الأحد 10 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

عام جديد.. المفقودون في غزة جرح مفتوح لعائلاتهم

2 يناير 2025 قراءة 6 دقيقة

 

 

في قلب غزة، تتجلى معاناة إنسانية تنبض بالألم والخيبة. تفقد عائلات كثيرة أبناءها وأحباءها، ليصبحوا جزءًا من عد إحصائي يتجاوز الآلاف، تراكمت تحت ظلال الحروب المستمرة. إنهم ليسوا مجرد أرقام، بل هم قصص إنسانية مؤلمة، تجمع بين الأمل واليأس، حيث تحولت البيوت إلى قبور مفتوحة وشارع خلف شارع إلى مآسٍ يومية. تكالبت الظروف وعلى مر الأيام، اختفى من يملؤون الحياة بألوانها، تاركين وراءهم ذكريات مؤلمة ومعاناة لا تنتهي.

هذه الحرب لم تأخذ فقط أرواح الناس، بل سرقت من الحياة بهجتها. وفي عز الظلام، تظل القلوب تبحث عن ضوءٍ في نهاية النفق. آلاف المفقودين أصبحوا رموزًا للبحث عن العدالة والكرامة، وأصواتهم، حتى في غيابهم، صدى لنضالٍ مستمر من أجل السلام والإنسانية. ومن خلال عيون أحبائهم، نتعرف على حكايات إنسانية تتحدى النسيان، لنقف أمام صمتٍ يتحدث أحيانًا بصوتٍ أعلى من الأنين وتطرق جدران خزان القوانين والمواثيق الدولية بأقصى ما تستطيع علَّ المثال القائل أن العدالة عمياء تخطئهم.

10 آلاف مفقود.. إحصائية أولية

آلاف الغزيين اختفت آثارهم وغابت خطاهم، حيث تجاوز عدد المفقودين منذ بداية الحرب على غزة 10 آلاف شخص، بحسب أحدث إحصائية للمكتب الإعلامي الحكومي. وأكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن تقديراته أيضًا تشير إلى أن عدد المفقودين جراء الحرب بلغ أكثر من 10 آلاف فلسطيني، وهذا التقدير مبني على حجم البلاغات الأولية للمفقودين، مستدركًا أنه من الصعب تقدير الأعداد الحقيقية للمفقودين في هذه المرحلة، نظرًا للهجمات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة، فضلًا عن سياسات الاحتلال الهادفة إلى تشتيت الأسر الفلسطينية، وبخاصة من خلال إجبار العائلات على النزوح المتكرر دون تأمين ممرات آمنة.

يتوزع المفقودون في غزة أمام ثلاثة سيناريوهات مأساوية: إما تحت أنقاض المنازل التي قصفها جيش الاحتلال على رؤوس ساكنيها، أو في مقابر جماعية، أو معتقلون لدى قوات الاحتلال سواء أثناء النزوح أو في مناطق التوغل ولا يعرف مصيرهم لأن الاحتلال أعدم بعضهم ويخفي قسرًا مصير وأماكن احتجاز البقية وهم بالآلاف.

جيش الاحتلال لم ينشر -حتى الآن- أي معطيات حول ظروف قتل هؤلاء الأسرى والمعتقلين، كما لم تتمكن -حتى الآن- أي جهة مستقلة من التحقق والتعرف على ظروف مقتلهم، ولم يتم أيضًا انتشال جثامينهم أو تحديد هوياتهم أو إعادة رفاتهم، أو حتى تبليغ عائلاتهم.

الاختفاء القسري جريمة حرب تلاحق إسرائيل

شدد لويجي دانييلي، أستاذ القانون الدولي الإنساني بجامعة نوتنغهام ترنت -في تصريح لقناة الجزيرة- على ضرورة اعتبار المفقودين ضمن حصيلة ضحايا ما وصفها بالحرب الإبادية على قطاع غزة، من أجل "فهم حجم الجريمة التي ترتكب".

وأضاف أن التدمير الهائل للمستشفيات ولمنشآت القطاع الصحي وللمباني التي ليس لها مبرر عسكري يعتبر جريمة حرب ضمن نظام روما الأساسي المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، وهي التهم التي على أساسها طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية كريم خان إصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت.

وقال أستاذ القانون الدولي الإنساني إن طريقة الإسرائيليين بإدارة العمليات العسكرية في غزة من خلال التدمير الكلي والقتل العشوائي هي مؤشرات على ما وصفه بالعمل الإبادي الذي ليس له أي هدف عسكري عدا تهجير سكان غزة وإخلاء القطاع من السكان.

من جانبه، وثق الأورومتوسطي أنماطًا متكررة للنهج الإسرائيلي القائم على منع وعرقلة انتشال الضحايا والمفقودين الفلسطينيين من تحت أنقاض المنازل، بما يشمل تكرار استهداف طواقم الدفاع المدني والعوائل التي تحاول انتشال الجثامين. وأفاد بأن غالبية جثامين الضحايا المنتشلة في الهجمات العسكرية الإسرائيلية كانت إما في الشوارع أو في بنايات بسيطة من طابق واحد أو طابقين، في حين هناك صعوبات جسيمة في انتشال الجثامين من أسفل المباني متعددة الطوابق.

