غزة-تسنيم محمد
أربعمائة وسبعون يوماً داخل أتون الحرب المشتعلة، كانت كفيلة بأن تجعل دخول الهدنة حيّز التنفيذ معجزة بعيدة عن التصديق، وأن تجعل كل من نجا من موسم الإبادة الجماعية يستغرب حقيقة بقائه على قيد الحياة.
ولم تكن تلك الحقيقة هي الغرابة الوحيدة، فقد تتالت بعدها معجزات أخرى أبعد عن التصديق، مثل بنود الاتفاق وتفاصيل الصفقة التي لم يسقط منها شرط واحد مما أصرّ المفوض المقاوم على تحقيقه، ومثل بدء عمليات مبادلة الرهائن بالأسرى، وما يصاحبها من مشاهد تطفئ لهيب المعاناة، وتشفي صدور المعذبين.
في صورة هي أبهى ما يكون، وأنصع ما يوصف، بدأت مسيرة الحرية من غزة، لتكتمل في الضفة، توأمها في شقّ الوطن الآخر، وعشيّة أطلقت يد المقاوم الفتيّة سراح ثلاث رهينات إسرائيليات، كانت الاحتفالات تجتاح قلوب آلاف الفلسطينيين وهم يحتشدون لاستقبال الأسرى المنوي الإفراج عنهم مقابل الرهينات الثلاث.
في غزة احتشد الصامدون المنتصرون وهم يحيون ذراعهم الأمينة ويتأملون بإعجاب واثق، كيف يتعلم العالم منهم فنون المناورة والتحدي والقدرة والإحسان، وفي الضفة احتشد الأهالي الصابرون الملتاعون بفراق أبنائهم خلف القضبان، ليشهدوا تحقق الحلم، واحتضان فلذات الأكباد رغم أنف السجان.
أخرّت قوات الاحتلال الإفراج عن الأسرى المتفق عليهم عمداً، تحت وطأة الغيظ والغضب، وهول الحقيقة الصادمة أنهم رضخوا لشروط المقاومة، ولم ينالوا طيلة عام ونصف من الإبادة أياً من أهدافهم، وعادت الصورة في غزة منذ اللحظة الأولى تماماً كما كانت صبيحة السابع من أكتوبر، لكن أكثر وضوحاً وجلاءً!
ساعات من القلق عاشها أهالي الأسرى إثر التأخير المتعمّد، جعلت مشاعرهم مختلطة بين الخوف والفرح، وسط تعليمات سلطات الاحتلال المشددة لعائلات الأسيرات بعدم إقامة أية مظاهر فرح، عند الإفراج، أو استقبال المهنئين في المنزل بعد الإفراج، أو نشر صور للمفرج عنهن، فضلاً عن تهديد ضباط لهم بالعقاب إذا تم الاحتفال بالإفراج عن بناتهم.
ورغم أن ذوي الأسرى المحررين عاشوا ساعات طويلة من القلق على أبواب السجون الإسرائيلية في انتظار أبنائهم، إلا أن لحظة وصول الحافلات التي تقلهم بددت الخوف وأبقت على الفرحة، وكانت أول نقطة وصلت إليها الحافلات هي بلدة بيتونيا غرب رام الله، قبل أن يتوجهوا من هناك برفقة أهاليهم إلى بلداتهم المختلفة في الضفة الغربية، أما الأسيرة المقدسية زينة بربر فتم الإفراج عنها من سجن المسكوبية لتتوجه إلى بيتها مباشرة.
جاءت عملية التبادل هذه في إطار المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار وتبادل الأسرى، والتي تتبعها مراحل أخرى كثيرة، قد تنتهي بتحرير كافة الأسرى الفلسطينيين.
ومن بين الأسماء اللافتة من المفرج عنهن في هذه المرحلة المحررة خالدة جرار القيادية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وأيضاً الصحفية بشرى الطويل التي تكرر اعتقالها عشرات المرات، إضافة إلى شقيقة الشهيد صالح العاروري القيادي في حركة حماس، والذي تم اغتياله خلال هذه الحرب بقصف على بيروت.
وسط دموع الفرحة عبرت الأسيرات عن تاريخية هذه اللحظة، وقالت الأسيرة المحررة، براءة فقهاء من طولكرم: إن رسالتهن وشكرهن ومشاعرهن كلها للأهل في غزة واضافت: " كان همنا جميعاً في السجن وسط كل العذاب والتنكيل، أن تتوقف الحرب على غزة".
انتهى اليوم الذي لن ينسى، وعيون العالم تراقبه بدهشة، انتهى بفرحة وامتنان، ورغم الإجراءات القمعية من الاحتلال، لم يكترث الفلسطينيون، واستقبلوا الأسرى المحررين باحتفالات كبيرة، وحشود جارفة، وألعاب نارية، في رسالة واضحة ملخّصها أن صاحب الأرض لا يفنى ولا يخضع.
مواد مشابهة
أجنة خلف القضبان:ثلاث أسيرات حوامل يواجهن الجوع والقمع في سج...
تحتجز قوات الاحتلال الإسرائيلي ثلاث أسيرات حوامل في سجن الدامون، هن أمينة الطويل من قلقيلية، ودانا جودة من ناب...
خلف القضبان بدل قاعات الامتحان : أسرى أشبال حرمهم الاعتقال م...
تمثل قضية طلبة الثانوية العامة المعتقلين سوى جزء من واقع أوسع يعيشه الأطفال الفلسطينيون في سجون الاحتلال. فوفق...
شيماء الخولي: من ساحة المعمداني إلى زنازين الدامون
تقول شيماء إن اللحظة الأصعب لم تكن الاعتقال نفسه، بل شعورها بأنها تغادر غزة إلى المجهول. خلال عملية النقل، راو...