وسط ظلال من الألم والقيد، يتردد صدى معاناة الأسرى خلف جدران السجون الإسرائيلية، لتصبح حكاياتهم شهادة حية على الانتهاكات المستمرة.
حيث باتت جرائم تعذيب الأسرى واحدة من بين سيل جرائم الحرب التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد أبناء قطاع غزة منذ بداية الحرب، فمن نجا منهم من القتل ووقع أسيرا في قبضة الاحتلال، فليس بمأمن من القتل تحت سياط الجلادين وتواطؤ الأطباء الإسرائيليين وتعذيبهم والتنكيل بهم بشكل مدروس وممنهج.
٣٣٣ أسيرا ... أكبر دفعة شاهدة على وحشية الاحتلال
تخرج دفعة أخرى من أسرى غزة الذين غُيبوا قسراً طوال فترة الحرب الوحشية على غزة، على مدار 15 شهراً، ضمن الدفعة السادسة من المرحلة الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار بين حماس والاحتلال الاسرائيلي، والتي دخلت حيز التنفيذ في الـ 19 من يناير.
بدا الأسرى المفرج عنهم في أوضاع صحية متدهورة، جراء ما تعرضوا له من تعذيب ومعاملة سيئة خلال فترة أسرهم، وقبيل الإفراج عنهم، ووصل أحد الأسرى عبر سيارة إسعاف لمستشفى غزة الأوروبي.
وقال مدير مكتب إعلام الأسرى أحمد القدرة : إن الهيئة الصعبة التي يخرج بها الأسرى تكشف حجم الجرائم والانتهاكات داخل السجون حيث بدت آثار التعذيب والقهر واضحة على أجسادهم، يستدعي موقفًا حازمًا لمحاسبة الاحتلال على جرائمه، من المجتمع الدولي.
ويوضح قدورة فارس رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين أن إسرائيل تحللت من كل الالتزامات والقواعد والقيم والأخلاق، وأن ما يحدث لأسرى غزة وكذلك بدرجة أقل من أسرى الضفة الغربية، غير مسبوق ولم يسمع عنه إطلاقا.
ويعدد بعض ما يتعرض له أسرى غزة قائلا "تمارَس بحقهم قائمة طويلة من الجرائم تبدأ بالإخفاء القسري مرورا بأعمال القتل وبتر الأطراف والتجويع وانعدام النظافة والإهانة والحط من الكرامة والإهمال الطبي".
وأكدت وزارة الأسرى والمحررين بـغزة أن معظم أسرى القطاع لدى الاحتلال الإسرائيلي يقبعون في سجون ومعسكرات سرية وسط تعتيم غير مسبوق. وأضافت أن سلطات الاحتلال رفضت الطلبات المتكررة التي قدمها الصليب الأحمر الدولي لزيارة المعتقلين من قطاع غزة.
وطالبت الوزارة بتحقيق دولي في جرائم الاحتلال بحق الأسرى وفتح المعتقلات أمام المنظمات الدولية، وحمّلت في الوقت نفسه "الاحتلال والإدارة الأميركية المسؤولية عن الجرائم المستمرة بحق الشعب الفلسطيني".
شهادات مرعبة وقصص مخيفة
لأسرى غزة حكايا ترويها وجوههم وأجسادهم، حركاتهم وسكناتهم، تبرز معاناتهم مما يتفوهون به من ألم وقهر وحرمان عايشوه وتفاصيل العذاب الذي مورس بحقهم ، فيقول الأسير المحرر فادي غبن سكان بين لاهيا شمال قطاع غزة لمؤسسة العهد الدولية ، والذي قضى سنة وأربعة شهور داخل سجون الاحتلال، ذاق خلالها أصناف العذاب: "تعرضت لأقسى وأشد أنواع التعذيب، وحُرمنا من الأغطية في ظل البرد القارس الذي نهش أجسادنا، إلى جانب سياسة التجويع التي نخرت عظمنا" .
وتابع بصوت تطغى عليه غصة قهر الرجال: "هذا الاحتلال المجرم الإرهابي لا ينتمي للبشرية، ولا يمت للإنسانية بصلة.. لا توجد رحمة في قلوبهم، لا على صغير ولا كبير" .
