طوال أكثر من أربعة عقود، اعتاد الطبيب الفلسطيني مازن الرنتيسي أن يجلس في عيادته الصغيرة بمدينة رام الله، يستقبل المرضى الذين ضاقت بهم القدرة على تحمّل كلفة العلاج. كان يتقاضى ثلاثين شيكلًا مقابل الكشف ممن يستطيع الدفع، ويعفي آخرين، ويوفر أحيانًا الأدوية للمحتاجين على نفقته الخاصة. لذلك لم يكن غريبًا أن يعرفه الناس باسم «طبيب الفقراء».
اليوم، انقلب المشهد بالكامل. الطبيب الذي أمضى سنوات طويلة في تشخيص أمراض الآخرين وتخفيف آلامهم، بات هو نفسه بحاجة إلى طبيب لا يصل إليه، ودواء تحرمه منه إدارة السجن، وطعام يستطيع جسده البالغ من العمر 71 عامًا احتماله.
داخل سجن عوفر، فقد الرنتيسي الكثير من وزنه خلال أسابيع قليلة، وحُرم من أدويته الدائمة في الأيام العشرة الأولى لاعتقاله، ولا يزال محرومًا من أحد الأدوية التي يحتاجها بانتظام. أما طلباته المتكررة لمقابلة طبيب، فلم تلقَ استجابة.
لم يكن ما خضع له فحصًا طبيًا بالمعنى المعروف. اقترب مسعف من باب الزنزانة، وأدخل يده عبر فتحة صغيرة، ثم أمسك بمعصم الطبيب الأسير لقياس نبضه. انتهى الأمر عند ذلك، من دون أن يراه طبيب، أو تُفحص حالته، أو يتلقى متابعة تتناسب مع سنه واحتياجاته الصحية.
بالنسبة إلى رجل أمضى معظم حياته يكتب وصفات العلاج لمرضاه، كانت المفارقة قاسية. أصبح «طبيب الفقراء» يبحث خلف القضبان عمّن يفحصه، فلا يجد سوى يد تمتد من فتحة باب لعدّ نبضاته.
طبيب عائلة لأكثر من أربعة عقود
ينحدر مازن الرنتيسي من قرية رنتيس غربي رام الله، ويقيم في المدينة التي أصبح فيها واحدًا من أكثر الأطباء شهرة وقربًا من الناس. عمل طبيب عائلة لأكثر من أربعين عامًا، وعُرف بدقة تشخيصه وبإبقاء أجرة المعاينة عند حد رمزي، رغم ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، فيما كان يعالج غير القادرين مجانًا.
تجاوز حضوره حدود عيادته الصغيرة. كان اسمه مألوفًا لدى مرضى قدموا إليه من مدن وقرى مختلفة في الضفة الغربية، خصوصًا من العائلات الفقيرة ومحدودة الدخل.
ومع انتشار خبر اعتقاله، استعاد كثيرون مواقف شخصية معه، تحدثوا فيها عن طبيب لم يكن يسأل المريض عن قدرته على الدفع قبل أن يفحصه، ولم يحصر مهنته في حدود العلاقة المالية بين الطبيب والمريض.
وإلى جانب عمله الطبي، يشغل الرنتيسي منصب رئيس مجلس إدارة مؤسسة لجان العمل الصحي، وهي مؤسسة فلسطينية تأسست في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وتعمل من خلال مراكز وبرامج صحية تستهدف بصورة خاصة المجتمعات المهمشة والمناطق الريفية البعيدة عن مراكز المدن. وانتُخب الرنتيسي رئيسًا لمجلس إدارتها، بعد سنوات من مشاركته في عملها الصحي والمجتمعي.
وفي 21 حزيران 2026، اقتحمت قوات الاحتلال منزله في حي الطيرة برام الله واعتقلته، بالتزامن مع اعتقال عدد من العاملين والمسؤولين في المؤسسة وإغلاق مقرها. لاحقًا، قدمت بحقه لائحة اتهام مرتبطة بتوليه رئاسة مجلس إدارة المؤسسة، التي صنفها الاحتلال عام 2020 «جمعية غير قانونية»، بينما واصلت المؤسسة عملها بوصفها جمعية صحية مسجلة لدى الجهات الفلسطينية وتقدم خدماتها لآلاف المرضى.
