال لا تحترم قدسية شهر رمضان ولا تراعي طقوسه الدينية، ولا تتيح للأسرى حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية، بل تعرقل ذلك عمدا وتفرض قيودا على قراءة القرآن جهرا والصلاة الجماعية.
حيث يعاني الأسرى الأمرين في شهر رمضان، ما بين الحرمان والشوق والحنين للأهل، وظروف الاحتجاز الصعبة وما يتعرضون له من تعذيب قاسٍ واعتداءات وضرب وتنكيل، إضافة إلى سوء الطعام وقلته، كما ونوعا، وتردي الأوضاع الصحية مع استمرار سياسة الحرمان من العلاج والإهمال الطبي المتعمد.
شهادات موثقة تروي تفاصيل من دم
رمضان هذا العام صعبٌ جدًا على الأسرى والأسيرات في سجون الاحتلال، الذين يعانون من انتهاكات غير مسبوقة، ويُحرمون من أداء الطقوس التي يخططون لها بسبب القمع المستمر.
رصدت مؤسسة العهد الدولية شهادات قاسية عن انتهاك حرمة شهر رمضان في سجون الاحتلال ووثقت الفظائع غير المسبوقة بحقهم من خلال شهادات المحررين في صفقة طوفان الأحرار.
يروي الأسير المحرر المقدسي في صفقة طوفان الأحرار والمبعد إلى تركيا إسحاق عرفة تفاصيل المعاناة المضاعفة في هذا الشهر ويقول : "عادةً ما يكون لشهر رمضان طقوسٌ خاصة داخل الأسر، حيث تعمل الحركة الأسيرة على تنظيم جدول يومي لاستغلال الشهر الفضيل في العبادة، إلا أن الأمور أصبحت أسوأ بعد الحرب على غزة، حيث تعمدت إسرائيل زيادة انتهاك حقوق الأسرى.
وأضاف عرفة :" أن رمضان الماضي كان قاسيا وكان أصعب شهر رمضان يمر على الأسرى ، نصوم ساعات طويلة ونفطر ولا نشبع بسبب سياسة التجويع، والغرف مظلمة طوال الوقت، سحور في العتمة، وطعام فاسد وقليل، وتعمدت قوات الاحتلال مضاعفة أعداد الأسرى داخلها إلى أكثر من ١٢ أسير ، وسحبت المصاحف والفرش والأغطية وأدوات الطعام البسيطة".
ويشير الأسير المحرر في صفقة طوفان الأحرار والمبعد إلى جمهورية مصر العربية معمر غوادرة من قرية بير الباشا بالقرب من جنين ، إن ظروف الحياة داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي زادت قساوة بعد اندلاع الحرب على قطاع غزة عقب عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023.
حيث ضاعف الاحتلال من معاملته الوحشية، إلى جانب الاقتحام، وكان يتعمد تأخير الطعام لساعتين وأكثر بعد موعد الإفطار. لم يكن إفطارا، كان أي شيء إلا أكلا يصلح للآدمي، طعام قليل وبارد ، سيئ، وغير مطبوخ.
وأكد قائلا : "أن كل أسير داخل سجون الاحتلال في فترة الحرب خسر ما بين 30 إلى 40 كيلوغراما من الوزن وربما أكثر ، بسبب سياسة التجويع التي تمارسها مصلحة السجون"
أما المحرر محمد العمصي من مدينة غزة يبين أن الاحتلال مارس ضد الأسرى فنونا من التعذيب سواء باقتحام الغرف والاعتداء عليهم بالضرب المبرح، أو بالحرمان من الطعام والشراب وحتى الاستحمام، كنا لا نجد الماء للوضوء طوال اليوم إلا ساعة واحدة خلال النهار، وحمامات الغرف لا تتوفر فيها النظافة والطهارة بسبب شح المياه وعدم توفرها .
وأوضح أن “الأسرى يفطرون بعد موعد الإفطار بنصف ساعة أو أكثر، وذلك لعدم توفر الإضاءة في الأقسام المختلفة في السجون الإسرائيلية، وأن إدارة السجون تمنع عنهم إنارة الأقسام ".
