لم تعد غرف سجن " الدامون" وزنازين التوقيف الإسرائيلية مجرد أماكن لاحتجاز الحرية، بل تحولت بفعل القوانين الفاشية والإجراءات الانتقامية إلى أدوات تهدف إلى كسر إرادة المرأة الفلسطينية وتحطيم نسيجها الاجتماعي، في وقتٍ تشهد فيه الحركة الأسيرة داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي واحدة من أحلك فتراتها وأكثرها قسوة، عنوانها الأبرز تصاعد وتيرة التنكيل والانتهاكات بشكل غير مسبوق، وتحويل غرف الأسر ومراكز التوقيف إلى ساحات انتقام جماعي تفتقر لأدنى المقومات الآدمية.
تصاعد الاعتقالات والظروف القاسية
تُشير الإحصائيات إلى وجود أكثر من 90 أسيرة فلسطينية في السجون الإسرائيلية، من بينهن أمهات، زوجات، طالبات جامعيات، وصحفيات. كما يضم هذا العدد ثلاث طفلات قاصرات، وثلاث أسيرات حوامل، وأسيرتين مصابتين بالسرطان. وتواجه 19 أسيرة سياسة الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة عادلة. هذه الأرقام لا تشمل مئات النساء اللواتي اعتقلن من قطاع غزة منذ بدء الحرب، واللواتي تواصل سلطات الاحتلال احتجازهن في معسكرات تابعة للجيش الإسرائيلي، مع الاستمرار في سياسة الإخفاء القسري ورفض الكشف عن أعدادهن الحقيقية أو أماكن احتجازهن.
تجاوز عدد حالات اعتقال النساء الفلسطينيات منذ اندلاع الحرب 760 حالة، مما يعكس اتساع دائرة الاستهداف لتشمل مختلف الشرائح الاجتماعية. تبرز الطالبات الجامعيات كواحدة من أكثر الفئات تعرضاً للملاحقة، إلى جانب المحاميات والصحفيات والناشطات والأسيرات السابقات. كما امتدت الاعتقالات لتشمل زوجات وأمهات وشقيقات الأسرى والشهداء، وحتى النساء المسنات، في إطار سياسة تستخدم اعتقال النساء كوسيلة للضغط على عائلات المطلوبين.
يواصل الاحتلال استخدام سياسة الاعتقال الإداري بحق الأسيرات دون توجيه تهم واضحة، وتصاعدت الاعتقالات تحت ذريعة "التحريض"، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مبرراً رئيسياً لاعتقال النساء الفلسطينيات، استناداً إلى تفسيرات قانونية فضفاضة. من الأمثلة على ذلك حملات الاعتقال التي طالت طالبات وخريجات الجامعات الفلسطينية، مثل طالبات جامعة بيرزيت، في إطار ملاحقة الحركة الطلابية والنشاط المجتمعي.
قصة الأسيرة ذكرى رأفت ناصر (23 عاماً) التي اعتقلت من منزل عائلتها بتهمة "التحريض"، وقصة الطفلة علا عبد الناصر قطيشات (16 عاماً) التي اعتقلت من منزل عائلتها ليلاً، تُعدان نموذجاً لهذه السياسات القاسية.
رحلة تنكيل ممنهجة: من الاعتقال إلى الزنزانة
لا تبدأ معاناة الأسيرة الفلسطينية داخل السجن، بل منذ اللحظة الأولى لاعتقالها. تصاعدت حملات اعتقال النساء الفلسطينيات بشكل لافت، وترافقت مع إجراءات ميدانية وتحقيقية أكثر قسوة. تتنوع أساليب الاعتقال بين الاختطاف من الشوارع والحواجز العسكرية، أو اقتحام المنازل في ساعات الليل المتأخرة، حيث تُستخدم الكلاب البوليسية وتُخرب محتويات المنازل، وتُخضع النساء وأفراد أسرهن للتفتيش والاستجواب وسط أجواء من الترهيب.
تتعرض الأسيرات لسلسلة من الانتهاكات منذ لحظة الاعتقال، تشمل الضرب الميداني، الشتم والإهانات اللفظية، تقييد الأيدي خلف الظهر، عصب الأعين، وإجبارهن على البقاء في أوضاع مؤلمة لساعات طويلة، قبل نقلهن في آليات عسكرية بظروف قاسية. وثقت مؤسسات حقوقية تصاعد استخدام اعتقال النساء كرهائن للضغط على أفراد عائلاتهن المطلوبين أو الأسرى، مما يعني أن الاعتقالات لم تعد تستهدف النساء على خلفية نشاطهن الشخصي فقط، بل طالت زوجات وأمهات وشقيقات الأسرى والشهداء، وحتى النساء المسنات.
