الأحد 19 يوليو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

حمادة عبد البنا: ثلاث سنوات بين الموت والحياة

18 يوليو 2026 قراءة 7 دقيقة

 

حين رن الهاتف، لم يكن والد حمادة عبد البنا يتوقع أن يسمع صوت ابنه مرة أخرى.

قبل ذلك بسنوات، كان قد تلقى خبرًا واحدًا غيّر حياة العائلة كلها. قيل لهم إن حمادة استشهد، فأقاموا له بيت عزاء ثلاثة أيام، وبكوه كما يُبكى الراحلون. مضت الأيام، ثم الشهور، ثم السنوات، بينما بقي اسمه بين المفقودين الذين لم تعرف عائلاتهم مصيرهم.

حتى خطيبته، التي كانت تنتظر أن يبدأ حياتهما معًا، باعت مصاغها لتوكيل محامٍ يبحث عنه، على أمل أن يعثر على أي خيط يقود إليه، بعد أن فقد الجميع الأمل في العثور عليه حيًا.

لذلك، عندما قال المتصل: “يا أبي”، لم يصدق الوالد ما سمعه. سأل: “من معي؟” ثم أغلق الخط، معتقدًا أن الأمر لا يعدو كونه خطأ أو مزحة قاسية. أما والدته، فقد كان ردها أكثر حسمًا، إذ قالت: “أنت لست حمادة… أخبرونا أنك استشهدت، وفتحنا لك بيت عزاء.”

لكن الصوت كان حقيقيًا.

بعد ثلاث سنوات من الغياب، عاد الابن الذي ظنت عائلته أنه رحل إلى الأبد. غير أن ما عاشه خلال تلك السنوات لم يكن أقل قسوة من الاعتقاد بموته.

رحلة بحث عن الطعام

يقول حمادة عبد البنا إن كل ما أراده في ذلك اليوم كان إحضار بعض الطعام لعائلته. كان والده قد أصيب خلال الحرب، وبُترت إحدى ساقيه، ولم يعد قادرًا على الحركة أو الوقوف في طوابير المساعدات، فقرر حمادة أن يذهب برفقة شقيقه أدهم إلى نقطة توزيع المساعدات، علّه يعود بما يسد جوع أسرته.

لكن الرحلة التي بدأت بحثًا عن الطعام انتهت بمأساة. وسط الفوضى، فقد أثر شقيقه. وبعد دقائق، جاءه أحد الموجودين وأخبره بأن أدهم استشهد.

يروي حمادة أن الخبر أصابه بصدمة شديدة، إذ لم يستوعب ما سمعه، خاصة أن شقيقه الآخر، أمجد، كان قد استشهد قبل ذلك بشهرين فقط.

ألقى كيس المساعدات من يده، وبدأ يبحث بين الجرحى والشهداء عن أخيه، متنقلًا بين الأجساد الملقاة على الأرض، على أمل أن يجده حيًا.

لكن قبل أن يصل إليه، دوى انفجار عنيف. يقول إنه شعر وكأنه قُذف في الهواء، ثم فقد وعيه تمامًا.

شهران بين الحياة والموت

لم يستيقظ حمادة إلا بعد فترة طويلة. فتح عينيه داخل المستشفى، لكنه لم يكن يعرف أين هو، ولا كيف وصل إلى هناك.

كان جسده مثقلًا بالإصابات، وساقاه تعرضتا لضرر بالغ، بينما استقرت شظية في قلبه، وأخرى كبيرة في منطقة الحوض، وفق ما أخبره الأطباء لاحقًا.

ويقول إنه لم يكن قادرًا حتى على تحريك يديه، كما فقد ذاكرته بالكامل، ولم يعد يتعرف إلى الأشخاص من حوله.

تولت طبيبة تتحدث العربية شرح ما حدث له، وأبلغته أنه بقي في غيبوبة شهرين كاملين، وأن نجاته كانت أشبه بالمعجزة.  وبقي يسأل من حوله: من أنتم؟ وأين أنا؟ وماذا حدث لي؟

أمضى حمادة ستة أشهر في مستشفى سوروكا داخل إسرائيل يتلقى العلاج من إصاباته الخطيرة، معتقدًا أن نهاية العلاج ستكون بداية العودة إلى أسرته.

لكن ما إن أخبره العاملون في المستشفى بأن عليه أن يقف استعدادًا للمغادرة، حتى ظن أن رحلة الألم انتهت، وأنه سيعود أخيرًا إلى والديه.

غير أن ما كان ينتظره لم يكن العودة إلى المنزل، بل بداية فصل جديد من المعاناة. من سرير العلاج إلى الزنزانة

انتهت الأشهر الستة التي قضاها حمادة في مستشفى سوروكا، وظن أن رحلة الألم أوشكت على نهايتها.

عندما طلبوا منه أن يقف استعدادًا للمغادرة، امتلأ قلبه بالفرح، معتقدًا أنه سيعود أخيرًا إلى عائلته التي لم يرها منذ إصابته.

لكن الجنود قيدوا يديه وقدميه، واقتادوه إلى غرفة انفرادية صغيرة، لا تتجاوز مساحتها حجم حمام، لا تضم سوى مرحاض.

هناك، بدأ فصل جديد من المعاناة. أمضى أربعة أشهر في تلك الزنزانة وحيدًا، يتساءل كل يوم عن السبب الذي أوصله إليها.