رمضان يمر ثقيلا على الأسرى وعائلاتهم
يعيش أهالي الأسرى في حالة قلق دائم على أبنائهم في ظل عدم تمكنهم من زيارتهم أو الاتصال بهم. تحاول عائلة الأسير معاذ أبو تيم من مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة منذ بداية الحرب الحصول على خبر عن ابنهم معاذ ، الذي يقضي حكما بالسجن 13 ونصف ، من خلال التواصل مع المؤسسات العاملة في مجال الأسرى والصليب الأحمر والعديد من المحاميين.
وتتساءل عائلة الأسير “نريد أن نعرف إن كانوا بخير أم لا؟ كيف يصومون؟ وكيف يفطرون؟ هل يعرفون مواعيد الصلاة وموعد أذان المغرب؟ إذا كان المحاميين والمؤسسات المعنية لا تستطيع أن تنقل لنا أخبار أسرانا فما هو الحل، ولمن نذهب ؟”.
وتؤكد عائلة الأسير هشام حرارة أنه منذ بداية الحرب على قطاع غزة لم تتمكن من سماع صوت الأسير ومن زيارته عبر المؤسسات الحقوقية والمحاميين.
وتقول العائلة أنهم يحاولون معرفة أخباره من خلال الأسرى الذين تم الإفراج عنهم، رغم أن الأخبار التي ترد من السجون لا تطمئن بشكل عام، “هذا أصعب رمضان يمر علينا نحن أهالي الأسرى، ومن شدة قلقنا على حالة أولادنا في الأسر لا نستطيع العيش والشعور بأجواء وروحانيات هذا الشهر الفضيل ”.
غياب الرادع الدولي .. وتصعيد جرائم الاحتلال
يقول المحامي خالد محاجنة الناشط في الدفاع عن الأسرى في الداخل الفلسطيني “كل الصائمين في العالم يفطرون مع أذان المغرب إلا أسرى سجون الاحتلال الذين تمنع إدارة السجون عنهم إنارة الأقسام، مما يضطر بعضهم لتأخير إفطارهم لعدم تمكنهم من الإفطار في الأقسام المعتمة”، وأكد أن كلامه هذا شهادة لبعض أسرى سجن مجدو خلال زيارته لهم .
قال رئيس الهيئة العليا لشؤون الأسرى في رام الله أمين شومان إن إسرائيل تستغل الصمت الدولي لمواصلة ارتكاب جرائم وانتهاكات خطيرة بحق الأسرى الفلسطينيين في غياب أي رقابة.
وأوضح شومان إن الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي يتعرضون لانتهاكات خطيرة أدت لاستشهاد عدد منهم. وأن "ما يجري في السجون لم يحدث في أي مكان بالعالم، فإسرائيل تستثمر الصمت الدولي وتنفذ جرائمها بحق الأسرى بعيدا عن أي رقابة". وطالب شومان الجهات الدولية المعنية بشؤون الأسرى بزيارة المعتقلين الفلسطينيين، خاصة أسرى قطاع غزة.
وأكدت مؤسسة العهد الدولية أن الأسرى يواجهون أوضاعًا صعبة تزداد سوءًا، تشمل التعذيب والتنكيل وسوء الطعام والإهمال الطبي، إلى جانب حرمانهم من الزيارات والتواصل مع محاميهم، وأن هذه الانتهاكات اشتدت بعد 7 أكتوبر ، حيث تصاعد التحريض الإسرائيلي ضد الأسرى في ظل غياب الردع الدولي ، فيما تواصل سلطات الاحتلال منع الكشف عن أعداد وأسماء معتقلي غزة، ما جعل الآلاف منهم في عداد المختفين قسراً. ودعت العهد الدولية المؤسسات الحقوقية والمعنية إلى التحرك العاجل والتدخل الدولي لوقف هذه الجرائم والانتهاكات المستمرة بحق الأسرى.
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...