تزداد المعاناة داخل مراكز التحقيق والتوقيف، حيث تخضع الأسيرات لجلسات استجواب طويلة ترافقها أساليب ضغط نفسي وجسدي، مثل الحرمان من النوم، التكبيل المؤلم، والتهديد باستهداف أفراد الأسرة أو هدم المنازل، في محاولة لانتزاع اعترافات أو معلومات. يُعد التفتيش العاري أحد أكثر أشكال الانتهاكات قسوة، ويُستخدم بصورة متكررة خلال الاعتقال والتحقيق والنقل بين السجون، وكذلك أثناء عمليات اقتحام الأقسام، مما يشكل اعتداءً مباشراً على كرامتهن وخصوصيتهن ويترك آثاراً نفسية عميقة.
لا يقتصر انتهاك الخصوصية على التفتيش العاري، بل يمتد إلى زرع كاميرات مراقبة في ساحات الفورة والممرات الداخلية، مما يحرم الأسيرات من أي مساحة خاصة. تروي الكاتبة الأسيرة لمى عبد المطلب الفاخوري تجربتها، واصفة الأيام الأولى لاعتقالها بأنها بداية رحلة طويلة من التعذيب والتنكيل، حيث تعرضت للتفتيش العاري والضرب والإهانة ونزع حجابها بالقوة، واحتجازها في زنزانة شديدة البرودة، وجرها مقيدة على الأرض وسط الشتائم والتهديدات. استمرت هذه المعاناة في زنازين الرملة، حيث خضعت للمراقبة بالكاميرات حتى داخل المرافق الصحية، قبل نقلها إلى سجن الدامون.
تصف الفاخوري ما واجهته داخل الدامون بأنه امتداد لسياسة العقاب المستمر، حيث تنفذ قوات الاحتلال حملات اقتحام متكررة للأقسام في ساعات الليل، مستخدمة الأسلحة والكلاب البوليسية وقنابل الصوت، وتجبر الأسيرات على الخروج إلى الساحات بعد تقييدهن وعصب أعينهن، ويتعرض بعضهن للضرب والدفع والإهانات. تترافق هذه الاقتحامات مع إجراءات عقابية أخرى، مثل الحرمان من الخروج إلى ساحة الفورة، والتهديد بالعزل الانفرادي، ومصادرة المقتنيات الشخصية، مما يحول الحياة اليومية داخل السجن إلى حالة دائمة من التوتر والخوف والترقب.
معاناة يومية خلف القضبان: التجويع، الإهمال الطبي، والاكتظاظ
لا تتوقف معاناة الأسيرات الفلسطينيات عند ظروف الاعتقال والتحقيق، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل السجون، حيث تُستخدم الاحتياجات الأساسية كوسائل للعقاب والضغط النفسي والجسدي. تُعد سياسة الإهمال الطبي واحدة من أبرز هذه الانتهاكات، حيث تتعمد إدارة السجون المماطلة في تقديم العلاج وتأخير نقل المريضات إلى العيادات، فضلاً عن منع أو تأخير الأدوية الضرورية، مما يزيد من معاناة المصابات بالأمراض المزمنة والخطيرة.
تتضاعف المخاطر بالنسبة للأسيرات الحوامل، اللواتي يواجهن ظروف احتجاز قاسية في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الرعاية الصحية، وسط مخاوف مستمرة على حياتهن وحياة أجنتهن. كما تعاني الأسيرات المريضات من نقص المتابعة الطبية اللازمة، في ظل غياب الرعاية الوقائية والعلاجية المناسبة. لا تقتصر المعاناة على الجانب الصحي، بل تمتد إلى سياسة التجويع التي تصاعدت بصورة ملحوظة منذ الحرب، حيث تتحدث الأسيرات عن وجبات طعام قليلة الكمية ورديئة الجودة، لا تلبي الاحتياجات الغذائية الأساسية، وتسبب اضطرابات صحية ومشكلات معوية.
تُستخدم الاحتياجات الشخصية للنساء كأداة إضافية للتنكيل، عبر تقليص كميات مواد النظافة الشخصية والاحتياجات النسائية إلى الحد الأدنى، ومصادرة كثير من المقتنيات الخاصة، مما خلق بيئة مناسبة لانتشار الأمراض الجلدية والأوبئة بين الأسيرات. تُشير شهادات أسيرات محررات إلى أن انتشار مرض الجرب (السكابيوس) أصبح من المشكلات الصحية البارزة داخل بعض الأقسام، في ظل الاكتظاظ وقلة النظافة وصعوبة الحصول على المياه والرعاية الطبية. تروي الأسيرة المحررة شيماء الخولي أن أسيرات غزة عانين من انقطاع المياه بشكل متكرر، وسوء الطعام ورداءته، وأن بعض الوجبات كانت تسبب اضطرابات صحية.
