غزة-تسنيم محمد
بعد انقضاء أسبوع على بداية الحرب المسعورة، وبدء القصف الأعمى المكثف والمتواصل المصاحب لانطلاق العملية البرية، طلبت قوات الاحتلال من السكان النزوح من مناطق سكناهم التي تقع تحت النار، والتوجه جنوب وادي غزة، تجاه محافظات الوسط والجنوب، وحيث اشتد جنون القصف ودفن الناس تحت ركام منازلهم، خرج بعضهم تحت ضربات الموت طلباً للنجاة.
وكانت قوات الاحتلال ادّعت في دعواتها للناس بالنزوح جنوباً أنها خصصت لهم ممراً "آمناً" يضمن سلامة مرورهم دون التعرض لهم بأذى، لكن هيهات أن يصدق الاحتلال في أيٍ من ادعاءاته!، فعلى الممر "الآمن"، استشهد واعتقل واختفى العشرات..
المفقود علاء مصلح، من سكان مدينة غزة، والبالغ من العمر 33 عاماً، كان يعمل موظفاً حكومياً، حين قرر النجاة بأهله والتوجه جنوباً، لكن الممر الذي سلكوه كان يوصف بكل شيء سوى أنه "آمن". منتصف نوفمبر 2023، خرج علاء برفقة عائلته ووالديه، لكنهم لم يصلوا إلى وجهتهم سالمين.
تتحدث صبحية مصلح والدة علاء عن ابنها فتقول: "هو الرابع بين اخوانه، خدوم وخلوق ومحبوب بين الناس، طيب يحب مساعدة الجميع دون مقابل"، وتضيف أنه كان معيناً وسنداً لعائلته وإخوانه وكات أخواته إذا احتجن أي شيء يطلبنه مباشرة من علاء، لأنه لا يخذلهم، وكان يحب أن يجبر خاطرهن مقابل دعوة صادقة.
في ذلك اليوم المشئوم، كانت العائلة تقاسي لحظات التنكيل على حاجز نتساريم، حيث يحشر الناس وقوفاً لعدة ساعات تحت الشمس، ويتم استدعاء بعضهم، ونزع ملابس بعضهم ويتم التدقيق في الهويات، والتحقيق الميداني المهين.
تقول صبحية: "أثناء وقوفنا، نادى الضابط على زوجي وابني علاء، الذي كان ممسكاً بيد ابنته جودي ذات الأربع سنوات، وعندما أراد التوجه للضابط حاول أن يترك يدها ويذهب لكنها رفضت وتمسكت به، وأخذت تبكي وتنادي: بابا، بابا، وحتى عندما امسكتها تفلتت مني وقامت باللحاق بوالدها وهي تنادي: بابا، بابا".
تكمل والدة علاء أن الضابط طلب من أبناء عم جودي أن يأخذوها من والدها ويبعدوها، وكانت تلك آخر نظرة من علاء لابنته، وتضيف: "كان ذلك أصعب يوم في حياتي، وصرتُ أسأل الجنود أين ابني وزوجي، إلى أين أخذتموهم؟ فصرخ علينا وأمرنا بالمشي وهددنا بالاعتقال.
لا تستطيع صبحية أن تنسى ذلك اليوم، ولحظات اقتياد زوجها وابنها إلى المجهول لا تفارق بالها، تركت العائلتان رَجُلَيهما، بعيون باكية، وقلوب مفطورة، ومنذ ذلك اليوم لم يعرفوا عنهم أية معلومة، رغم توجههم لكل الجهات المعنية: الصليب الأحمر، والمؤسسات الدولية والحقوقية، لكن دون جدوى.
وحتى هذا اليوم، تعيش عائلة علاء مصلح في غياهب الغياب، يقتلها القلق، ويثقلها المجهول، دون أن تتلقى عنه أو عن والده أية أنباء.
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...