غزة-تسنيم محمد
لم يسلم في آلة الحرب الشعواء هذه بشر، ولا حجر، ولا شجر، لم يسلم منها بيت واحد، أو شخص واحد، لقد ألقت بظلالها الثقيلة على كل النفوس، فأظلمت أشدَّها توهّجاً، وأعقبت كل سليم داءً، وكل قوي علّة.
دمرت الحرب وتبعاتها وتفاصيلها المرعبة أقوى النفسيات السليمة، فما بالنا بالنفسيات الضعيفة الهشة، التي تعاني مرضاً أو وضعاً خاصاً؟ وخلال الحرب دُمّرت كل المؤسسات التي تقدم خدمات لذوي الرعاية النفسية الخاصة، وتؤويهم في مراكزها، وإثر ذلك شُرّد كثير منهم، إذ ليس لهم مأوى آخر، وتُركوا يعانون الأمرّين في محنة الحرب، ومحنة ظروفهم الخاصة.
ضياع العقل والمصير
عندما اندلعت الحرب، كان شريف البنا، البالغ من العمر 34 عاماً، يسكن مخيم المغاري، في القاطع الأوسط المحاذي للحدود من شرق القطاع، وكان احتياجه النفسي الخاص يقضي بأن يتناول جرعة محددة ثابتة من العلاج، إضافة إلى العلاج النفسي التأهيلي، حيث يعاني من اضطراب فصام الشخصية (شيزوفرينيا).
يقول وائل البنا شقيق شريف إنه منذ بداية الحرب وتوقف العلاج تعرض شقيقه لانتكاسة نفسية صعبة، وزادت جدتها بسبب النزوح المستمر وعدم توفر المتابعة والدعم اللازم، وظلت حالته تتفاقم مع ظروف النزوح الصعبة، والصدمات النفسية الصعبة المتلاحقة التي تعرضوا لها، والنقص الحاد في مصادر الماء والغذاء والطاقة، وغيرها من عوامل جعلت حاله يرثى لها.
يروي وائل تفاصيل اختفاء شقيقه، في السادس من شهر سبتمبر عام 2024، حيث كان في حالة نفسية مزرية، ثم خرج على حين غفلة منهم، ظهر يوم الجمعة، ثم لم يَعُد! ويقول "ومنذ تلك اللحظة لم نعثر له على أي أثر".
يختم وائل حديثه بهذه الجملة، لكن حديثاً آخر يدور في عينيه الباحثتين في الأفق عن أثر لأخيه، والقلق يأكل روحه حول وضعه الصحي، وكيف يتصرف، وماذا يفعل، وماذا حلّ به، وهل قضى عليه الاحتلال، أم اقتادوه لمعسكرات اعتقال وتركوه لاضطرابه ومرضه ليقضي عليه؟
ذاكرة البيت ضلّت الطريق
ولد عبد الغفار محجز مواليد عام1960، باضطرابات نفسية رافقته منذ الولادة، فلا يستطيع تمييز الناس، والأماكن، والتصرفات، إلا في إطار محدود وضيق محصور بذاكرته حول منطقته، بيته، جيرانه، وأهله.
يروي محمد شقيق عبد الغفار أن من عادة أخيه الاستيقاظ مبكراً والخروج للتجول حول البيت وسرعان ما يرجع إليه، لأن ذاكرته مقيدة بالمكان حول البيت فقط، ثم جاءت الحرب فشتت ذاكرته وغيرت مساراته، يقول محمد:
"زاد تشتته بسبب نزوحنا من مكان لآخر، فوجود أناس جدد لا يعرفهم، ووجوده في مكان مختلف، وسماعه أصوات جديدة، جعله يحيا حياة مختلفة لا يعرفها، ولا يستطيع التمييز، وزادت حدة اضطراباته"،
كان سماع أصوات الانفجارات المتكررة يرعب عبد الغفار، ولا يستطيع تمالك أعصابه، لكنه كان يصرّ على الخروج كما تعوّد، فتسايره عائلته، ويقوم أحد منهم مباشرة بتتبعه ثم إعادته إلى البيت، صباح الثالث من نوفمبر عام 2024، خرج عبد الغفار مبكراً دون أن يراه أحد، ودون أن يعود، فهو لم يألف هذه الاماكن ولا وجوه الناس، ولا تفاصيل هذه الحياة، ولم تسعفه ذاكرته التي ارتبطت ببيته وحيّه السابق، أن يعود،
يقول شقيقه محمد: "لقد ضل الطريق، ولم نستطع العثور عليه حتى اليوم، وكأنه تبخر، نجهل مصيره هل هو ميت أم معتقل؟ هل سيبقى في عداد المجهول؟"
يطرق محمد حزيناً، وهو يتذكر اضطراب أخيه في كل مرة يدخل مكاناً جديداً، أو يرى وجوهاً لا يعرفها، ويتذكر ذعره عند سماع القصف، فيتملكه الرعب، وهو يتصور كل أنواع الأهوال التي مرّ بها شقيقه حياً، أو قبل أن يموت!
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...