الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

غزة.. المفقودون بين السجون والركام

31 أغسطس 2026 قراءة 9 دقيقة

 

 

تقديرات حقوقية تشير إلى أن ما بين 2500 و3000 فلسطيني في قطاع غزة يُشتبه بتعرضهم للاختفاء القسري منذ بدء الحرب، فيما لا يزال آلاف آخرون في عداد المفقودين، بعضهم يُعتقد أنه تحت الأنقاض. وبين السجون ومناطق القصف والركام، تعيش عائلات منذ شهور وسنوات من دون جواب واحد عن مصير أبنائها.

منذ أكثر من عامين ونصف، لا يعرف صالح عادل صالح القيسي إن كان ابنه محمد حيًا أم ميتًا، معتقلًا في أحد السجون الإسرائيلية، أم أن جثمانه بقي في مكان لم تصل إليه العائلة.

آخر ما يملكه الأب مكالمة هاتفية تعود إلى 18 شباط/فبراير 2024.

كان محمد قد غادر شمال قطاع غزة في الأسابيع الأولى للحرب واتجه جنوبًا، وأقام فترة في خان يونس قبل أن ينتقل إلى منطقة الصناعية. ظل يتواصل مع والده بصورة شبه يومية، ثم انقطعت أخباره فجأة.

يقول القيسي لـ"العهد": "آخر مرة كلمني كانت تقريبًا بتاريخ 18-02-2024، بعدها انقطع الاتصال فيه. ما بعرفش عند اليهود، استشهد، اندفن… ما بعرفش".

لم يكن في المكالمة الأخيرة ما يوحي بأنها ستكون الأخيرة. كان محمد يعمل، بحسب والده، على القواطر وشاحنات المساعدات، ويسأل أسرته في شمال القطاع، خلال فترة الجوع، عمّا تحتاج إليه. عرض أن يرسل لهم طحينًا وأشياء أخرى، لكن والده طلب منه شيئًا واحدًا.

"قلت له بديش تبعتلي ولا حاجة، بدي تدير بالك على حالك وتظل بخير".

بعد ذلك لم يصل شيء. طرق القيسي أكثر من باب. تواصل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومؤسسات حقوقية، وقدم بيانات ابنه، ثم عاد وحدثها قبل نحو شهر، وفق شهادته، لكن من دون أن يحصل على معلومة تقوده إليه.

وبعد أن تمكن من الوصول إلى وسط وجنوب القطاع، حمل صورة محمد على هاتفه وبدأ البحث بنفسه. كان يتبع أي معلومة يسمعها. إذا قال له أحد إنه رأى محمد في دير البلح، يذهب إلى دير البلح. سأل عند البسطات والأماكن التي قيل إن ابنه مر بها، وظل ثلاثة أو أربعة أيام يتنقل في الجنوب، ثم عاد من دون نتيجة.

حتى الجثامين أصبحت مكانًا للبحث

يقول القيسي إنه ذهب لمشاهدة جثامين ورفات مجهولة الهوية، علّه يتعرف إلى ابنه بينها، لكن بعضها كان قد تحلل أو تشوه إلى درجة جعلت التعرف إليها بالنظر شبه مستحيل.

مع مرور الوقت، تغير ما يتمناه الأب. في البداية كان ينتظر عودة محمد. الآن يريد معرفة الحقيقة، أيًا كانت.

"حتى لو جثة، أكيد. ثلاث سنين هدول وأنا ما بعرفش، طيب؟ ميت؟ ما بعرفش. إحنا بالليل وفي النهار مش عارفين الولد وين".

ورغم ذلك، يتمسك بالاحتمال الذي يمنحه مساحة أكبر للأمل.

"بدي يكون موجود عند اليهود، مش مشكلة لو عند اليهود، بس يبقى طيب. لو بيطلع اليوم، بكرة، بعد سنة، بعد عشرة، بيطلع، بس يبقى طيب".

في 30 آب/أغسطس من كل عام، يحيي العالم اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري. وتعرّف الأمم المتحدة الاختفاء القسري بأنه حرمان شخص من حريته، يعقبه رفض الاعتراف بالاحتجاز أو إخفاء مصيره أو مكان وجوده، بما يضعه خارج حماية القانون. ويصادف عام 2026 مرور عشرين عامًا على اعتماد الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

لكن واقع غزة يجعل ملف المفقودين أكثر تعقيدًا. فليس كل مفقود مختفيًا قسرًا بالمعنى القانوني. هناك من يُعتقد أنهم تحت الأنقاض، وآخرون انقطعت أخبارهم في مناطق عسكرية أو أثناء النزوح والبحث عن الطعام، بينما توجد حالات شوهد أصحابها أثناء الاعتقال أو تتوفر قرائن على احتجازهم، قبل أن يختفي أثرهم.

