الأحد 10 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

المفقودين من ذوي الاعاقة .. ألم بلا نهاية

30 ديسمبر 2024 قراءة 8 دقيقة

 

 

في ظل الصراعات المستمرة والحروب التي لا تنتهي، يبقى ذوو الاحتياجات الخاصة في غزة من أكثر الفئات تضررًا وتأثرًا. الحرب الإسرائيلية على غزة لم تقتصر آثارها على الدمار المادي والبنية التحتية فحسب، بل تجاوزت ذلك لتصل إلى حياة الأفراد الأكثر هشاشة في المجتمع. هؤلاء الأشخاص الذين يعانون من إعاقات جسدية أو ذهنية، يجدون أنفسهم في مواجهة تحديات مضاعفة، حيث تتفاقم معاناتهم اليومية بسبب نقص الخدمات الأساسية والرعاية الصحية، بالإضافة إلى الصعوبات النفسية والاجتماعية التي تفرضها عليهم ظروف الحرب القاسية.

في هذا السياق، يصبح الحديث عن ذوي الاحتياجات الخاصة في غزة ليس مجرد سرد لقصص المعاناة، بل هو دعوة للتفكير والعمل من أجل تحسين أوضاعهم وتقديم الدعم اللازم لهم. إنهم بحاجة إلى أكثر من مجرد مساعدات إنسانية؛ إنهم بحاجة إلى تضامن عالمي وجهود مستمرة لضمان حقوقهم وكرامتهم في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها.

الحرب معاناة أخرى تعجن ذوي الإعاقة

في الثلث الأخير من شهر يناير عام 2024، في أشدّ أيام الحرب الإسرائيلية على غزة قسوة وجنوناً، كانت عائلة شلح تعيش في حي الشجاعية شرق غزة تحت وطأة القصف المتواصل. في تلك الأيام العصيبة، كانت العائلة تتكور على نفسها داخل منزلها، تحاول النجاة من القصف الذي لم يتوقف على مدار الساعة. ومع تواصل القصف، استمر الذعر يقترب منهم حتى قُصف البيت فوق رؤوسهم. نجت العائلة بأرواحها وتوجهت جنوباً نازحة بلا شيء يملكونه، لكن هذه لم تكن المأساة الوحيدة التي عاشوها.

هيثم شلح، الابن البكر للعائلة، رجل طيب في الحادية والخمسين من عمره، يعاني من صعوبة في النطق واضطرابات نفسية. فرحت العائلة بزواج هيثم وانتظروا بلهف وشوق أن يروا أبناءه، لكن الله شاء أن يتأخر في الإنجاب سبعة عشر عاماً. قبل الحرب بأشهر، أجرت زوجته عملية زراعة تكللت بالنجاح، وأكملت حملها حتى وضعت مولودة جميلة في ذات الشهر الذي تم قصف بيتهم فيه. كانت سعادة هيثم لا توصف بابنته، وكانت للعائلة البهجة وسط الدمار. التقطت صورة لهيثم حاملاً طفلته الوليدة، لكنها كانت الصورة الأخيرة.

أربعة أيام فقط كان عمر الصغيرة يوم قصف البيت على عائلة شلح. حين توجهوا نازحين إلى جنوب القطاع، لم يكونوا قد أسموها بعد أو استخرجوا لها شهادة ميلاد. في طريق النزوح، تفرقت العائلة وتجمعت من جديد في رفح، لكن دون هيثم الذي فقدت آثاره دون معرفة أية معلومات عنه.

تقول هبة شلح، شقيقة هيثم لمؤسسة العهد الدولية: "لم نتوقف عن طرق أبواب اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسات الدولية وتقديم بيانات وصور لشقيقي، ولكن جهودنا لم تنجح في الحصول على أية معلومة حول مصيره". تعيش عائلة شلح اليوم ضياعاً وهماً ثقيلاً، قلقاً على مصير ابنها الذي لا يكاد ينطق اسمه بصورة صحيحة، ولا يعلمون هل ضاع أم لا زال على قيد الحياة؟ هل استشهد وحيداً وغريباً وخائفاً كطفل ضائع؟ أم يعيش مجهولاً دون أن يفهم الناس ما يقول؟

تقديرات أممية ...الحرب تأثيرات متفاقمة على ذوي الإعاقة.

