الاثنين 6 يوليو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

صرخات الأسرى تحت سطوة الأصفاد

5 فبراير 2025 قراءة 8 دقيقة

وراء القضبان الحديدية، حيث يصمت الضوء وتتكلس الأحلام، تُنسج حكاياتٌ من ألمٍ لا يُروى. بين جدران الإسمنت التي تنضح برطوبة اليأس، ودهاليز السجون التي تُختزل فيها الحياة إلى مجرد أنفاس مكبوتة، تُمارس آلة القهر فنونها القاتمة: اعتداءً ممنهجاً، وضرباً حتى النزف الأخير، وتنكيلاً يُذيب البشر إلى أشباح. هنا، حيث الظلام لا ينام، تُحاك مأساة الأسرى بأيدٍ تقطع أوصال الكرامة، وتُحوّل الجسد إلى أرضٍ بور.

تعذيب، تجويع، تنكيل وإذلال، انتهاكات مستمرة واعتداءات صهيونية مضاعفة بحق الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال منذ السابع من تشرين الأول ٢٠٢٣ إذ أقدمت قوات الاحتلال على ممارسة أبشع وأقذر الأساليب المهينة بحق الأسرى في سجونه، مخالفة بذلك  اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب والمادة الثالثة من الباب الأول التي تتحدث عن الاعتداء على الكرامة الشخصية والمعاملة المهينة؟

 انتهاكات خطيرة ترقى إلى جرائم حرب

يمعن الاحتلال الإسرائيلي بتعذيب الأسرى منذ اجتياحه قطاع غزة أكتوبر ٢٠٢٣، حيث اعتقل آلاف الفلسطينين بينهم نساء وأطفال، أفرج عن عدد ضئيل منهم لاحقا، في حين لايزال مصير الآخرين مجهولا وسط شهادات عن عمليات تعذيب وتنكيل ممنهج بحق المعتقلين.

حيث كشف عدد من الأسرى الفلسطينيين المحررين ضمن الدفعة الرابعة من صفقة تبادل الأسرى (طوفان الأحرار) عن حجم الجرائم والانتهاكات التي تعرضوا لها خلال فترة اعتقالهم في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وبحسب شهادات الأسرى، فقد تعرضوا للضرب المبرح لعدة أيام قبيل الإفراج عنهم، مما أدى إلى إصابة بعضهم بكسور في الأضلاع، فضلًا عن التعذيب الجسدي والنفسي الممنهج.

وأكد مكتب إعلام الأسرى أن الاحتلال الإسرائيلي صعّد من أساليب القمع والتنكيل بالأسرى منذ السابع من أكتوبر، حيث بات التعذيب أكثر وحشية، إلى جانب جرائم التجويع الممنهجة، والإهمال الطبي الذي أدى إلى انتشار أمراض خطيرة، من بينها مرض الجرب السكايبوس، كما تم نقل عدد من الأسرى المحررين فور الإفراج عنهم إلى المستشفيات، مما يؤكد حجم الممارسات الوحشية التي تعرضوا لها. ووصف نادي الأسير الفلسطيني ما يحدث في سجون الاحتلال بأنه "إرهاب منظم" يهدف إلى كسر إرادة الأسرى وتحطيم رمزية نضالهم في الوعي الجمعي الفلسطيني.

وأكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن الحالة الصحية المتدهورة للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين الذين أفرجت عنهم إسرائيل في إطار صفقة التبادل، ضمن تفاهمات وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تعكس الظروف القاسية التي عاشوها خلال اعتقالهم، بما في ذلك التعذيب وسوء المعاملة والانتهاكات المهينة التي استمرت حتى اللحظة الأخيرة. وأوضح المرصد الأورومتوسطي أن فريقه الميداني وثق "إجبار القوات الإسرائيلية العديد من المعتقلين على حلق رؤوسهم كإجراء مهين ومتعمد يستهدف إذلالهم وتحطيم معنوياتهم، إضافة إلى إجبارهم على ارتداء ملابس السجن، وتعريضهم للضرب والعنف قبل وأثناء تحميلهم في الحافلات".

شهادات حية

يروي الأسير المحرر مؤمن محمد البودي سكان بيت لاهيا شمال قطاع غزة لمؤسسة العهد الدولية تفاصيل أيام الرعب التي قضاها منذ اعتقاله وحجم المعاناة والجحيم التي عاشها، بداية من عصب الأعين وتكبيل الأيدي والأرجل، ومن ثم الصعود عبر مركبات خاصة إلى مكان مجهول، والتعرض أثناء عملية النقل للضرب المبرح بالهراوات والعصي، وأعقاب البنادق، والركل بالأقدام.

