الأحد 2 أغسطس 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

خلف الأبواب المغلقة: العزل سلاح للعقاب والتعذيب في سجون الاحتلال

2 أغسطس 2026 قراءة 8 دقيقة

 

نحو أربعين أسيرًا فلسطينيًا يقبعون حاليًا في أقسام العزل، بعيدًا عن بقية الأسرى، وغالبيتهم من أصحاب الأحكام المؤبدة وقادة الحركة الأسيرة. لا يجمعهم مكان واحد، لكنهم يواجهون ظروفًا متشابهة، أبواب مغلقة، تواصل شبه منقطع، طعام لا يكفي، علاج مؤجل، واعتداءات لا يشهدها في كثير من الأحيان سوى السجانين الذين ينفذونها.

في عزل سجن جانوت، يعرف الأسير حسن سلامة أن مروان البرغوثي وعباس السيد وبلال البرغوثي ومهند شريم وجمال الهور ومحمود عطا الله محتجزون في السجن نفسه، لكنه لا يستطيع التواصل معهم أو معرفة ما يجري داخل زنازينهم.

كشفت رسالة سربت عنه في يوليو 2026 أن الأسرى المعزولين تعرضوا خلال أقل من عشرة أيام لأربع عمليات قمع وتفتيش، تخللتها اعتداءات بالضرب. كما تعرضوا للاعتداء خلال نقلهم من عزل سجن مجدو إلى جانوت، وفي كل مرة كانوا يخرجون فيها لمقابلة المحامين.

لا يصف سلامة حادثة عابرة داخل قسم مغلق، بل واقعًا تتراكم فيه أشكال متعددة من العقاب. فالعزل لا يعني فصل الأسير عن رفاقه فقط، وإنما وضعه في مساحة تصبح فيها إدارة السجن الطرف الوحيد الذي يتحكم بطعامه وعلاجه وحركته واتصاله بالعالم الخارجي.

وبحسب معطيات مؤسسة العهد الدولية للأسرى، تضم قائمة المعزولين من قيادات الحركة الأسيرة عباس السيد، وإبراهيم حامد، وأحمد المغربي، وجمال أبو الهيجا، وعبد الله البرغوثي، وأحمد سعدات، وعاهد أبو غلمة، وجمال الهور، وحسن سلامة، ومعمر شحرور، ومهند شريم، وبلال البرغوثي، وإسلام حامد، وعاصم البرغوثي، ومناضل نفيعات، وإسلام جرار.

كما تشمل سياسة العزل أسرى معتقلين إداريًا، بينهم عبد الخالق النتشة ورزق الرجوب، والاسير وليد حناتشة ما يعني أن الحرمان المشدد لا يقتصر على المحكومين، بل يطال معتقلين لم تصدر بحقهم أحكام قضائية.

فصل القيادات عن الحركة الأسيرة

يكشف النظر إلى أسماء المعزولين أن العزل لا يستخدم بوصفه إجراءً انضباطيًا فرديًا فحسب، بل أداة تستهدف الشخصيات صاحبة الحضور السياسي والتنظيمي داخل السجون.

فالأسرى المعزولون ينتمون إلى تيارات فلسطينية مختلفة، لكن عددًا كبيرًا منهم راكم خبرة طويلة داخل المعتقلات، وامتلك دورًا في تنظيم حياة الأسرى أو تمثيلهم أمام إدارة السجون. ومن خلال إبعادهم عن الأقسام، تقطع سلطات الاحتلال اتصالهم ببقية المعتقلين، وتمنعهم من المشاركة في اتخاذ القرارات الجماعية أو قيادة الاحتجاجات والإضرابات.

بهذا المعنى، لا يستهدف العزل جسد الأسير وحده، بل مكانته وتأثيره. فالحركة الأسيرة بنت عبر عقود نظامًا داخليًا يقوم على التواصل والتكافل وتقاسم المسؤوليات. أما العزل، فيفكك هذه الروابط، ويحول كل أسير إلى حالة منفردة لا تعرف ما يواجهه الآخرون ولا تستطيع التدخل لحمايتهم.

وتصاعد استخدام العزل ضمن التحول الأوسع الذي شهدته السجون الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر 2023، حين وثقت منظمات حقوقية توسع الاعتداءات الجسدية والنفسية والتجويع والحرمان من العلاج، وتحول هذه الممارسات إلى نمط متكرر داخل عدد كبير من السجون ومراكز الاحتجاز.

