السبت 9 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

حسام أبو صفية... من غرفة العمليات إلى زنزانة مجهولة

13 فبراير 2025 قراءة 5 دقيقة

على مدى أشهر طويلة من الحرب على غزة، تحوّل اسم الدكتور حسام أبو صفية – مدير مستشفى كمال عدوان – إلى أيقونةٍ للصمود الطبي والإنساني، قبل أن تعتقله قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال اجتياحها لمستشفى كمال عدوان أواخر ديسمبر 2024

قاد أبو صفية – استشاري طب الأطفال – فريقًا طبيًا خلال أسابيع الحرب الأولى، حيث عمل على إنقاذ مئات الجرحى تحت القصف، رغم نفاد الأدوية وانقطاع التيار الكهربائي. زملاؤه في المستشفى وصفوه بـ "الطبيب الذي يخاطر بحياته لإنقاذ الآخرين"، خاصةً بعد أن رفض مغادرة القطاع رغم عروض إخلاء دولية، قائلًا: "مرضى غزة أولى بجهودي".

بطاقة تعريفية

حسام أبو صفية هو استشاري طب أطفال فلسطيني، شغل منصب مدير مستشفى الشهيد كمال عدوان في قطاع غزة. يُعد من الشخصيات البارزة في القطاع الصحي، وعمل على قيادة الفرق الطبية لتقديم الخدمات الطبية لسكان غزة.

وُلد حسام أبو صفية في مخيم جباليا بمدينة غزة لعائلة هُجّرت من بلدة حمامة إثر النكبة عام 1948. نال شهادة البورد الفلسطيني في طب الأطفال وحديثي الولادة.

اعتقال قوض آخر معاقل العمل الطبي في الشمال

في 27 ديسمبر 2024، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة، واعتقلت مديره الدكتور حسام أبو صفية، في خطوةٍ وصفتها منظمة الصحة العالمية بأنها "كارثية"، بعد أن أصبح المرفق الصحي -آخر المُتاح في شمال القطاع- خاليًا تمامًا من المرضى والكوادر، وفق بيانٍ رسمي للمنظمة.

وأكدت المنظمة الدولية أن العملية العسكرية الإسرائيلية أجبرت المستشفى على إخلاء 15 مريضًا في حالات حرجة، مع نقل 50 من مُقدمي الرعاية و20 عاملًا صحيًا إلى المستشفى الإندونيسي، الذي يعاني من نقص حاد في المعدات الطبية والأدوية. وأعربت المنظمة عن "صدمتها" لفقدان الاتصال بمدير المستشفى أبو صفية، مشيرةً إلى أن "تحويل المنشآت الصحية إلى ساحات حرب يُنتهك القانون الدولي".

ظل القطاع الطبي في قطاع غزة على خط النار طوال سنوات الحصار المتواصل منذ أكثر من 17 عامًا، ومع بدء العدوان الإسرائيلي على القطاع في 7 أكتوبر 2023، دخلت المنظومة الصحية، بمكوناتها الإنشائية والبشرية، ضمن الاستهداف المباشر لهذه الحرب.

الوضع الصحي داخل مشافي قطاع غزة

أصبحت المنظومة الصحية هدفاً من أهداف الحرب الإسرائيلية على غزة، دون الأخذ بأي اعتبار للقوانين الدولية والإنسانية، وفى مقدمها اتفاقية جنيف الرابعة التي تقر بشكل واضح احترام وحماية الأفراد العاملين في الحقلين الطبي والصحي، وتلك التي تقدم الرعاية للجرحى والمرضى والعجزة والنساء في فترة النفاس، وتحث أطراف النزاع على احترامها وحمايتها في جميع الأوقات وحماية واحترام نقل الجرحى والمرضى والعجزة.

تعمدت إسرائيل منع دخول المساعدات الطبية إلى القطاع، وكذلك منع دخول العديد من الأدوات والتجهيزات الطبية، وتقليص التحويلات الطبية للعلاج في الخارج، مما شكل ضغطا مباشرًا على الطاقة الاستيعابية والإمكانيات العلاجية للمشافي وفرقها الطبية.