قبيل اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، الأشخاص من ذوي الإعاقة نحو 2.6% من إجمالي سكان القطاع البالغ عددهم أكثر من مليوني إنسان، وقد زادت هذه النسبة مع توثيق 10 آلاف حالة إعاقة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وسط توقعات بارتفاع الرقم. وتفيد معطيات أممية بأن ما لا يقل عن ربع المصابين في غزة أو 22500 مصاب حتى 23 يوليو/ تموز الماضي، يعانون من إصابات غيرت مجرى حياتهم وتتطلب خدمات إعادة التأهيل الآن ولسنوات مقبلة. وفي تقريرها أفادت "هيومن رايتس ووتش" إن القصف، والحصار، والهجوم البري الكبير من جانب الحكومة الإسرائيلية على غزة يتسبب في خسائر فادحة في صفوف المدنيين الفلسطينيين ذوي الإعاقة. كما أنهم يواجهون صعوبات أكبر في الفرار من الهجمات وتلبية الاحتياجات الأساسية والحصول على المساعدات الإنسانية التي هم في أمس الحاجة إليها.

وأشارت أيضا إلى المخاطر الجسيمة التي يواجهها جميع المدنيين في غزة جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية تتضاعف على الأشخاص ذوي الإعاقة. فالأمر الذي أصدرته إسرائيل في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لجميع المدنيين في شمال قطاع غزة بالإخلاء إلى الجنوب لم يأخذ بعين الاعتبار احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، إذ لا يستطيع الكثيرون منهم المغادرة. وقد عرّضهم أمر الإخلاء لمخاطر الحرب ولم يضمن توفير سكن مناسب وظروف مقبولة لهم.

مناشدات بلا صدى.

في ظل الحرب الإسرائيلية على غزة، تعرضت المؤسسات التي تقدم خدمات لذوي الاحتياجات الخاصة للدمار، مما أدى إلى تشريدهم وتركهم يعانون من محنة الحرب وصعوبات الاحتياجات الخاصة.

يروي وائل البنا شقيق المفقود شريف البنا، لمؤسسة العهد الدولية تفاصيل اختفائه في السادس من شهر سبتمبر عام 2024 عندما خرج يوم الجمعة الساعة الحادية عشر ومن يومها لم نعثر على أي أثر له، حيث يعاني شريف من اضطراب فصام الشخصية (شيزوفرينيا).

يقول وائل البنا شقيق شريف إنه منذ بداية الحرب وتوقف العلاج تعرض شقيقه لانتكاسة نفسية صعبة، زادت حدتها بسبب النزوح المستمر وعدم توفر المتابعة والدعم اللازم، وظلت حالته تتفاقم مع ظروف النزوح الصعبة، والصدمات النفسية الصعبة المتلاحقة التي تعرضوا لها، والنقص الحاد في مصادر الماء والغذاء والطاقة، وغيرها من عوامل جعلت حاله يرثى لها.

أما المفقود عبد الغفار محجز مواليد عام1960، ولد باضطرابات نفسية رافقته منذ الولادة، فلا يستطيع تمييز الناس، والأماكن، والتصرفات، إلا في إطار محدود وضيق محصور بذاكرته حول منطقته، بيته، جيرانه، وأهله.

يروي محمد شقيق عبد الغفار لمؤسسة العهد الدولية أن من عادة أخيه الاستيقاظ مبكراً والخروج للتجول حول البيت وسرعان ما يرجع إليه، لأن ذاكرته مقيدة بالمكان حول البيت فقط، ثم جاءت الحرب فشتت ذاكرته وغيرت مساراته، يقول محمد: "زاد تشتته بسبب نزوحنا من مكان لآخر، فوجود أناس جدد لا يعرفهم، ووجوده في مكان مختلف، وسماعه أصوات جديدة، جعله يحيا حياة مختلفة لا يعرفها، ولا يستطيع التمييز، وزادت حدة اضطراباته"، كان سماع أصوات الانفجارات المتكررة يرعب عبد الغفار، ولا يستطيع تمالك أعصابه، لكنه كان يصرّ على الخروج كما تعوّد، فتسايره عائلته، ويقوم أحد منهم مباشرة بتتبعه ثم إعادته إلى البيت، في صباح الثالث من نوفمبر عام 2024، خرج عبد الغفار مبكراً دون أن يراه أحد، ودون أن يعود، فهو لم يألف هذه الاماكن ولا وجوه الناس، ولا تفاصيل هذه الحياة، ولم تسعفه ذاكرته التي ارتبطت ببيته وحيّه السابق، أن يعود.