يقول " تعرضت للضرب، والتعرية، والتحقيق الميداني، طوال مدة بقائي في معتقل سديه تيمان، أنتقل بين مركز تحقيق وآخر وأقاسي أنواعاً من الإهانة والتعذيب والإذلال والتنكيل المهين " كما أن المعتقلين الذين يتعرضون لإصابات جراء عمليات التعذيب لا يتلقون العلاج، ويتعرضون لجرائم طبية أدت لاستشهاد بعضهم. 

ويحدثنا أيضا الأسير المحرر نصر الله معمر، سكان خانيونس محكوم بالسجن ٢٢ عاما، قضى منها ١٧ عاما في السجون، وأفرج عنه ضمن الدفعة الرابعة في صفقة طوفان الأحرار أنه عانى التعذيب والتنكيل والإهمال الطبي كاشفا عن أن “الأسرى لا يعيشون في سجون، بل في مراكز تعذيب إسرائيلية يعانون فيها الجوع والأمراض وقلة العلاج”. وأن الاحتلال يتعمد ضرب المعتقلين على مناطق حساسة، مثل الرأس والظهر والرقبة.

وفي شهادة أخرى لمؤسسة العهد الدولية يروي الأسير المحرر فايز حامد من بلدة سلواد شرقي مدينة رام الله، معتقل منذ عام 2015 ومحكوم بالسجن المؤبد، بتهمة المشاركة مع خلية نفذت عمليتي إطلاق نار أدت إحداهما لمقتل مستوطن وإصابة آخرين قرب نابلس في يونيو/ حزيران 2015.

 قبيل الإفراج تعرضنا للضرب المبرح في سجن نفحة الصحراوي (سجن القهر والذل)، تم تقييدنا وتكبيل أيدينا وأرجلنا بوحشية ولساعات طويلة، حيث صعد الاحتلال من أساليب التعذيب والقمع منذ بداية الحرب من حرمان للنوم، وتجويع، وإذلال، ومنع ممارسة الشعائر الدينية والصلاة ورفع الآذان، حتى الورقة والقلم قاموا بمصادرتها إضافة لمقتنيات الأسرى.

كنا نصاب بأمراض عديدة جراء العنف الجسدي والعقاب الجماعي، والتنكيل المتواصل، حيث أكد أن "أي أسير يقوم بأي حركة، حتى لو كانت غير إرادية كأن يغفو مثلا، أو يغير شكل جلسته، يتم عقابه بأبشع الطرق ". كما لفت إلى أن السجانين يستخدمون الكلاب المتوحشة بشكل مفرط للتنكيل بالأسرى.

ويضيف الأسير المحرر مؤيد شكري حماد من بلدة سلواد شرقي مدينة رام الله، معتقل منذ عام 2003. محكوم 7 مؤبدات بتهمة الانتماء لكتائب عز الدين القسام والمشاركة في العمليات العسكرية التي أدت إلى قتل جنود وإصابة العشرات، أن الاحتلال أمعن في تعذيب وتنكيل الأسرى بدءا من تخفيض كمية الطعام وصولا إلى الاعتداء والضرب حتى الموت، حيث تم عزلي داخل الزنازين الانفرادية لمدة 23 يوما بدون أغطية وملابس وإن وجدت يتم مصادرتها من الساعة الخامسة فجرا إلى الساعة التاسعة مساءا، فيما ينام غالبية المعتقلين على الأرض دون فراش وأغطية.

ويضيف قائلا " كان يتم معاقبتنا إذا ابتسمنا، أو تحدثنا" فالسجان كان يقول لنا لابد من نزع الابتسامة من وجوهكم، فأنتم السبب بما يحدث بسبب ضغطكم على المقاومة للإفراج عنكم "

 شهادات موثقة

كشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية عن أن الأسرى الفلسطينيين في معتقل إسرائيلي بصحراء النقب يتعرضون لعمليات تعذيب ممنهجة تسببت للعديد منهم في مضاعفات صحية خطيرة، وأن أيدي المعتقلين في سجن "سديه تيمان" تبقى مكبلة طوال الوقت، وإن واحدا – على الأقل – من المعتقلين بترت يده بسبب تكبيله بشكل مستمر. ونقلت "الغارديان" عن اثنين ممن يعملون في المعتقل قولهما، إن الأسرى يقيدون حتى داخل المستشفيات التي ينقلون إليها معصوبي الأعين، وهم في ظروف صحية صعبة وحقوقهم منتهكة. وتابعت الصحيفة، إن المعتقل الذي يوجد على بعد نحو 29 كيلومترا من غزة يتكون من قسمين، أولهما هو عبارة عن منطقة سياج يحتجز داخلها نحو 200 فلسطيني فيما يشبه الأقفاص، والمنطقة الأخرى هي عبارة عن مستشفى ميداني من الخيام يحتجز داخله عشرات الأسرى الجرحى المحرومين من مسكنات الألم.

