الاثنين 6 يوليو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

أم فيصل " اتركوا الباب مواربًا حتى يعود فيصل"!

24 ديسمبر 2024 قراءة 4 دقيقة

 

 

غزة _ أمل حبيب


تتّبع حدسها، هكذا تفعل الأمهات، وهكذا يقول لها قلبها، "لا تغلقي الباب، ابقيه مواربًا علّ فيصل يعود يومًا"!

كانت خطوات فيصل خضر أبو لبن 17 عامًا الأخيرة نحو باب البيت في الحارة الملونة بحي الزيتون جنوب مدينة غزة، في التاسع من مارس من العام الحالي، لوّح لأمه، وعدها بعودته من دوار الكويت وعلى ظهره كيس طحين، أهداها ضحكته حتى يطمئن قلبها ثم مضى.

حملت الأم القهر في قلبها منذ ذاك اليوم، تترقب الخطوات، تناجي طيف فيصل، تبحث عن وجهه بين الوجوه، صار شغلها الشاغل "متى يعود"؟

"الانتظار مُر، يحرق القلب" تقول أم فيصل، وتضيف بأنها ومنذ اللحظة الأولى التي خرج فيها ابنها لدوّار الكويت وهي تشعر بوخزة في قلبها، بضيق غريب دفعها للتوجه هناك، لمناداته للعودة.

رذاذ الطحين اختلط بالرمل بالدم، الكل يهرب من نار المدفعية التي وجهت فوهتها نحو الجياع، تسأل عن ابنها، يخبرها أبناء عمومته أنهم افترقوا لحظة الوصول، وهنا تعبّر الأم عن مشاعرها:" اجتاح الخوف قلبي رغم كل محاولات العائلة طمأنتي أن ابني بخير"، وتضيف:" أخبرني طارق ابن عمه أن فيصل حاول الاتصال بنا وبشقيقته لطمأنتها أنه بخير لكن الارسال لم يسعفه".

رن الهاتف، "فيصل يتصل"، تصرخ الأم "الحمد لله فيصل يتصل"، يتسلل صوت رجل غريب يطلب منها التوجه لمستشفى المعمداني وسط مدينة غزة.

منتصف الليل، لم تأبه الأم بالطائرات المسيّرة التي تخطف روح أي متحرك على الأرض، كانت تجري بين أزقة الشوارع، تجتاز ركام المنازل، المهم أن تصل للمشفى للاطمئنان على ابنها.

لم تكن تعلم أن حكاية الابن المفقود قد بدأت فصولها من ذاك الاتصال، ولم تنعم بالاطمئنان، بل زادت مشاعرها خوفًا، ترقبًا، أملًا، يأسًا.

أخبرها الشاب الذي يحمل هاتف ابنها في باحة المشفى أنه وصديقه قد وجدا ابنها مطروحًا أرضًا عند دوّار الكويت، وقد اغبّر وجهه من التراب ومن تدافع المواطنين لحظة وصول شاحنات الطحين، وقد حاولوا اسعافه بالتنفس الصناعي لكنه كان غائبًا عن الوعي.

فيصل ابن السابعة عشر ربيعًا كان يحاول البحث عن بر النجاة على طريق صلاح الدين، نجاة من حصار يطبق أنيابه على منطقة شمال وادي غزة، وسياسية تجويع تعمدها المحتل عقابًا لكل من بقي في المدينة وشمالها ورفض النزوح جنوبًا.

اعتاد التوجه مع أبناء عمومته أملًا بالحصول على الطحين، يردد ما حفظ من كتاب الله، تحيطه دعوات أمه، تمتماتها، تحاول تحصينه بها حتى يطمئن فؤادها بعودة أخر العنقود لحضنها.

في تمام الساعة الحادية عشر ليلًا توجه الابن كعادته لدوّار الكويت، هي تلك الساعة التي تصل فيها شاحنات الطحين، لم يكن يعلم أن هذا المشوار سيحرق قلب أمه حتى كتابة هذه السطور!

لم يتمكن الشاب مع صديقه من نقل فيصل للمشفى، حلكة الليل منعتهم من ذلك، زخات الرصاص كذلك، فوضعوه على شاحنة كانت تنقل على متنها الشهداء والجرحى، قتلت الأم الصمت بسؤالها لهما:" أين الشاحنة، أين توجهت؟”، لم يكونوا يحملان أيا إجابة شافية لأن آليات المدفعية كانت قد تقدمت وفرغت نيرانها في جموع المواطنين.

وارتبط دوّار الكويت جنوب حي الزيتون بأسماء المئات من الشباب الذين دفعوا أعمارهم من أجل الحصول على كيس طحين، إن كان عبر الشاحنات التي كانت تمر خلال الدوّار أو عبر دوّار النابلسي غربَا.

لم تمل هذه الأم طيلة السبعة أشهر من البحث عن ابنها المفقود، تتحسس أي خبر عنه، تفتش عليه بين أسماء الجرحى، المعتقلين، الشهداء، لقد حفظت كل السجلات والقوائم ولكنها لم تجد فيصل حتى الآن.

توضح الأم بأنها تواصلت مع كل الجهات الرسمية ذات الصلة، كالصليب الأحمر، وكتبت عنه على منصات التواصل الاجتماعي، وطلبت من الجميع نشر صورته من خلال المناشدات.

أمه التي حفظتها جدران المستشفيات، ثلاجة الموتى تعرفها، تألفها باحة المستشفى، حتى الأشجار التي جلست لساعات تحتها تنتظر وصول خبر عن فيصل، هي الأخرى اعتادت عليها!

يخبرها قلبها أنه لازال على قيد الحياة، تخبرنا نحن:" فيصل عايش، فيصل موجود، فيصل الطيب، البشوش، هو سندي بالحرب".

فيصل الذي لم يتجاوز الــ 17 من عمره كان يعيل عائلته طيلة فترة الحرب على غزة، ينقل الماء لأسرته، يوفر قوت اليوم من خلال بيعه على بسطة صغيرة للمعلبات، يشحن الهواتف لأمه وأخواته، لاسيما بعد أن فقدت العائلة ابنها البكر في يوم السابع من أكتوبر ولا تعرف عنه شيئًا.

الفتى المفقود فيصل هو واحد من عشرات الآلاف ممن فُقدوا خلال حرب الإبادة على غزة منذ السابع من تشرين أول العام الماضي، ورغم عدم تحديد حصيلة المفقودين بشكل دقيق، إلا أن أغلب الاحصائيات تشير إلى أنهم تجاوزا الـ 22 ألف مفقود ولا تزال قضية المفقودين هي الأكثر إيلامًا لاسيما أن العائلات تنتظر معرفة أي خبر عن أبنائها، هل هم في عداد الشهداء أم المعتقلين، أم لازالوا تحت الركام في مكان ما؟

"اشتقت لابني، اشتقت لصوته، اشتقت يحكيلي يمه ادعيلي" كانت تبلغنا هذه الأم عن مشاعرها الطبيعية، عن الأفكار التي تسكن عقلها، عن المخاوف التي ترهق قلبها، عن كل شيء، ولا يواسيها سوى رسالة أرسلها لها فيصل وهو على دوّار الكويت، لكنها وصلتها بعد يومين بسبب ضعف شبكة الارسال، "وينك يا إمي.. ادعيلي".

كل يوم تجيبه الأم، أنا هنا يا ولدي، أنا هنا أنتظر عودتك، لن يقتلني اليأس يا فيصل!

 

مواد مشابهة