منذ لحظة اعتقاله، انتقل الطبيب المعروف في رام الله من عيادة قصدها الفقراء طوال عقود إلى زنزانة مكتظة داخل سجن عوفر، حيث أصبحت صحته جزءًا من معركة يومية مع الجوع والدواء والإهانة.
انحناء قسري وضرب وغاز داخل الزنازين
كانت المحامية سجى مشارقة برنسا، من اللجنة العامة لمناهضة التعذيب، أول محامية تتمكن من رؤية الرنتيسي وجهًا لوجه منذ اعتقاله، وإن كان اللقاء قد جرى من خلف حاجز زجاجي.
عندما اقتاده السجانون إلى غرفة الزيارة، فوجئت المحامية بمقدار التغير الذي طرأ على جسده خلال فترة قصيرة. بدا نحيلًا ومرهقًا، وكان يسير منحنياً، ورأسه مطأطأ نحو الأرض، ويداه مكبلتين خلف ظهره، بعد أن أزيلت العصابة عن عينيه.
لم تكن طريقة اقتياده استثناءً مرتبطًا بالزيارة. أخبرها الرنتيسي أن الأسرى يجبرون على اتخاذ هذه الوضعية كلما خرجوا من الزنزانة، سواء إلى ساحة السجن، أو عند نقلهم بين الأقسام، أو إلى الغرفة التي يتابعون منها جلسات المحاكم العسكرية عبر شاشة.
وصف كل عملية خروج من الزنزانة بأنها شكل من أشكال التعذيب. عندما يحاول فرد ظهره أو رفع رأسه قليلًا، يجبره السجانون بالقوة على الانحناء مجددًا. وفي إحدى المرات، تركه أحدهم يسير ورأسه إلى الأسفل حتى اصطدم بالباب وضرب رأسه فيه.
وفي غرفة الزيارة، لاحظت المحامية أنه يعاني صعوبة في الانحناء ومد ذراعيه خلف ظهره لإزالة القيود عبر فتحة صغيرة في بوابة حديدية. طلبت من السجانين مراعاة عمره وحالته، لكنهم رفضوا، وطالبوها بعدم التدخل في «الإجراءات».
ولا ينتهي الإذلال عند الخروج من الزنازين. أربع مرات يوميًا، يخضع الأسرى لعمليات تعداد، تبدأ أولاها عند الخامسة صباحًا. يجبرون خلالها على الجثو على ركبهم، ووجوههم نحو الحائط، ورؤوسهم منخفضة، بينما يسمعون الشتائم والإهانات.
داخل الزنزانة، توجد ستة أسرّة فقط لعشرة أسرى. ينام أربعة منهم بالتناوب على فرشات توضع على الأرض، لكن الأسرى الأصغر سنًا يصرون على تخصيص أحد الأسرّة للرنتيسي بسبب تقدمه في العمر.
وعندما تقتحم قوات القمع الغرفة، يشكل الشبان دائرة حول الطبيب السبعيني لحمايته، ويتلقون الضربات بدلًا منه. وخلال أحد الاقتحامات، أطلق السجانون الغاز داخل الزنزانة المغلقة، فتعرض لحالة اختناق وصفها بأنها شديدة القسوة على جسده.
لم يعد عمره أو وضعه الصحي يوفران له أي حماية. أصبح رفاقه الأسرى هم الحاجز الوحيد بين جسده والضرب، فيما تحولت الزنزانة إلى مساحة يحاول فيها الشبان حماية الطبيب الذي أمضى حياته في حماية صحة الآخرين.
طعام متعفن وملابس رطبة ودواء غائب
منذ دخوله السجن، لم يحصل الرنتيسي على ملابس بديلة. يرتدي طقم السجن نفسه، ويغسله بصابونة واحدة يستخدمها جميع أسرى الغرفة للاستحمام وغسل الملابس. كثيرًا ما تنفد الصابونة قبل أن توفر الإدارة أخرى.
