بات اليوم لسان حال الأسرى الفلسطينيين الداخل مفقود والخارج مولود ، وفي متابعة بسيطة لصور الأسرى المفرج عنهم يدرك المشاهد فظاعة ما يتعرض له الأسرى داخل سجون الاحتلال .. فمن بعد السابع من أكتوبر / تشرين أول 2023 ، يعيش الأسرى داخل السجون في حالة غياب تام عن العالم الخارجي كما توقفت اخبارهم وغُيبت ظروف اعتقالهم ، حتى كان الافراج عن اي أسير من داخل السجون هو الوسيلة الوحيدة للأطلاع على ما يجري داخل السجون .
وعكس وضع السجون منذ السابع من أكتوبر تفاصيل مرعبة من المعاناة والتعذيب والتنكيل التي اختزلت سنوات طويلة من سنين الاعتقال حتى حفرت تماماً على وجوه الأسرى المحررين وتركت بصماتها جاثمة على تجاعيد وجوههم وكأنهم يخرجون من الجحيم ، وربما بعضهم لم يكن بحاجة إلى الحديث.. يكفي ان تنظر إلى قسمات وجهه لترى سنوات وسنوات من مواجهة مع السجان..
وهذا ما أكد عليه الأسرى المحررين مؤخراً من سجون الاحتلال ضمن صفقة طوفان الأحرار في الدفعات الأربعة التي تمت خلال المرحلة الأولى من اتفاقية الهدنة ، والذين أجمعوا بعد تحررهم من داخل سجون الاحتلال وكأن ميلاداً جديداً كتب لهم ..
في شهادات مروعة كشف فيها الأسرى المحررين عما يتعرض له الأسرى من تعذيب جسدي ونفسي في سجون الاحتلال ورصدتها مؤسسة العهد الدولية ، أشار الأسرى المحرّرون فيها عن انتهاكات فظيعة مارستها إدارة السجون بحقهم، والتي شملت التعذيب، جسدياً ونفسياً، وجرائم التجويع الممنهجة، والإهمال الطبي المتعمد الذي أدى إلى تفشي الأمراض المعدية وخاصة مرض سكايبوس " الجرب " الذي انطبعت دمامله على أجساد الأسرى المحررين .
وكشفت إفادات الأسرى المحررين حجم الجرائم، التي تعرّضوا لها قبل الإفراج عنهم، بحيث تعرّضوا للضرب المبرّح حتى الساعات الأخيرة التي سبقت الافراج عنهم مما عرض بعض الاسرى المحررين الى اصابتهم بكسور في الاضلاع ، خروج الأسرى بهذه الحالة والتي استدعت الى نقل عدد من الأسرى المحررين مباشرة الى المستشفيات لتلقي العلاج بعد أعوام من الاعتقال ، يؤكد شكل الممارسات المتوحشة وبشاعة ما يتعرض له الأسرى في السجون خاصة من بعد السابع من أكتوبر / تشرين أول 2023 .
وأكدت مؤسسة العهد الدولية تعرض المعتقلين جميعاً لعملية تجويع وتعطيش ممنهجة ومدروسة ، وتكثيف عمليات الاعتداء الجسدي المباشر عليهم ، فاستخدم السّجانون وضباط الجيش العصي والهروات لضرب الأسرى، وهو ما أدى إلى تكسير في أطراف بعضهم، ورافق هذه الاعتداءات كيل من الشتائم والتعابير النابية والتحقير والإهانة، والربط بالقيود (الكلبشات) إلى الخلف، وشدّها أكثر ما يمكن لتسبب آلاماً شديدة ولتترك أثرها في الجسد ، هذا إلى جانب التفتيش العاري والمهين بشكل جماعي للأسرى .
ما تحمله السجون والمعتقلات من معاناة كبيرة للأسرى الفلسطينيين جراء التعذيب والانتهاكات اليومية الممارسة بحق الاسرى والتي ازدادت منذ السابع من اكتوبر لتشكل جحيماً يعيش داخله الأسرى ، ليجد الأسرى المحررين أنفسهم في حالة ميلاد جديد بعد خروجهم من مقابر السجون الاسرائيلية .