وبحسب رواية أحد حراس السجن لـ "الغارديان"، فإن كل المعتقلين في المستشفى الميداني كانوا جميعا مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين وشبه عراة، وقد خضع بعضهم لبتر أطراف، في حين أجريت لبعضهم عمليات جراحية كبيرة في البطن أو الصدر، ويجبر المعتقلين على الوقوف لساعات طويلة أو الجثو على ركبهم، ويتعرضون للضرب المبرح بالهراوات، ولا يتمكنون حتى من تحريك رؤوسهم أو من التحدث داخل المعتقل.

ونقلت شبكة "سي إن إن" الأميركية، في تحقيق نشرته، عن شهادات إسرائيليين أن المعتقلين الفلسطينيين يعيشون ظروفا قاسية للغاية في السجون الإسرائيلية، وأن الأطباء في مركز الاعتقال يقومون أحيانا ببتر أطراف السجناء بسبب الإصابات الناجمة عن تكبيل أيديهم المستمر، والإجراءات الطبية التي يقوم بها أحيانا أطباء غير مؤهلين، حيث يمتلئ الهواء برائحة الجروح المهملة التي تركت لتتعفن.

وأصدرت منظمة بتسيلم الحقوقية الإسرائيلية تقريرا يوثق التغير الذي طرأ على ظروف اعتقال الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية بعد أكتوبر. ووفق المنظمة الإسرائيلية هناك " شبكة معسكرات هدفها الأساسي التنكيل بالبشر المحتجزين داخلها، فكل من يدخل أبواب هذا الحيز، محكوم بأشد الألم والمعاناة المتعمدين وبلا توقف"

الأسرى لدى المقاومة... الدين المعاملة

على غير المعتاد في عالم اليوم الذي طغت فيه القيم المادية على ما سواها من القيم الأخلاقية والدينية فاجأت فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة العالم أجمع بأنموذج نادر في التعامل مع الأسرى ليس له نظير في تاريخ الحروب.

فمنذ الإفراج عن الدفعة الأولى من الأسرى الإسرائيليين تفاجأ الجميع بخروج أسرى العدو بتلك الصورة الرائعة  والتي تحمل الكثير من الدلالات عن المعاملة الحسنة التي نالوها  طوال فترة بقائهم في الأسر على مدى أكثر من عام وأربعة أشهر رغم الظروف القاسية التي فرضها العدوان على غزة بفعل القصف والدمار الشامل والحصار الجائر والتجويع الذي طال كل أبنائها شعباً ومقاومة.

حيث حرصت على توفير الرعاية الصحية اللازمة للأسير الإسرائيلي الذي يحمل الجنسية الأميركية والذي يعاني من أمراض متعددة.

 إن الحالة الجسدية والنفسية الجيدة التي يظهر بها أسرى العدو تثبت قيم المقاومة والتزامها الأخلاقي والديني تجاه الأسرى، بينما يرتكب الاحتلال أبشع الانتهاكات بحق الأسرى في السجون.

لقد تم تسليم الأسير الإسرائيلي الأميركي كيث شمونسل سيغال (65 عاما) وهو في كامل صحته وأناقته، وقد منحته المقاومة هدية له ولزوجته التي كانت أسيرة وأفرج عنها خلال الهدنة الأولى في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.

لذلك دعت حركة حماس إلى الضغط على الاحتلال لإلزامه بتنفيذ البروتوكول الإنساني وعدم المماطلة والمراوغة. وأكدت أن الانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين، تستدعي تدخلاً فورياً من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإنسانية لوقف جرائم الحرب التي ارتكبها الاحتلال بحقهم ومحاسبة مرتكبيها. واعتبرت أن الانتهاكات المروعة والمتواصلة بحق الأسرى الفلسطينيين الأبطال في السجون تعد جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مشيرة إلى إن هناك عدداً من الأسرى خرجوا اليوم من سجون الاحتلال الفاشي إلى المستشفيات مباشرة من أجل تلقي العلاج من جراء عمليات التنكيل والتعذيب.

أثبت الاحتلال الإسرائيلي، على مدار أشهر متواصلة من الحرب أنه يضرب بعرض الحائط كافة المواثيق والقوانين الدولية وقوانين حقوق الإنسان، من خلال حربه الدامية والمدمرة في قطاع غزة، واختراقه كافة القوانين والاتفاقيات الدولية بشكل فجّ.

 

مواد مشابهة