غزة- تسنيم محمد
وسط القطاع، أقام الاحتلال منطقة عسكرية أمنية تحتل عرض المنطقة من الحدود الشرقية لمناطق لشجاعية والزيتون، حتى شاطئ البحر على شارع الرشيد المحاذي لحي تل الهوا والرمال، بطول يصل إلى سبعة كيلومترات.
منطقة أخذت تتمدد وتتسع وتبتلع من أراضي ومنازل الفلسطينيين، حتى أصبح عرضها حوالي أربعة كيلومترات، يجثم هذا الشريط المشئوم وسط القطاع، ومن أجل تأمينه أحاطه جيش الاحتلال بسواتر إسمنتية ضخمة وأخرى ترابية مرتفعة، والعديد من أجهزة الرصد المتطورة، وأبراج للمراقبة، إضافة إلى تحليق طيران استطلاعي على مدار الساعة، وتمشيط مدفعي وناري في ساعات الصباح والمساء وما بينهما، وعمليات تقدم وتجريف ونسف متواصلة.
ظلّ طريق 749 -كما يسميه الاحتلال- كحد فاصل بين الحياة والموت، محتوياً بداخله على طريق لعبور الآليات المجنزرة، والعربات العسكرية، وعلى مواقع لمبيت الجنود وتخزين الأسلحة، ومركز تحقيق واعتقال، ومتحكماً بطريق العبور من وإلى المناطق التي تقع شمال وادي غزة، فلا يجرؤ أي كائن حي على الاقتراب منه من مسافة بعيدة.
حول هذا الكابوس الذي يبتلع كل ما في طريقه، فُقِد مئات الفلسطينيين، اختفت عائلات نزحت هروباً من الموت، واتجهت جنوباً عبره، حسب تعليمات جيش الاحتلال نفسه، وضاع شبان شوهدوا آخر مرة في محيطه البعيد، باحثين عن عيدان من الحطب، أو منتظرين حفنة من الطحين، وابتُلِعت مركبات بمن فيها، محلية تُجلي المحاصرين، أو دولية تحمل الإغاثة، أو حتى صحية للإسعاف والدفاع المدني.
مريض في غياهب المجهول
كان طارق جمال عمر البالغ من العمر 40 عاماً، يمكث على سرير المرض في مستشفى الشفاء، برفقة أخويه وليد المصاب في الحرب، وماهر الذي يعتني بكليهما، وفي نوفمبر 2023، اقتحمت قوات الاحتلال مستشفى الشفاء، وطلبت من النازحين مغادرة المشفى، والتوجه جنوباً، عندها خشي ماهر الأخ الأكبر المرافق على أخويه المريض والمصاب، وقرر الخروج بهما من المستشفى، ليكملا علاجهما هناك، حاصرت قوات الاحتلال المشفى، وكانت تنادي على الناس بالخروج، لكن في نفس الوقت، لم تتوقف الغارات العنيفة وزخات الرصاص كانت تنهال بكثافة، على أي شخص يتحرك خارج المشفى أو داخلها.
طلب ماهر من شقيقيه أن يتبعاه ويتسللا خارج قسم العلاج زحفاً، وأن يزحفا جنوباً بين الأشجار، زحف الإخوة خارجين، ولكن هول المشهد وصراخ النازحين ومحاصرة المشفى فرقتهم ولم يعودوا سوياً، ولم يعرف أي منهم أي شيء عن أخيه، استطاع وليد النجاة بنفسه، والخروج، ثم التقى -بعد شهرين- بشقيقه ماهر، أما طارق فلم يعد منذ ذاك اليوم، ولم يره أحد، ولا يعرفون عنه شيئاً.
ضياع في "الممر الآمن"!
منذ منتصف أكتوبر قام الاحتلال بتكرار طلب النزوح من سكان مدينة غزة والمناطق الشمالية، والاتجاه جنوباً نحو محافظات الوسط والجنوب، وادعى أنه أنشأ لذلك ممراً آمناً يسمح بمرور العائلات دون خوف على حياتهم، وفي تلك الفترة، استجابت الكثير من العائلات لهذا النداء بعد أن لم يبق لها فرصة في النجاة، وهربت بحياتها من بين القصف والحصار.
يحدثنا جمعة شملخ، من حي الزيتون عن ابنه زاهر ذي الثلاثة وعشرين ربيعاً، الشاب الطيب المحب للخير، وكيف كان يساعد الناس في منطقة قريبة من شارع صلاح الدين، وينقل لهم المياه، بسبب شح المياه هناك، وكان أحياناً يعمل على إسعاف الجرحى ونقل الشهداء مستخدماً وسيلة النقل الوحيدة المتاحة: الكارة (عربة يجرها حمار).
في نهاية أكتوبر، طلبت عائلة تنوي النزوح من زاهر أن يساعدهم في نقل متاعهم إلى منطقة النصيرات وسط القطاع، بحمله على الكارة مروراً بشارع صلاح الدين عبر "الممر الآمن"،
يتحدث جمعة وهو يبتلع غصّته، كيف كان ذلك اليوم مرعباً، حيث لم يتوقف القصف، وكانت المجازر في كل مكان، ويخبرنا بعينين دامعتين كيف ودّع ابنه، واستودعه الله، ولم يره منذ تلك اللحظة. غلب الحاج جمعة شملخ البكاء وهو يقول: "لم أترك جهة إلا سألتها عنه، سواء الصليب الأحمر أو المؤسسات المعنية، ونشرت صوره في كل مكان، لكن دون فائدة"، ويكمل بحرقة: "اشتقتله، نفسي أعرف مصيره بدي أرتاح".
هناك، على أرض تتقلص كل يوم أكثر، تبكي قلوب حدّ الاختناق، حيل بينها وبين أحبابها، حين فصلت بينهم ربع ساعة، وحاجز مشئوم، ومستحيل.
مواد مشابهة
أجنة خلف القضبان:ثلاث أسيرات حوامل يواجهن الجوع والقمع في سج...
تحتجز قوات الاحتلال الإسرائيلي ثلاث أسيرات حوامل في سجن الدامون، هن أمينة الطويل من قلقيلية، ودانا جودة من ناب...
خلف القضبان بدل قاعات الامتحان : أسرى أشبال حرمهم الاعتقال م...
تمثل قضية طلبة الثانوية العامة المعتقلين سوى جزء من واقع أوسع يعيشه الأطفال الفلسطينيون في سجون الاحتلال. فوفق...
شيماء الخولي: من ساحة المعمداني إلى زنازين الدامون
تقول شيماء إن اللحظة الأصعب لم تكن الاعتقال نفسه، بل شعورها بأنها تغادر غزة إلى المجهول. خلال عملية النقل، راو...