مجدو وجلبوع والنقب يتفوقون على سجني أبو غريب وغوانتانامو من حيث التعذيب والانتهاكات
في شهادته روى الأسير محمود زكي الشرفا من غزة ، والذي افرج عنه ضمن الدفعة الرابعة من صفقة تحرير الرهائن بين المقاومة واسرائيل " طوفان الأحرار " ، روى ما تعرض له أثناء الاعتقال حيث اعتقلته قوات الاحتلال بعد خروجه من مستشفى الشفاء الطبي بعد دعوة الاحتلال للجميع الخروج عبر الممرات الآمنه والتي يصفها الأسير المحرر بأنها كانت ممرات اعتقال وتعذيب ، تعرض خلالها الأسرى لكافة أنواع الضرب والتعذيب ، وتحدث الأسير المحرر الشرفا عن جرائم الاحتلال بحق الأسرى والتي تمثلت بقلة الغذاء والحرمان من العلاج والتنكيل اليومي والمرض والاهمال الطبي الممارس بحق الأسرى ، ويصف الأسير ان ما عاشه الأسرى داخل السجون كان بمثابة حياة داخل المقابر فكان الأسرى فيها أشبه بالأموات .
الأسير المحرر رامي ابراهيم نعيم النجار من قطاع غزة والمعتقل منذ العام 2015 والمحكوم 14 عام ، قضى منها 10 سنوات داخل السجون وتحرر في الدفعة الثانية من صفقة التبادل طوفان الأحرار ، يتحدث عن أبرز معاناة الأسرى التي تمثلت بالجوع والحرمان والعطش والبرد والتنكيل المستمر بالضرب وتكسير العظام ويقول : كان لأسرى غزة معاناة مضاعفة من حيث الضرب والتنكيل ووصف السجون في وضعها الحالي أفظع وأسوء مما كانت عليه الأوضاع في سجني أبو غريب وغوانتانامو من حيث الانتهاكات والتجاوزات اللانسانية بحق الأسرى الفلسطينيين .
كما أشار الأسير المحرر في نفس الدفعة عبد الرحمن وشاح من قطاع غزة والذي أمضى 24 عاماً في سجون الاحتلال ، الى سياسة الجوع والحرمان التي انتهجتها مصلحة السجون بحق الأسرى فلا يكاد أسير فلسطيني إلا وقد تعرض لفقدان وزنه بما لا يقل عن 30-40 كيلو من وزنه ، وأكد أنه نظراً لسياسة التجويع وقلة الطعام أصبح الكثير من الأسرى هياكل عظمية بالاضافة الى تعرضهم الى الكثير من الامراض بسبب الجوع والاهمال الطبي وخاصة الامراض الجلدية التي نهشت جلود وأجسام الأسرى كما تحدث عن سياسة الاكتظاظ في الغرف والأقسام وقال : " الغرف التي تتسع ل6 أسرى بات يسكنها اليوم 18 أسير فلسطيني ، يعانون من الاكتظاظ الشديد .
أسوأ ظروف اعتقالية ممكن أن يمر بها أسير فلسطيني
بدموع وآهات عكست الظروف الصعبة والقاسية التي يعيشها الأسرى داخل السجون ، دعى الأسير المحرر فرج السموني من دير البلح في قطاع غزة ، لمواصلة العمل من أجل الافراج عن بقية الأسرى والمعتقلين ، مشيراً الى أن السجون في مرحلتها الحالية تشكل أسوأ وأصعب مرحلة اعتقالية مر بها الأسرى الفلسطينيين ، حيث يتعرض الأسرى للضرب المتواصل ليلاً ونهاراً ، وتقدم لهم وجبات طعام شحيحة جداً لا تكفي الأسير قوت يومه ، ومعظم الأسرى يلجأ للصيام نظراً لقلة الطعام المقدم لهم .