وفي شهادات أخرى رصدتها مؤسسة العهد الدولية يضيف الأسير المحرر محمد الطناني من شمال غزة أن الاحتلال يستخدم العدد كأداة من أدوات التّعذيب والتّنكيل بالأسرى، مشيرا إلى أنه يُجرى أربع مرات كل يوم، ويتم خلاله إجبار الأسرى على الاستلقاء على البطن حتى انتهاء "العدد" من كل الزنازين أي بعد نحو ساعتين، وكل من يخالف يتم عقابه.
ويضيف أنه اعتقل منذ بداية الحرب، "كانت الأيام الأولى على اعتقالي فظيعة، تعرضت للتّعذيب والتّنكيل، ذبحونا من الضرب على مدار عدة أيام، بدون ملابس خارجية في البرد القارس، قاموا برشق المياه العادمة علينا، وتبولوا علينا، ثم نقلنا إلى معسكر سديه تيمان معسكر القهر والذل عدة أشهر ، هناك بقينا راكعين على الركب، ومعصوبي الأعين، ومقيدي الأيدي والأقدام، ولاحقا جرى نقلنا إلى معتقل عوفر ، كنا نعيش العذاب والموت البطيء على مدار الساعة”.
وقد أشار الأسير المحرر أحمد الشرفا من غزة أنه "خرج وهو يرتدي قطعة ملابس صيفية وممزقة، وكان يرتجف من البرد، ومرض الجرب يغطي جسده، واكتفى بقوله كنا نعيش في جحيم "
وفي توثيق آخر لشهادة الأسير المحرر إبراهيم غبن من شمال غزة قال “في بداية اعتقالي كنا نعيش في جحيم، ولا نعرف ما مصيرنا، ولا وضعنا القانوني، مورس بحقنا كافة أشكال الجرائم والتنكيل والحرمان، نواجه الجوع والعطش ، فكميات الطعام قليلة جداً وغير صالحة للاستخدام الآدمي وغالبية الأسرى يقومون بجمع لقيمات الطعام حتى يأكلوا وجبة واحدة ليلاً، ومنذ اعتقالنا محرمون من السكر والملح، كنا نعاني من ظروف اعتقال صعبة محرمون من كافة مقومات الحياة الأساسية”.
وأضاف الأسير المحرر أدهم النجار من بلدة خزاعة لمؤسسة العهد الدولية أن الأسرى جميعهم كانوا شبه عراة، منهم من تعرض للحرق بالولاعة، ومنهم من تعرض للاغتصاب، وقد خضع بعضهم لبتر أطراف، في حين أجريت لبعضهم عمليات جراحية كبيرة في أجسامهم
وبين الأسير المحرر عبد المجيد رجب من قطاع غزة أنهم " يجبرون على الوقوف لساعات طويلة أو الجثو على ركبهم، ويتعرضون للضرب المبرح بالهراوات، ولا يتمكنون حتى من تحريك رؤوسهم أو من التحدث داخل المعتقل أو السجن" .وقال "نسمع صوت الصراخ والضرب الشديد والتعذيب الوحشي "
وأشار الأسير أمين رزق من شمال غزة أن " الأطباء في مركز الاعتقال يقومون أحيانا ببتر أطراف السجناء بسبب الإصابات الناجمة عن تكبيل أيديهم المستمر، والإجراءات الطبية التي يقوم بها أحيانا أطباء غير مؤهلين، حيث يمتلئ الهواء برائحة الجروح المهملة التي تركت لتتعفن" .
منذ بدء الحرب البرية لقطاع غزة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2023، اعتقل جيش الاحتلال الإسرائيلي آلاف الفلسطينيين بينهم نساء وأطفال، وأفرج عن عدد قليل منهم لاحقاً، فيما لا يزال مصير الآخرين مجهولاً وسط شهادات عن عمليات تعذيب ممنهج بحق الأسرى.
وسبق أن أطلق الاحتلال سراح جزء ضئيل من معتقلي غزة في سجونها، إذ ظهرت عليهم علامات التعذيب، وبدت أجسادهم هزيلة، وخرج بعضهم مصاباً بأمراض نفسية وعقلية جراء سياسات القمع التي ينتهجها الاحتلال بحق الأسرى الفلسطينيين، فيما لقى بعضهم حتفهم بسبب التعذيب الشديد. .
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...