اعتداء بلا شهود

منذ نوفمبر 2023، يخضع الأسير مروان البرغوثي للعزل، بعد نقله بين عدة سجون وأقسام مغلقة. وفي يوليو 2026، نقلت زوجته فدوى البرغوثي أن أحد السجانين أطلق رصاصة مطاطية على ساقه من مسافة صفر داخل زنزانته، ما أدى إلى إصابته بجروح ونزيف.

تكشف الحادثة إحدى أخطر سمات العزل. ففي الأقسام العامة، قد يرى الأسرى ما يتعرض له أحد رفاقهم، أو ينقلون إصابته إلى المحامي أو العائلة. أما في الزنزانة المعزولة، فيبقى الأسير وحده أمام السجانين، ولا تصل تفاصيل الاعتداء إلى الخارج إلا إذا تمكن من مقابلة محامٍ أو نقل رسالة.

وتتكرر الصورة في حالة الأسير عباس السيد. فقد أفاد بتعرضه لاعتداء جسدي مبرح، وقال إن آخر اعتداء وقع في الرابع من تموز، وإنه قدم شكاوى بشأن معظم حالات الضرب التي تعرض لها لكن دون أي نتيجة تسجل لوقف حالات الاعتداء المتكررة بحقه.

وفي أغسطس 2025، تعرض السيد للضرب المبرح خلال نقله إلى العزل في سجن مجدو. كما سبق أن حذرت جهات معنية بالأسرى من تدهور وضعه الصحي في سجن ريمون، نتيجة التجويع والإهمال الطبي والاعتداءات الجسدية.

يطالب السيد بالنظر في ملفه الطبي، ويتحدث عن إهمال وتباطؤ في علاجه. وفي ظروف العزل، لا يمكن فصل الحرمان الطبي عن الاعتداء الجسدي، لأن الضرب يترك إصابات تحتاج إلى فحص وعلاج، بينما تملك إدارة السجن السيطرة الكاملة على نقله إلى العيادة وعلى نوع الرعاية التي يتلقاها.

الجوع داخل الزنزانة

في رسالته من جانوت، قال حسن سلامة إن كميات الطعام المقدمة في العزل أقل بكثير من تلك التي كانت تقدم في مجدو، رغم أنها لم تكن كافية هناك أيضًا، وإن الأسرى يعيشون جوعًا دائمًا.

ولا تظهر آثار نقص الطعام في الشعور بالجوع وحده، بل في التراجع الحاد للوزن والقدرة الجسدية، خصوصًا لدى الأسرى المرضى أو الذين أمضوا سنوات طويلة في الاعتقال.

الأسير معمر شحرور، المعتقل منذ عام 2002 والمحكوم بالسجن المؤبد 29 مرة إضافة إلى عشرين عامًا، يعاني من مرض الروماتيزم، فيما تدهورت حالته الصحية بفعل الحرمان من العلاج والاعتداءات المتكررة.

وبحسب المعلومات التي وصلت إلى مؤسسة العهد، تراجع وزن شحرور إلى نحو 55 كيلوغرامًا، ولم يتلق العلاج منذ نقله إلى زنازين مجدو، ما فاقم آلام المفاصل والجسد المنهك. وفي حالته، يلتقي الجوع بالمرض والعزل، فلا يحصل الجسد على الغذاء الذي يحتاجه، ولا على الدواء الذي يخفف آلامه، ولا على الوقت الكافي للحركة أو التعرض للشمس.

ولا تتجاوز مدة خروج الأسرى في عزل جانوت ساعة واحدة لكل غرفة، داخل مساحة ضيقة لا تصلها أشعة الشمس بصورة كافية. كما وضعت إدارة السجن خطًا داخل الساحة ومنعت الأسرى من تجاوزه، وفق رسالة حسن سلامة.

بعد انتهاء الساعة، يعود الأسير إلى زنزانته، من دون أن يعود إلى جماعة يمكنه الحديث إليها أو تقاسم الطعام والقلق معها. وهكذا يصبح الحرمان من الحركة والشمس والتواصل جزءًا من البنية اليومية للعزل، وليس عقوبة مؤقتة مرتبطة بحادث محدد.

علاج مؤجل ومرض يتفاقم

يعاني حسن سلامة من إسهال متواصل منذ نحو عام من دون تلقي العلاج المناسب، وينتظر إجراء فحص بالمنظار لم يجر حتى الآن. كما تراجعت قدرته على القراءة وأصبح بحاجة إلى نظارة، فيما لم يحصل عليها.