الأسير المحرر والمبعد الى قطاع غزة بهاء الدين قصاص ، والمعتقل منذ 23 عاماً ، كان من ضمن الأسرى المحررين في الدفعة الثالثة من صفقة طوفان الأحرار والتي ضمّت 110 أسير فلسطيني ، أشار المحرر القصاص ، أن ظروف الاعتقال منذ السابع من أكتوبر / تشرين أول 2023 وحتى تاريخ الافراج عنه كانت عبارة عن الجحيم ، استعمل خلالها الاحتلال كل أدواته ووسائله القمعية تجاه الأسرى ، ضرب مستمر واهانات واذلال للأسرى ، جرائم تجويع واهمال طبي متعمد ، حرمان من الملابس والأغطية خاصة في فصل الشتاء والبرد الشديد ، ترك الأسرى لساعات طويلة في ساحات السجن في ظل البرد القارس ، اقتحامات ليلية من قبل قوات القمع الاسرائيلية والكلاب ، تعرض الأسرى للعزل في الزنازين والعزل عن العالم الخارجي ، حيث مُنع الأسرى من زيارات المحامين وزيارات الأهالي ، ومغيبين تماما عما يحدث خارج أسوار السجن بالإضافة إلى الحرمان من أداء الحقوق والشعائر الدينية .
كما أشار الأسير المحرر قصاص عن الساعات الأخيرة للأسرى المفرج عنهم ، حيث قضاها الأسرى مكبلين ومقيدين مع تعرضهم للضرب والتنكيل .
أما الأسير المحرر محمود شريتح من بلدة يطا في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية ، والمحكوم بالسجن المؤبد 7 مرات متراكمة ، أفرج عنه بعد اعتقال دام 22 عاماً ، ضمن الدفعة الثانية من المرحلة الأولى لصفقة " طوفان الأحرار " وضمت تلك الدفعة الإفراج عن 200 معتقل، من ذوي المؤبدات والأحكام العالية، منهم 121 أسيرًا من المؤبدات، و79 من أصحاب الأحكام العالية، مع إبعاد 70 منهم إلى الخارج.
أشار الأسير في شهادته عن فظائع ما يتعرض له الأسرى داخل السجون ، حتى اللحظات الأخيرة قبيل الإفراج عنهم ، واصفاً أوضاع الأسرى داخل سجون الاحتلال بأنها كارثية ومأساوية ، ومؤكدًا أن الضرب والتنكيل والتعذيب استمر مع الأسرى حتى لحظات الإفراج الأخيرة .
يقول الأسير المحرر شريتح ، وهو الذي أمضى 22 عاماً في سجون الاحتلال ، أن الأشهر الأخيرة حملت أصعب الفترات التي عاشها الأسرى الفلسطينيين داخل السجون ، مارس فيها السجان الاسرائيلي كل أساليب القمع والتنكيل والتعذيب وشمل ذلك الحرمان من حق الأسير بالحصول على أدوات النظافة الشخصية ، مما أدى إلى انتشار الأمراض بينهم ، كما مارس التجويع بحق الأسرى ، وتعمّد اذلال الأسرى وإهانتهم بشكل مستمر ويومي حتى آخر اللحظات .
الشهادات السابقة للأسرى المحررين ، سلطت الضوء على الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال ، وتؤكد الحاجة الملحة لتدخل دولي لحماية حقوقهم وضمان معاملتهم وفقًا للقوانين الدولية ، وهو ما أشارت إليه ، اللجنة الدولية للصليب الأحمر كما أعربت عن غضبها إزاء الطريقة التي تعاملت بها إسرائيل مع الأسرى المفرج عنهم ضمن صفقة طوفان الأحرار ، وعلقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على مشهد اقتياد الأسرى الفلسطينيين بعد رفع أيديهم المكبلة بالأصفاد خلف رؤوسهم وهو وضع مؤلم .
مواد مشابهة
أجنة خلف القضبان:ثلاث أسيرات حوامل يواجهن الجوع والقمع في سج...
تحتجز قوات الاحتلال الإسرائيلي ثلاث أسيرات حوامل في سجن الدامون، هن أمينة الطويل من قلقيلية، ودانا جودة من ناب...
خلف القضبان بدل قاعات الامتحان : أسرى أشبال حرمهم الاعتقال م...
تمثل قضية طلبة الثانوية العامة المعتقلين سوى جزء من واقع أوسع يعيشه الأطفال الفلسطينيون في سجون الاحتلال. فوفق...
شيماء الخولي: من ساحة المعمداني إلى زنازين الدامون
تقول شيماء إن اللحظة الأصعب لم تكن الاعتقال نفسه، بل شعورها بأنها تغادر غزة إلى المجهول. خلال عملية النقل، راو...