وفي دراسة أصدرها المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا بالتزامن مع المناسبة، قدر عدد الأشخاص الذين يُشتبه بتعرضهم للاختفاء القسري في غزة بما بين 2500 و3000 شخص، فيما قد يكون ما بين 4000 و5000 مفقود آخرين لا يزالون تحت أنقاض المباني والمنشآت المدمرة. ويؤكد المركز أن هذه تقديرات وليست إحصاءً نهائيًا.

 الجوع أخذ الابن، والبحث أخذ الأب

بالنسبة إلى نجلاء أبو سلطان، لم يختف شخص واحد من بيتها، بل اثنان خلال يومين.

خرج ابنها صلاح جمال أبو سلطان إلى شرق جباليا في فترة اشتد فيها الجوع، بحثًا عن شيء يمكن أن يعود به إلى أسرته.

تقول نجلاء لـ"العهد": "ابني لما طلع من البيت، طلع جعان. ما كان أكل".

ذهب صلاح برفقة عدد من أقاربه إلى المنطقة الشرقية، بعدما سمعوا عن إمكانية العثور على طعام ومعلبات في مناطق انسحب منها الجيش الإسرائيلي. وما إن وصلوا حتى تعرضت المنطقة للقصف والقذائف، وانقطعت أخبارهم.

انتظرت الأسرة يومًا، ثم يومين. عاد أحد الأقارب مصابًا، وأخبرهم بما جرى في المكان، لكن لم تكن لديه معلومة تحسم مصير صلاح.

في اليوم نفسه، قرر والده جمال أبو سلطان الذهاب للبحث عنه. خرج مع عدد من الأقارب إلى شرق جباليا. بحثوا في المنطقة قبل أن يشتد القصف مرة أخرى. تمكن أحدهم من العودة، بينما اختفى جمال وقريب آخر.

تختصر نجلاء ما حدث بعبارة لم تتغير منذ ذلك اليوم:

"راح جوزي يجيب ابني من المكان اللي انفقد فيه، فانفقد جوزي". ومنذ نحو عام وشهرين، بحسب شهادتها، تبحث عن الاثنين. تواصلت الأسرة مع الصليب الأحمر ومؤسسات دولية، وسألت المعتقلين الذين خرجوا من السجون الإسرائيلية. كلما خرج معتقل، تعرض عليه نجلاء اسمي زوجها وابنها وتسأله إن كان شاهدهما أو سمع عنهما.

أحيانًا كانت تسمع أن أحدهم صادف اسمًا مشابهًا، لكنها لم تحصل على شيء مؤكد. وفي أوقات أخرى، كان عليها أن تبحث بين الموتى.

ذهبت نجلاء إلى المستشفيات وشاهدت صور جثامين مجهولة الهوية، وحاولت التدقيق في الوجوه والملابس وما بقي من المتعلقات الشخصية.

"كانت مرحلة صعبة عليّ إني أروح على المستشفى وأطلع بين الجثث وأشوف مناظر صعبة. كانوا يجيبوا جثث مجهولة الهوية، وأنا أحاول أعرف، هذا ابني أو مش ابني؟".

بعد أكثر من عام، ما زالت تحفظ ما كان يرتديه الاثنان لحظة خروجهما. كان صلاح يرتدي بلوزة سوداء وبنطالًا رياضيًا أسود وحذاء، بينما كان زوجها يرتدي قميصًا أسود وبنطالًا كحليًا وحذاء بنيًا.

ليست هذه التفاصيل عابرة بالنسبة إليها. قد تكون في يوم ما الوسيلة التي تتعرف بها إلى أحدهما.

"حتى لو هم مستشهدين، بدي جثثهم. بدي أدفنهم وأعرف إنهم استشهدوا. بدي أعرف هم عايشين أو ميتين".

وتقول إنها لا تزال تنتظر إمكانية الوصول إلى المنطقة التي فقدا فيها، والموجودة حاليًا قرب ما يعرف بـ "الخط الأصفر"، على أمل أن تبحث هناك بنفسها.

قصة صلاح ليست منفصلة عن نمط أوسع وثقه المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا.

ففي عينة شملت 317 حالة لأشخاص يُشتبه بتعرضهم للاختفاء القسري، سجل المركز 39 حالة اختفى أصحابها أثناء محاولة تأمين الغذاء أو انتظار المساعدات، و60 أثناء تفقد المنازل أو العودة إليها لجلب احتياجات، و42 خلال النزوح أو المرور عبر الحواجز العسكرية، و76 خلال الاقتحامات المباشرة للمنازل وحصار الأحياء.

وضمت العينة 41 طفلًا و17 شخصًا في سن الستين فما فوق. وسجلت محافظة غزة العدد الأكبر بـ 89 حالة، تلتها محافظة شمال غزة بـ74، ثم خان يونس بـ59. لكن المركز ينبه إلى أن العينة لا تمثل جميع المفقودين ولا يمكن تعميم نسبها على مجمل الحالات في القطاع. بالنسبة إلى نجلاء، يكفي سبب خروج ابنها لتفسير كيف وصل إلى ذلك المكان.