يقول: “كنت أسأل نفسي ماذا فعلت؟ هل أنا منتمٍ إلى حماس؟ هل أنا في أي تنظيم؟ أنا مجرد مواطن، خرجت لأجلب الطعام لأهلي لأن والدي مصاب ولا يستطيع المشي.”

كان أكثر ما يؤلمه أنه لم يكن يعرف شيئًا عن عائلته، كما لم تكن عائلته تعرف عنه شيئًا.

في الخارج، كانوا يعتقدون أنه استشهد. أما هو، فكان يحلم فقط بأن يخرج ليكمل حياته التي توقفت فجأة، وأن يعود إلى خطيبته التي كان ينتظر أن يبدأ معها حياة جديدة.

لكن العزلة الطويلة، والضغط النفسي، والإحساس بأنه منسي، دفعته إلى محاولة إنهاء حياته أكثر من مرة.

ويقول إنه كلما حاول الانتحار، كان السجانون يقتحمون الزنزانة ويرشون رذاذ الفلفل في عينيه، ثم يتركونه يتألم، بينما كانوا يتحدثون بالعبرية، دون أن يفهم ما يقولونه. بعد أشهر من الانفرادي، نُقل إلى سجن شطّة.

لم يكن الانتقال إلى السجن نهاية للعذاب. يصف حمادة الحياة في سجن شطّة بأنها كانت من أصعب ما مر به خلال فترة اعتقاله.

يقول إن الأسرى كانوا يستيقظون في منتصف الليل على أصوات القنابل الصوتية التي تُلقى داخل الغرف، قبل أن تقتحم قوات السجن الأقسام، وتعتدي عليهم بالضرب، وتجري عمليات تفتيش عنيفة.

ويضيف أن الخوف أصبح جزءًا من حياتهم اليومية، حتى إنهم كانوا يستيقظون مذعورين مع كل اقتحام، وكأن الموت يلاحقهم في كل لحظة.

بعد نحو عام من الاعتقال، دخل ضابط إلى السجن ونادى على أسماء ثمانية أسرى، كان حمادة أحدهم.

اقتادهم الجنود وهم ينهالون عليهم بالضرب، ثم أركبوهم حافلة دون أن يبلغوهم إلى أين يتجهون.

في تلك اللحظات، لم يكن يعرف إن كان يُنقل إلى سجن آخر، أم إلى تحقيق جديد، أم إلى مكان مجهول.

ويقول إنه كان قد وصل إلى مرحلة لم يعد يخشى فيها شيئًا، حتى إنه كان يتمنى الموت على أن يواصل الحياة بتلك الظروف. لكن الرحلة انتهت على نحو لم يكن يتوقعه.

المكالمة التي لم يصدقها أحد

فجأة، فك أحد الجنود قيوده، ودفعه إلى الخارج، وقال له: “اذهب إلى بيتك.” خرج حمادة وهو لا يكاد يصدق أنه أصبح حرًا. كان أول ما فكر فيه هو عائلته.

عندما التقى بمندوبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر، طلب منهم أن يساعدوه في الاتصال بوالديه، لأنهما لا يعلمان أنه ما زال حيًا.

قالوا له إن عائلته تعتقد أنه استشهد، وإنها أقامت له بيت عزاء.

أمسك الهاتف واتصل بوالده.

قال: “يا أبي.”

سأله والده: “من معي؟”

ولم تمض لحظات حتى أغلق الخط، غير مصدق أن الصوت الذي سمعه يمكن أن يكون صوت ابنه.

كرر المحاولة مع والدته.

لكنها أيضًا رفضت أن تصدقه.

قالت له: “أنت لست حمادة أخبرونا أنك استشهدت، وفتحنا لك بيت عزاء ثلاثة أيام.”

لم يكن أمامه سوى أن يكرر القسم مرة بعد أخرى، حتى اقتنعا بأن المتصل هو ابنهما الذي بكياه قبل سنوات.

عودة من بين الغائبين

رافقه الصليب الأحمر إلى الحي الذي تقيم فيه عائلته. ومن بعيد، لمح والدته. بدأ يركض نحوها، بينما كانت هي تركض نحوه. كان المشهد أشبه بلقاء انتظرته العائلة سنوات، بعد أن فقدت الأمل في حدوثه.

احتضنها وهو يبكي.

لكن الصدمة كانت أكبر من قدرتها على الاحتمال. ما إن وصلت إليه حتى فقدت وعيها، وسقطت بين ذراعيه. يقول إنه ظل يناديها: “يا أمي… اصحي… يا أمي.”

وبعد أن استعادت وعيها، لم تتوقف عن ترديد عبارة واحدة وهي تبكي:

“والله مش مصدقة… والله مش مصدقة يا ابني.” لم تكن تلك لحظة عودة أسير محرر إلى منزله فحسب.

كانت لحظة عودة إنسان عاش ثلاث سنوات غائبًا عن العالم، بينما كانت عائلته تعيش على يقين أنه رحل إلى الأبد.

في غزة، حيث تختلط أسماء الشهداء بالمفقودين، قد يعود بعض الغائبين بعد سنوات.

لكن السنوات التي سُلبت منهم، وما حملته من ألم وانتظار وفقد، لا تعود أبدًا.

مواد مشابهة