الأحد 10 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

قلوب كأفئدة الطير، لم تحتمل قسوة الحرب

2 يناير 2025 قراءة 2 دقيقة

 

 

غزة- تسنيم محمد

 

كم من إنسان بسيط راضٍ، كان قانعاً بحاله، محباً لعائلته، أتت عليه الحرب، وغشيت قلبه الرقيق، فجعلته كالرميم، محمد ساكن ذو الإثنين وأربعين عاماً، من حي الزيتون بمدينة غزة، كان أحد هؤلاء الكثيرين الذين انقلبت حياتهم عشية الحرب.

تروي ميساء ساكن زوجة محمد، أنه كان يعمل "سمكري سيارات"، وكان محبوباً من الجميع، ملتزماً، طيباً، وخلوقاً، لا يعرف من الدنيا سوى بيته وعمله، ولا يتنقل إلا بينهما، وتقول: "كان عطوفاً جداً، يحب أن يجلس مع أبنائه، وأن يأكل معهم، وكان دائم الحديث معهم، كانت حياتنا بسيطة جداً، وجميلة جداً".

الاحتلال عدو السعادة

منذ بداية الحرب، أصبحت تلك الحياة صعبة وقاسية ولا تشبه محمد وميساء، فقد جعلتهم الحرب ينزحون من مكان لآخر، وتركت محمد بلا عمل، ومع طول أمدها، أدت إلى تعرضه لضغوطات واضطرابات نفسية.

تقول ميساء إن وجوده في مكان غير بيته، وفقدانه عمله وحياته، ونزوحه من الشمال للجنوب، ثم من مكان لآخر، أثّر سلباً على حالته الصحية والنفسية، وصارت تتدهور باستمرار، وتضيف: "كان يردد دائماً: بدي أرجع على غزة، تعبت من هذه الحياة، كل شيء أعرفه انتهى، فقدت عملي وبيتي وحياتي، أريد العودة إلى غزة لأبقى مع أمي"

زيارة لم تكتمل

كان محمد يردد دائماً أنه مشتاق إلى أمه، وأنه يريد العودة إليها، ورغم أن ميساء كانت تحاول إقناعه دائماً أن الأمر خطير، فالعودة إلى شمال القطاع ممنوعة، وأنه إن فعل، يلقي بنفسه إلى المجهول، لكن محمد كان يزداد اضطراباً، وكلما زاد اضطرابه، تعمقت الفكرة في ذهنه أكثر، وكان يقول لزوجته: "لو رآني الجنود، فلن يطلقوا علي النار، أنا شخص بسيط ومسالم".

ظلت ميساء تجاهد زوجها وتحاول إبعاد الفكرة عنه، وتخفيف اضطرابه النفسي الحاد، لكن دون جدوى، فقد غافلهم مرتين وخرج متجهاً إلى حاجز نيتساريم وسط القطاع، واستطاعوا اللحاق به وإرجاعه في اللحظة الأخيرة.

تقول ميساء: "عندما كنا نعيده كنت أخوفه بإطلاق النار والموت، فكان يرد: سوف أريهم هويتي، وإذا قتلوني بكون ارتحت".

استمر هذا الصراع يتصاعد حتى منتصف يونيو عام 2024، حيث خرج محمد للمرة الثالثة دون أن يخبر أحداً، وكان يقول للناس في الطريق إنه عائد إلى غزة، وقد ملّ من الحياة هنا،

تقول ميساء إنهم لحقوا به بعد أن أخبروهم، وبحثوا في كل مكان، وللأسف لم يجدوه، وتضيف: " كل يوم ابنته الصغيرة مريم ذات الخمس سنوات تقول: "اشتقت لبابا كتير، متى بدو يروح نفسي ارجع اشوفه"، ثم تنام بدموعها وطوال الليل تناديه بابا وهي نائمة"

تبكي ميساء، وهي تتذكر جملتها لأبنائها بقرب رجوع والدهم كلما سألوا عنه، وتزداد حزناً لعدم معرفتها أي شيء عنه، وهي تلعن الاحتلال والحرب التي دمرت حياتها البسيطة الجميلة، وأمرضت زوجها، وأفقدتها أعزّ ما تملك.

 

مواد مشابهة