"كانت أخواته الصغار بدهم يأكلوا، وما كانوش لاقيين ولا حاجة في قلب البيت".

ثم تعود إلى العبارة ذاتها: "أنا ابني راح جعان".

 بين السجن والركام

الأصعب في ملف المفقودين أن بعض العائلات تعرف أن أبناءها وقعوا في قبضة القوات الإسرائيلية، أو تملك شهادات أشخاص رأوا اعتقالهم، لكنها لا تستطيع معرفة المكان الذي نُقلوا إليه.

في أيار/مايو 2026، قال مركز "هموكيد، مركز الدفاع عن الفرد"، إنه تعامل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 مع نحو 5400 طلب بحث عن سكان من قطاع غزة اختفوا بعد الاعتقال أو في ظروف أثارت شبهات بشأن احتجازهم.

وفي 1848 حالة، قالت السلطات الإسرائيلية إنه "لا توجد إشارة" إلى اعتقال الشخص أو احتجازه، رغم وجود شهادات شهود على الاعتقال في عدد من هذه الحالات. ولجأ هموكيد في 114 ملفًا إلى المحكمة العليا الإسرائيلية لمحاولة معرفة مصير المفقودين.

وبحسب بيانات مصلحة السجون الإسرائيلية التي ينشرها هموكيد، كان 1358 شخصًا محتجزين حتى بداية آب/أغسطس 2026 تحت تصنيف "المقاتل غير الشرعي"، وهو تصنيف يشمل بصورة أساسية معتقلين من قطاع غزة. ولا تشمل هذه البيانات بالضرورة جميع معتقلي القطاع الموجودين في منشآت احتجاز عسكرية.

وفي بيان صدر في 30 آب/أغسطس، قالت مؤسسات الأسرى الفلسطينية إن المئات من معتقلي غزة ما زالت المعلومات عن مصيرهم أو أماكن احتجازهم غير متاحة، وإن عدد من عُرفت هوياتهم من معتقلي غزة الذين توفوا في السجون ومراكز الاحتجاز بلغ 53 شخصًا، من أصل 99 أسيرًا ومعتقلًا عُرفت هوياتهم ممن توفوا منذ بدء الحرب.

وتزداد صعوبة التحقق في ظل غياب الزيارات المستقلة للمعتقلين. وفي 23 آب/أغسطس، قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إنها ما زالت غير قادرة على الوصول إلى الفلسطينيين في أماكن الاحتجاز الإسرائيلية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وطالبت بمعرفة مصير جميع المعتقلين وأماكن وجودهم والسماح لها بالوصول إليهم.

وفي الطرف الآخر من الملف، هناك من قد لا يكون في السجون أصلًا.

قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في كانون الثاني/يناير 2026 إن آلاف العائلات في غزة لا تزال تنتظر أخبارًا عن أقارب مفقودين، وإن محدودية قدرات الطب الشرعي تعقّد التعرف إلى الجثامين والرفات.

لهذا تبقى المسافة بين "المفقود" و"المختفي قسرًا" واسعة أحيانًا، ومؤلمة دائمًا. وفق المعلومات التي تملكها عائلتا القيسي وأبو سلطان حتى الآن، لا توجد واقعة اعتقال مؤكدة تسمح بالجزم بأن محمد أو صلاح أو جمال محتجزون لدى إسرائيل. وفي الوقت نفسه، لا توجد جثامين تعرفت إليها العائلتان، ولا دليل يحسم وفاتهم.

وهذا هو الفراغ الذي تعيش فيه الأسر. قد يكون المفقود معتقلًا ولم تصل معلوماته إلى عائلته. وقد يكون جثمانه في منطقة لم تصل إليها فرق البحث. وقد يكون بين رفات مجهولة الهوية.

نجلاء تتمسك بالاحتمال الذي يبقي زوجها وابنها على قيد الحياة.

"قلبي بيقول لي إنهم عايشين وموجودين. إن شاء الله يكونوا عند اليهود أسرى. إن شاء الله ربنا يطمني عليهم وأشوفهم بخير وسلام".

وصالح، بعد أكثر من عامين ونصف من البحث، يتمسك بالأمل نفسه، لكنه لم يعد يشترط شكل النهاية.

يريد جوابًا فقط.

بعد سنوات من الانتظار، صار مطلب هذه العائلات أبسط وأقسى في آن واحد: أن تعرف أين أبناؤها، أحياء كانوا أم أمواتًا.

أن تجد من تنتظره، أو جثمانًا تدفنه.

أما أن يبقى الإنسان بلا قبر وبلا مكان وبلا خبر، فذلك بالنسبة إليهم هو ما لم يعد يمكن احتماله.

مواد مشابهة