شهود على الجريمة

تعد قضية المفقودين الأشد إيلامًا في مناطق النزاع. عائلات كثيرة في قطاع غزة تبحث عن أبنائها المفقودين، في حيرة من أمرهم، يتساءلون: هل هم تحت أنقاض المباني، أم معتقلون لدى الجيش الإسرائيلي؟

في مقابلة أجريت مع جمعة شملخ، وهو والد المفقود "زاهر شملخ"، يحدث مؤسسة العهد الدولية ويقول: أن ابنه زاهر ذي الثلاثة وعشرين ربيعًا، الشاب الطيب المحب للخير، كان يساعد الناس في منطقة قريبة من شارع صلاح الدين، وينقل لهم المياه، بسبب شح المياه هناك، وكان أحيانًا يعمل على إسعاف الجرحى ونقل الشهداء مستخدمًا وسيلة النقل الوحيدة المتاحة: الكارة (عربة يجرها حمار). في نهاية أكتوبر عام 2023، طلبت عائلة تنوي النزوح من زاهر أن يساعدهم في نقل متاعهم إلى منطقة النصيرات وسط القطاع، بحمله على الكارة مرورًا بشارع صلاح الدين عبر "الممر الآمن". يتحدث جمعة وهو يبتلع غصّته، كيف كان ذلك اليوم مرعباً، حيث لم يتوقف القصف، وكانت المجازر في كل مكان، ويخبرنا بعينين دامعتين كيف ودّع ابنه، واستودعه الله، ولم يره منذ تلك اللحظة، غلب الحاج جمعة شملخ البكاء وهو يقول: "لم أترك جهة إلا سألتها عنه، سواء الصليب الأحمر أو المؤسسات المعنية، ونشرت صوره في كل مكان وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، لكن دون فائدة".

تعج شبكات التواصل الاجتماعي برسائل عن مفقودين خاصة الأطفال منهم. الطفل أحمد ياسين ابن الثلاثة أعوام الذي اختفى خلال النزوح الجماعي، تقول والدته بأن "متاعنا كان على متن شاحنتين، ظننته مع أبيه وظنه هو معي، ولم نكتشف اختفاءه إلا خلال تفريغ حمولتنا". عندما عاد والده إلى مكان انطلاق الرحلة، لم يعثر له على أثر، ولم يتعرف أحد على المفقود. يقول والده: "نبحث عنه كل يوم بين الأحياء والأموات. أن أسمع عن موته أسهل عليّ من عذاب الانتظار".

ومن بين هؤلاء أيضًا فيصل أبو لبن ابن السادسة عشر ربيعًا كان يحاول البحث عن بر النجاة على طريق صلاح الدين، نجاة من حصار يطبق أنيابه على منطقة شمال وادي غزة، وسياسة تجويع تعمدها المحتل عقابًا لكل من بقي في المدينة وشمالها ورفض النزوح جنوبًا. اعتاد التوجه مع أبناء عمومته إلى دوار الكويت أملًا بالحصول على الطحين، ولكنه لم يعد منذ التاسع من مارس لعام 2024. تؤكد والدته لمؤسسة العهد الدولية أنها لم تمل طيلة هذه الأشهر من البحث عن ابنها المفقود، تتحسس أي خبر عنه، تفتش عليه بين أسماء الجرحى، المعتقلين، الشهداء، لقد حفظت كل السجلات والقوائم ولكنها لم تجد فيصل حتى الآن.

وفي شهادات أخرى لمؤسسة العهد الدولية، تقول والدة المفقود سعيد السواركة (19 عامًا) بأن ابنها نزح من مدينة غزة إلى جنوبها أواخر شهر أكتوبر عام 2023، واختفت آثاره منذ ذلك الوقت حتى تسجيل هذه الشهادة. لم تستطع رغم كل محاولاتها معرفة مصير ابنها، إن كان على قيد الحياة أو اعتُقل. أما أحمد اللوح 21 عامًا اختفى عند حاجز نيتساريم بشهر مارس من عام 2024، وشقيقه مصطفى اختفى قبله بشهرين من بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، بقيت الحسرة في قلب أمهما التي تنتظر خبرًا واحدًا حتى تستريح.

آلاف الغزيين اختفت آثارهم منذ بداية الحرب؛ لتبقى أهاليهم كما الغريق يستمسك بقشةٍ في محيط المتاهة، بدموعٍ تحرق أعينهم يبحثون عن مصير من فقدوا في كل صورة ينشرها المحتل للمعتقلين وهم معصوبي الأعين، يبحثون في ذعرٍ وفي قلبهم ألف رجاء بألا يجدونهم بين صور الضحايا والجثث الملقاة في الشوارع. يقرأون بلهفةٍ علّهم يجدون اسمهم في قوائم المحررين، ويبقى أملهم بكل اتصال مع الصليب الأحمر أن يسمعوا ما يطمئن داخلهم، ينشرون في كل مكان صورهم لعل طيفهم قد لمح لأحدهم، وتستمر الغصة وتتوالى ليالي الفقد منذ السابع من أكتوبر حتى هذه اللحظة.

مواد مشابهة