يقول شقيقه محمد: "لقد ضل الطريق، ولم نستطع العثور عليه حتى اليوم، وكأنه تبخر، نجهل مصيره هل هو ميت أم معتقل؟ هل سيبقى في عداد المجهول؟

تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل، بصفتها السلطة القائمة بالاحتلال في غزة ودولة طرف في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ملزمة بموجب المادة 11 باتخاذ جميع التدابير اللازمة لضمان حماية وسلامة الأشخاص ذوي الإعاقة في حالات الخطر، بما في ذلك حالات النزاع المسلح.

شهادات حقوقية

يواجه الأشخاص ذوو الإعاقة على اختلاف فئاتهم: حركية، سمعية، بصرية، ذهنية – صعوبات هائلة في عمليات النزوح القسري المتكررة؛ لصعوبة حركتهم وحاجتهم لمساعدة الآخرين، في وقت يحاول الجميع أن ينجو بنفسه، وقد سجلت عشرات الحالات لمفقودين أطفال من ذوي الإعاقة الذهنية أو مرضى التوحد.

قالت أمينة تشيريموفيتش، باحثة أولى في حقوق ذوي الإعاقة في هيومن رايتس ووتش: "يزيد الهجوم البري الكبير الذي شنه الجيش الإسرائيلي في غزة بشكل لا يوصف الصعوبات الخطيرة التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة في الفرار، والعثور على مأوى، والحصول على المياه والغذاء والدواء والأجهزة المساعِدة التي يحتاجون إليها بشدة. على الولايات المتحدة وحلفاء إسرائيل الآخرين الضغط على إسرائيل لاتخاذ جميع الخطوات اللازمة لحماية الأشخاص ذوي الإعاقة ورفع الحصار".

من جانبها أعلنت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أنّ الأشخاص ذوي الإعاقة في غزة يعيشون في حالة من الكرب الشديد ويتوقّعون أن يكونوا أول أو لربما ثاني من يُقتل بسبب محدودية فرص الفرار أو المشاركة في عمليات الإخلاء نتيجة إعاقاتهم. وشددت اللجنة على أن غياب الإنذار المسبق بصيغ ميسّرة، إلى جانب تدمير شبكات الاتصالات، جعل عملية الإخلاء مستحيلة بالنسبة إلى الفلسطينيين ذوي الإعاقة. وأكّدت اللجنة أنّ "الدمار الهائل الذي لحق بالمساكن والبنية التحتية المدنية وما نتج عنه من أنقاض قد قلّص من إمكانية التنقل الضرورية للفرار والإخلاء وطلب الحماية ".

وقبل 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، أبلغت 21 في المئة من الأسر في غزة عن ضمّها فردًا واحدًا على الأقل من ذوي الإعاقة، وتم تحديد 58,000 شخص من ذوي الإعاقة في قاعدة البيانات الرسمية للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. كما أكد المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) فيليب لازاريني إن 1 من كل 4 أشخاص أصيبوا في حرب غزة يحتاجون إلى خدمات إعادة تأهيل بما فيها الرعاية بعد بتر الأطراف وإصابات الحبل الشوكي، وفق منظمة الصحة العالمية. وأضاف أن أعلى نسبة أطفال مبتوري الأطراف في العالم موجودون بغزة، وأن كثيرًا منهم خضعوا لعمليات جراحية دون تخدير. وأعلن ما أسماها "جائحة إعاقات" في غزة لما تسببت به حرب الإبادة الإسرائيلية من "وباء إصابات فظيعة" بين الفلسطينيين مع غياب خدمات إعادة التأهيل.

وصف ذوي الإعاقة الذين تمكنوا من الإخلاء الرعب الذي شعروا به لاضطرارهم إلى مغادرة منازلهم، والتي صممت لتتكيف مع احتياجاتهم، إضافة إلى الأجهزة المساعِدة، كالكراسي المتحركة، وأجهزة المشي، وأجهزة السمع. كما أثاروا مخاوف بشأن عدم حصولهم على الأدوية الأساسية وتأثير ذلك على صحتهم النفسية. وقد اضطروا هم ومئات الآلاف غيرهم إلى اللجوء إلى مراكز إيواء طارئة مكتظة؛ ومعظمها في المراكز الصحية والمدارس، حيث يوجد شح في المياه والغذاء ومرافق الصرف الصحي.

 

 

 

 

 

مواد مشابهة