وعندما احتاج إلى علاج أسنانه، كان الخيار الوحيد الذي عرض عليه هو خلع السن، من دون تقديم علاج يحافظ عليه. ويقول إن الطبيب يزور قسم العزل مرة واحدة شهريًا، ويمر على الأسرى سريعًا من دون إجراء فحوص جدية.

داخل العزل، يصبح الإهمال الطبي أكثر خطورة، لأن الأسير المريض لا يملك رفيقًا يراقب تدهور حالته أو يطلب المساعدة عند عجزه. كما يخضع خروجه إلى العيادة لقرار إدارة السجن، وقد يتحول النقل نفسه إلى مناسبة جديدة للتكبيل والضرب.

وتتوافق هذه الشهادات مع ما وثقته منظمة بتسيلم في تقريرها المحدث مطلع عام 2026 عن استمرار الاعتداءات الجسدية والنفسية والتجويع المتعمد ومنع العلاج داخل السجون الإسرائيلية. وقالت المنظمة إن منظومة الانتهاكات التي توسعت بعد أكتوبر 2023 استمرت بصورة منظمة، وتسببت في تدهور صحة الأسرى ووفاة العشرات منهم.

متى يصبح العزل تعذيبًا؟

تعرف قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، المعروفة بقواعد نيلسون مانديلا، العزل الانفرادي بأنه احتجاز السجين 22 ساعة أو أكثر يوميًا من دون تواصل إنساني ذي معنى. وتعد العزل الذي يتجاوز خمسة عشر يومًا متتاليًا عزلًا مطولًا.

وتحظر القواعد العزل إلى أجل غير محدد والعزل المطول، وتشترط ألا يستخدم إلا في حالات استثنائية، وكملاذ أخير، ولأقصر مدة ممكنة، وبعد مراجعة مستقلة. كما تحظر تخفيض الطعام أو مياه الشرب، ووضع السجين في زنزانة مظلمة أو مضاءة باستمرار بوصف ذلك عقوبة.

ولا ينسجم ذلك مع عزل يمتد شهورًا وسنوات، أو يجدد عبر قرارات متعاقبة تحول المدة المحددة شكليًا إلى احتجاز مفتوح عمليًا.

كما حذر مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعذيب من أن العزل المطول قد يسبب أضرارًا نفسية وجسدية شديدة، وأن استخدامه للعقاب أو الضغط قد يرقى، بحسب مدته وظروفه وآثاره، إلى المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وربما إلى التعذيب.

في حالة الأسرى الفلسطينيين، لا يقف الانتهاك عند طول المدة. فالشهادات تكشف عن عزل يقترن بالضرب، والتجويع، ومنع العلاج، والحرمان من الشمس، وتقييد الزيارات والتواصل. وعند اجتماع هذه الممارسات، لا يعود الباب المغلق مجرد وسيلة للفصل، بل جزءًا من منظومة لإلحاق الألم الجسدي والنفسي بالأسير وإضعاف قدرته على الصمود.

لا تبدو الرصاصة التي أصابت مروان البرغوثي، والضرب الذي تعرض له عباس السيد، والمرض المستمر لدى حسن سلامة، وتراجع وزن معمر شحرور، حوادث منفصلة. لكل أسير تجربته الخاصة، لكن العناصر تتكرر، الاعتداء، الجوع، المرض، انقطاع التواصل، وغياب الرقابة المستقلة.

في الأقسام العامة، تحرم سلطات الاحتلال الأسير من حريته. أما في العزل، فتحرمه أيضًا من الجماعة التي يمكن أن تحميه، ومن الشاهد الذي يرى الاعتداء، ومن الرفيق الذي يطلب له العلاج عندما يعجز عن ذلك بنفسه.

لهذا لا تكمن خطورة العزل في مساحة الزنزانة أو عدد الساعات التي يقضيها الأسير خلف بابها فقط، بل في السيطرة الكاملة على تفاصيل حياته، وفي القدرة على ممارسة الانتهاكات بعيدًا عن الأنظار.

وكلما طال العزل، لم يعد انتظار الأسير متعلقًا بموعد خروجه إلى الساحة أو زيارة المحامي فحسب، بل بالسؤال عما إذا كان جسده سيحتمل جولة أخرى من الجوع أو المرض أو الضرب، داخل مكان صمم ليبقى ما يحدث فيه خلف الباب المغلق.

مواد مشابهة