ولا يسمح للأسرى بتعليق ملابسهم داخل الزنزانة أثناء التعداد، ما يضطرهم أحيانًا إلى ارتدائها قبل أن تجف. في غرفة شديدة الحرارة، تنتشر فيها البراغيث والحشرات الطائرة، يصبح ارتداء الملابس الرطبة جزءًا آخر من تفاصيل المعاناة اليومية.
لا توفر إدارة السجن مكانس أو ممسحات أو مواد تنظيف. أما الفرشات، فيخرجها السجانون إلى الساحة ويرشونها بالماء، ثم يعيدونها إلى الأسرى وهي مبللة، ما يؤدي إلى تراكم الرطوبة وظهور العفن عليها.
ومثل الزنزانة والملابس، يحمل الطعام نصيبه من الإذلال. يقدم ثلاث مرات يوميًا، بكميات قليلة وجودة متدنية. خلال الأيام الأولى، لم يستطع الرنتيسي تناول شيء، ثم أجبره الجوع على أكل الخبز رغم وجود العفن عليه.
الحمص غير مطهو، والأرز تنبعث منه رائحة كريهة، والطماطم تقترب من التعفن، والبيض غير طازج. ومع استمرار هذا النظام الغذائي، بدأ جسده يفقد وزنه بسرعة، في وقت لا يحصل فيه على الرعاية الطبية أو الأدوية التي تساعده على تحمّل ظروف الاعتقال.
كما يحرم الأسرى من الكتب والدفاتر وأدوات الكتابة، فلا يجدون وسيلة لتخفيف الوقت الثقيل داخل الزنازين، أو تسجيل ما يتعرضون له، أو الانفصال ولو لساعات عن واقع السجن.
وتتطابق التفاصيل التي رواها الرنتيسي مع ما وثقه تقرير هيئة الدفاع العام الإسرائيلية الصادر في الأول من تموز 2026، والذي أشار إلى تدهور كبير وغير مسبوق في ظروف السجون خلال عام 2025، شمل الاكتظاظ، وسوء النظافة والتهوية، وانتشار الآفات، ونقص المعدات الأساسية، وحرمان الأسرى من الرعاية الطبية الملائمة، إلى جانب الجوع والعنف المتكرر، بصورة أشد بين الأسرى الفلسطينيين المصنفين «أمنيين».
كما حذرت هيئة شؤون الأسرى والمحررين من تدهور الحالة الصحية للرنتيسي، وحملت سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياته، مؤكدة أن استمرار حرمانه من الدواء والعلاج، إلى جانب سوء التغذية والمعاملة المهينة، يهدد سلامته بصورة متزايدة.
لا تمثل قصة مازن الرنتيسي مجرد انتقال طبيب من عيادته إلى السجن. إنها تختصر مفارقة أكثر قسوة، رجل أمضى أكثر من أربعين عامًا يفتح بابه للمرضى، ويخفض كلفة العلاج عن الفقراء، ويوفر الدواء لمن لا يستطيع شراءه، أصبح في الحادية والسبعين من عمره محرومًا من دوائه، ومن فحص طبي حقيقي، ومن طعام يحفظ لجسده الحد الأدنى من القدرة على الصمود.
قبل أسابيع، كان المرضى ينتظرون دورهم أمام عيادته في رام الله. اليوم، ينتظر «طبيب الفقراء» داخل زنزانة عوفر أن يفتح الباب، لا ليخرج إلى عيادته، بل لعل أحدًا يسمح له أخيرًا برؤية طبيب.
مواد مشابهة
خلف الأبواب المغلقة: العزل سلاح للعقاب والتعذيب في سجون الاح...
نحو أربعين أسيرًا في أقسام العزل غالبيتهم من قادة الحركة الأسيرة يواجهون ظروفًا متشابهة، أبواب مغلقة، تواصل ش...
في الدامون يوم يبدأ بالخوف ولا ينتهي بالنوم
عندما تسمع الأسيرات صوت المفاتيح في الممر، تتوقف الأحاديث فجأة، وتتجه العيون نحو الباب الحديدي. لا يعرفن إن كا...
التعذيب في السجون الإسرائيلية: شهادات حقوقية ومطالب بتحقيقات...
تضمنت الشهادات التي وثقتها مؤسسات حقوقية، وكذلك الإفادات التي حصلت عليها مؤسسة العهد الدولية، تأكيدات متكررة ب...