من أكثر الوقائع قسوة التي وثقتها شهادة الخولي، تعرض إحدى الأسيرات الحوامل للضرب على منطقة البطن بعد اعتقالها، مما أدى إلى فقدان جنينها داخل المعتقل. إلى جانب التجويع والإهمال الطبي، تواجه الأسيرات أزمة اكتظاظ خانقة داخل السجون، خاصة في سجن الدامون، الذي شهد ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد المعتقلات بعد الحرب. فبعد أن كان عدد الأسيرات قبل السابع من أكتوبر أقل من أربعين، ارتفع العدد ليصل إلى نحو خمسة وتسعين أسيرة، مما انعكس بصورة مباشرة على ظروف احتجازهن.
تحولت الغرف المخصصة لعدد محدود من الأسيرات إلى أماكن مكتظة تضم أعداداً تفوق طاقتها الاستيعابية، مما أجبر بعض الأسيرات على النوم على الأرض لعدم توفر أسرّة كافية، وجعل الحركة داخل الغرفة الواحدة أمراً بالغ الصعوبة. امتدت آثار الاكتظاظ إلى ساحة الفورة، حيث تضطر أعداد كبيرة من الأسيرات إلى استخدام مساحة محدودة في الوقت ذاته. تصف الكاتبة الأسيرة لمى الفاخوري واقع الحياة داخل الدامون بأنه صراع يومي مع الاكتظاظ والجوع والحرمان، مشيرة إلى أنها كانت تقيم في غرفة تضم عشر أسيرات، في حين تضطر أخريات للنوم على الأرض، وسط ظروف ازدادت صعوبة بالنسبة للحوامل والقاصرات.
صادرت إدارة السجن الملابس الشخصية للأسيرات، واكتفت بتوفير غيار واحد من زي السجن، مما أجبر بعضهن على انتظار جفاف ملابسهن بعد غسلها أو ارتداء ملابس الصلاة لفترات طويلة. لا تتوقف هذه الإجراءات عند الجوانب المعيشية والصحية، بل تمتد إلى التضييق على الممارسات الدينية، حيث صادرت إدارة السجون ملابس الصلاة، والحجاب، والكتب الدينية والمصاحف. في شهادة للأسيرة المحررة حنان البرغوثي، أكدت أن الأسيرات اضطررن في بعض الأحيان إلى الصلاة بملابس النوم أو استخدام أغطية الأسرة بديلاً عن الحجاب بعد مصادرة مقتنياتهن الدينية والشخصية.
العزل عن العالم الخارجي
تواصل سلطات الاحتلال عزل الأسيرات عن العالم الخارجي، من خلال منع الزيارات العائلية لفترات طويلة، مما يحرم الأمهات من رؤية أبنائهن واحتضانهم، ويعمق الشعور بالعزلة والقلق لدى الأسيرات وعائلاتهن على حد سواء. كما تستمر القيود المفروضة على زيارات المحامين، إلى جانب تعطيل زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مما يحد من قدرة الأسيرات على التواصل مع العالم الخارجي أو إيصال معاناتهن، ويجعل توثيق أوضاعهن أكثر صعوبة.
لا تبدو هذه الإجراءات حوادث منفصلة أو استثنائية، بل جزءاً من منظومة متكاملة من العقوبات والإجراءات الهادفة إلى إنهاك الأسيرات نفسياً وجسدياً، وتحويل تجربة الاعتقال إلى عقوبة تتجاوز الحرمان من الحرية لتطال الكرامة الإنسانية والحياة اليومية والعلاقات الأسرية.
تبقى معاناة الأسيرات الفلسطينيات واحدة من أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً خلف جدران السجون الإسرائيلية، في ظل استمرار الاعتقالات والانتهاكات والعزل عن العالم الخارجي. تكشف الشهادات والوقائع أن الحرمان من الحرية يمتد ليطال الصحة والكرامة والحياة الأسرية والحقوق الأساسية. وبينما تتواصل هذه المعاناة، تتصاعد الدعوات إلى تحرك دولي جاد لضمان حماية الأسيرات ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق أحكام القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان. يبقى كسر الصمت وتسليط الضوء على أوضاعهن خطوة أساسية في سبيل إنصافهن وحماية كرامتهن الإنسانية.
مواد مشابهة
الأسرى الأردنيون في سجون الاحتلال بين المؤبدات الطويلة والاع...
على امتداد أكثر من ربع قرن، ظل ملف الأسرى الأردنيين وحاملي الجنسية الأردنية في السجون الإسرائيلية حاضرًا بعيدً...
مئة يوم من الفقدان:...
عد نحو 100 يوم من الفقدان والبحث، عاد الطفل أحمد الجرجاوي إلى عائلته بعدما اعتقد والده إبراهيم أنه استشهد. خلا...
الأسرى الفلسطينيون...
من “الأشرطة الحمراء” إلى حملة “أنقذوا الأسرى”، ومن الوقفات الشعبية إلى حملات الترجمة الرقمية والضغط الحقوقي، ت...