حيث أكد إسماعيل الثوابتة، مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن هناك أكثر من 12 ألف جريح بحاجة للسفر للعلاج في الخارج، و10 آلاف مريض سرطان يواجهون الموت وبحاجة للعلاج، و3 آلاف مريض بأمراض مختلفة يحتاجون للعلاج في الخارج، فضلا عما يزيد عن المليون مصاباً بأمراض معدية نتيجة النزوح، ونحو 72 ألف حالة عدوى التهاب كبد وبائي بسبب النزوح، و350 ألف مريض مزمن في خطر بسبب منع إدخال الأدوية. وبخصوص المعتقلين أكد أن الاحتلال اعتقل ما يزيد عن 5 ألف شخص من قطاع غزة خلال الحرب، بينهم 310 معتقل من الكوادر الصحية.

تداعيات الاعتقال.. صرخةٌ تُهزّ الضمير العالمي

يأتي اعتقال أبو صفية -الذي قاد جهود إنقاذ آلاف الجرحى خلال الحرب- في سياق تصعيدٍ إسرائيلي ممنهج ضد المنظومة الصحية بغزة، حيث دمّرت القوات خلال الإبادة 35 مستشفى وعيادة، وفق إحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية. منظمات حقوقية دعت المجتمع الدولي للتحرك العاجل لـ "وقف استهداف الطواقم الطبية في حينه.

وفق إفادة مُحامي مركز الميزان لحقوق الإنسان الذي زار أبو صفية في سجن "عوفر" فإن الطبيب الفلسطيني (55 عامًا) فقد 15 كيلوغرامًا من وزنه، ويعاني من تضخم في عضلة القلب دون تلقّي أي علاج طبي، رغم مطالباته المتكررة بإدخال طبيب مختص. وأكد المحامي أن أبو صفية تعرّض خلال نقلِه من غزة لـتعذيب ممنهج، شمل إجباره على خلع ملابسه، والجلوس على حصى مدبب لـ5 ساعات، مع استخدام الصعق الكهربائي والضرب على الصدر.

أمضى أبو صفية 25 يومًا في زنازين سجن "عوفر"، بينها 10 أيام خضع خلالها لتحقيق متواصل، وفق شهادة محاميه، الذي أضاف: "أُغمي عليه داخل الزنزانة أكثر من مرة بسبب الاختناق، لكن إدارة السجن تجاهلت نداءات الاستغاثة". وتُواجه سلطات الاحتلال اتهامات بـانتهاك البروتوكول الثاني لاتفاقية جنيف، الذي يُحظر استهداف الطواقم الطبية أثناء النزاعات.

مناشدة دولية عاجلة للإفراج عن أبو صفية وطواقم طبية محتجزة في سجون الاحتلال

ناشدت منظمات حقوقية وصحية دولية، المجتمع الدولي للضغط من أجل الإفراج الفوري عن الأسير الدكتور حسام أبو صفية – مدير مستشفى كمال عدوان سابقًا – وعشرات الطواقم الطبية الفلسطينية المحتجزة في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وسط تحذيرات من "تصاعد سياسة الانتقام من الكوادر الصحية".

ودعت منظمات دولية، بينها الصليب الأحمر وأطباء بلا حدود، إلى تحرك عاجل لوقف "الاعتداءات الممنهجة على الحصانة الطبية"، مشيرةً إلى أن الاحتلال يُحتجز حاليًا 34 طبيبًا وممرضًا من غزة، بينهم نساء، في ظروفٍ وصفتها بـ "اللا إنسانية". وفي بيانٍ لها، وصفت منظمة الصحة العالمية اعتقال أبو صفية بأنه "ضربةٌ جديدة للنظام الصحي المنهك".

لا تقتصر معاناة الأسرى الطبيين على أبو صفية، فـتقارير حقوقية تكشف أن المئات من الأسرى المرضى في سجون الاحتلال يُحرمون من العلاج، وسط اكتظاظٍ يفوق طاقة الزنازين، وإهمالٍ متعمدٍ يتحول معه السجن إلى "أداة انتقام". وطالبت الأمم المتحدة إسرائيل بـ "الكف عن استخدام التعذيب كأسلوب عقاب جماعي".

هكذا تحوّلت المشافي في القطاع خلال الحرب إلى ساحة للإجرام، وارتبط اسمها بأكبر فظائع التاريخ الحديث، وصار ذكرها يُحيل مباشرة إلى المقابر الجماعية، والإخفاء القسري والمباني المدمرة، وأسرّة المرضى المحترقة.

 

 

مواد مشابهة