الأحد 10 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

طوفان الأحرار

1 مارس 2025 قراءة 3 دقيقة

منذ أن بدأت أنظار الأطماع الاستعمارية تتجه نحو هذه الأرض، بدأت هي في تفعيل بروتوكول المجابهة، كأية أرض حرة، لا يمكن أن تشترى أو تنكسر، منفلتة من كل قوانين العالم الجديد الذي لا يرى بلاد الآخرين سوى من منظور قوته، أي كمشاريع استثمارية وبقاع منهوبة.

الأرض الحرة لا تساوم، لا تبيع، ولا تستسلم، مهما اختلف لون جلد اللص أو هويته أو غير شكله ولسانه، فهو من لحظة نظر إليها نظرة المطمع، أعلنت عليه العداء.

وعلى أرض غزة لا يخفى تاريخ الأطماع والطامعين، ولا ينتظر منها أن تهادن أحدا أو أن ترفع يدها الجريحة بالسلام في وجه من أدماها.

ومنذ أن سام الاحتلال أهل هذه الأرض ظلما وبطشا ظل يراكم العداء والحقد ضده، فينفجر في وجهه أحيانا بشكل مستمر ومتواصل وأحيانا أخرى عبر زمن طال أو قصر، وعليه لا يمكن أن نرى أي فعل مقاوم على هذه البقعة دون ارتباطه بأصل القصة ومبدأ السبب الذي وجه كل امكانات صاحب الأرض والحق في وجه اللص المعتدي.

طوفان الأقصى، كغيره من عمليات ومعارك ومجابهات سابقة جاء كحلقة في نهج واضح أعلنه الفلسطينيون لا ينتهي قبل تحرير الأرض والإنسان.

معركة انطلقت في ظل حصار ظالم وسجون ممتلئة، وبلاد مقطعة الأوصال، وحقوق ضائعة، لتخاطب العدو بلغة القوة التي يفهمها ولا يرضخ إلا لها، فتقول له: لا استكانة قبل الحرية.

ومنذ عهدها الأول بالملثم حامل الحجارة، حملت غزة هم الوعد الصادق، وضريبة التحرير، منذ الخطاب الأول لشاب مخبّأ الملامح خلف كوفيته معلنا اختطاف الجندي الأول لأجل التحرير.

حفظت غزة الخطى والطريق، وظل ذلك الشاب مخبأً عن العيون، وحاضرا في كل خطوة، ليغدو رمزا لظل مجهول غدا أكثر المعلوم يقينية وصدقا واختتم دربه بأكبر عملية أسر، لأعظم عملية تحرير.

وفي غياهب السجون كان الأسرى يدفعون المستحيل بسواعد رجال في الخارج حملوا وعد تحريرهم، وازدادوا يقينا بعد أن رأو الوعد المستحيل يتحقق بأم أعينهم، مرة بعد أخرى، من بطن غزة إلى بطن الحوت حيث المعجزة نضجت في جوف الأرض وغدت طوفانا يحمل الأحرار نحو شاطئ الوطن الحر.

خرجوا من كل غيهب يونسا، في فاقة الضعف والخوف والوحدة لكن في ذروة الإيمان واليقين والعاقبة الحسنة، يلتقون بأرض ظنوها تاهت عنهم، ويحتضنون اهلا حسبوا أنهم ودعوهم للأبد، لكل منهم قصة وحكاية، أمل وماض وآت جميل.

لكل منهم أمهات وزوجات وأبناء، ودموع ذرفت فرحا بعد عقود من الهطول الحزين.

سواعد الرجال الذين يسكنون باطن الأرض، فيها بأس صخورها وفيها لين براعمهما، فيها لحود الموت، ومنها انبثاق الحياة، سواعد رجالنا كأرضهم نور ونار.

وعلى مدار سنين، دأبوا بصبر، وإعداد، ومثابرة، وكتمان، حتى حان القطاف وقت النضج، فلا حسرة ولا خيبة، والتحرير وعد صادق لا شعار، والحق انتزاع مرّ لا استجداء.

وتكتمل الصورة يوم التسليم، لحظة التبادل، حيث عز عزيز وذل ذليل، عشرات ومئات من المتحررين مقابل بضعة أسرى.

بنات وشبان أفنوا حياتهم داخل الزنازين، خلف قضبان المستحيل، أو الأمل البعيد، لكن الحرية باب واجب الانفتاح للأيدي المضرجة إذا دقته.

ومهما علا نباح كلاب اللحظة الأخيرة في وجه قافلة العز، فلن تضيرها شيئا، سواء نغصوا عليهم بالتأخير أو التنكيل، أو أوعزوا لأذنابهم بالتعرض لهم والإساءة، فلن يمنعوا شمس الفرح من أن تشرق على قلوبهم ودروبهم، وعلى صفحات التاريخ، أبطال كحلت أعيننا بحريتهم الكاملة : زكريا الزبيدي ومحمد العارضة

وعمداء أعيوا السجون وما عيوا : رائد السعدي ومحمد الطوس، وثلة كانت خلية موت زؤام أرعبت دولة : وائل قاسم ومحمد عودة، وأسماء مرت عليها السنون مشفقة لكثرة ما شهدتها خلف القضبان : محمد أبو وردة، عمر الشريف، فهمي ورمضان مشاهرة، محمود شريتح، رائف الفرا، بهاء الدين القصاص، ابراهيم وموسى وخليل سراحنة، إياد أبو شخيدم، عثمان بلال، عبد الناصر عيسى، عمار الزبن، وبلال أبو غانم، ضرار أبو سيسي، ضياء الأغا، وغيرهم كثير.

وأبطال تحرروا، ثم ابتعلهم السجن من جديد، ليعود الأمل بتحريرهم كنائل البرغوثي، ونضال زلوم، علاء البازيان وآخرون رُصّت بجوار أسمائهم أرقام مئوية وألفية من مجموع المؤبدات. لكل اسم واحد منهم آلاف المشاعر والتعابير.

هنا غزة تعد من جديد، وتوفي وعدها من جديد، بالدم، بالاعجاز، بالثبات، بقوة صاحب الحق الذي يجابه طغاة العالم مجتمعين وهو منزرع بأرضه.

 

مواد مشابهة