الخميس 18 يونيو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

الأسرى الأردنيون في سجون الاحتلال بين المؤبدات الطويلة والاعتقالات الجديدة

18 يونيو 2026 قراءة 7 دقيقة

 

على امتداد أكثر من ربع قرن، ظل الأسرى الأردنيون وحاملو الجنسية الأردنية جزءًا من المشهد الأقل حضورًا داخل السجون الإسرائيلية، رغم ما يحمله هذا الملف من أحكام قاسية وقصص إنسانية امتدت في بعض الحالات إلى أكثر من أربعة وعشرين عامًا.

وبينما يتصدر ملف الأسرى الفلسطينيين المشهد الحقوقي والإعلامي، يبقى ملف الأسرى الأردنيين وحاملي الجنسية الأردنية أقل تداولًا، رغم أنه يضم أسرى محكومين بالمؤبدات المتعددة وعشرات السنوات، إلى جانب معتقلين جدد دخلوا السجون خلال العامين الأخيرين، في مشهد يعكس أن القضية لم تعد حكاية جيل واحد من المعتقلين، بل ملفًا ممتدًا عبر أجيال متعاقبة.

ويقول عضو اللجنة الوطنية الأردنية للأسرى والمفقودين في سجون الاحتلال، الأسير المحرر مازن ملصة، إن أحدث إحصائيات اللجنة تشير إلى وجود 17أسيرًا أردنيًا داخل السجون الإسرائيلية بأحكام مختلفة، بينهم 4 محكومين بالمؤبد و8 أسرى تتراوح محكوميتهم ما بين الثلاث سنوات إلى 36 عام، و5 أسرى لا زالوا موقوفين حتى اليوم.

من انتفاضة الأقصى إلى ما بعد السابع من أكتوبر

تكشف قائمة الأسرى الأردنيين عن امتداد زمني واسع بين أقدم المعتقلين وأحدثهم. ففي حين يعود اعتقال عدد من الأسرى إلى الأعوام 2000 و2001 و2003 و2004، ما يعني أن بعضهم أمضى أكثر من أربعة وعشرين عامًا خلف القضبان، تضم القائمة أيضًا أسرى اعتقلوا خلال عامي 2023 و2024 وما زالوا في بداية رحلة اعتقال قد تمتد لسنوات طويلة.

ويعكس هذا التباين الزمني استمرار سياسات الاعتقال الإسرائيلية عبر العقود، ويؤكد أن ملف الأسرى الأردنيين ظل حاضرًا عبر محطات سياسية وأمنية مختلفة، من انتفاضة الأقصى وصولًا إلى التطورات التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023.

عبد الله البرغوثي الوجه الأبرز للملف

إذا كان لكل قضية وجه يختصرها، فإن الأسير عبد الله غالب البرغوثي يبقى الاسم الأبرز في ملف الأسرى الأردنيين داخل السجون الإسرائيلية.

فالبرغوثي، المعتقل منذ الخامس من آذار/مارس 2003، يقضي حكمًا بالسجن 67 مؤبدًا، وهو أعلى حكم معروف بحق أسير فلسطيني أو عربي في السجون الإسرائيلية، ويتصدر قائمة الأسرى الأردنيين من حيث طول الحكم وقسوته.

وخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت التحذيرات الحقوقية بشأن وضعه الصحي، بعدما كشفت شهادات لمحامين ومؤسسات حقوقية عن تعرضه لاعتداءات متكررة وتدهور حاد في حالته الصحية وفقدان كبير للوزن، وسط مخاوف متزايدة على حياته.

ورغم أن البرغوثي يمثل الحالة الأكثر شهرة، فإن خلفه عشرات الأسرى الأردنيين الذين يقضون أحكامًا طويلة ويواجهون ظروف اعتقال قاسية داخل السجون الإسرائيلية.

مؤبدات وأحكام تمتد لعقود

إلى جانب البرغوثي، تضم قائمة الأسرى الأردنيين عددًا من أصحاب الأحكام المرتفعة.فالأسير محمد فهمي إبراهيم الريماوي المعتقل منذ عام 2001 يقضي حكمًا بالمؤبد، فيما يواجه الأسير رائد محمود جبارة خليل حكمًا بمؤبدين وعشرين عامًا.

كما يقضي الأسير كمال هاني كمال جوري حكمًا بالمؤبد إضافة إلى ثمانية وعشرين عامًا، بينما يواجه ناصر نافذ صالح براهمة حكمًا بالسجن ستة وثلاثين عامًا، وأحمد عبد الفتاح حمزة عواد ثلاثين عامًا، وأنس راشد أحمد الحشاوي سبعة وعشرين عامًا.

وتشير هذه الأحكام إلى أن غالبية الأسرى الأردنيين يشكلون جزءًا من فئة الأسرى ذوي الأحكام العالية داخل السجون الإسرائيلية.

ولا تنتمي قضية الأسرى الأردنيين إلى منطقة جغرافية واحدة، إذ تضم القائمة أسرى من عمان والزرقاء وإربد والسلط والبلقاء والأغوار الشمالية وجبل النصر والحصن وأبو عليا وغيرها من المدن والمناطق الأردنية.

وبين هذه المدن تتوزع عائلات تنتظر أبناءها منذ سنوات طويلة، بعضهم غاب عن منزله أكثر من نصف عمره، وبعضهم كبر أطفاله وهم لا يعرفون عن آبائهم سوى الصور والزيارات المحدودة والأخبار المتقطعة.

أوضاع أكثر قسوة بعد أكتوبر 2023

شهدت السجون الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر 2023 تصعيدًا واسعًا في الإجراءات العقابية بحق الأسرى، وفق مؤسسات الأسرى الفلسطينية ومنظمات حقوق الإنسان.

وشملت هذه الإجراءات تقليص كميات الطعام، وتشديد العزل، والحد من الزيارات، وفرض قيود إضافية على الأسرى، إلى جانب حرمان أعداد كبيرة منهم من الرعاية الصحية المناسبة.

وأكدت اللجنة الوطنية الأردنية للأسرى والمفقودين أن الأسرى الأردنيين لم يكونوا بمنأى عن هذه السياسات، بل تعرضوا للظروف ذاتها التي واجهها آلاف الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، وسط تزايد المخاوف على أوضاعهم الصحية والإنسانية. وتكشف شهادات حديثة أن التدهور الصحي لم يقتصر على الأسرى القدامى وأصحاب المؤبدات.

فبحسب ما نقلته منظمة أطباء بلا حدود خلال زيارة للأسير الأردني أنس الشرمان، المعتقل منذ عام 2024، فإنه ما يزال موقوفًا ويعاني من أمراض جلدية منتشرة بين الأسرى، إضافة إلى ضبابية في الرؤية بإحدى عينيه. كما يعاني من مرض السكري، في وقت أدى فيه عدم انتظام حصوله على الأدوية والعلاج اللازم إلى تفاقم حالته الصحية.

وتؤكد هذه الشهادة أن الظروف الصحية الصعبة داخل السجون الإسرائيلية تطال الأسرى الأردنيين على اختلاف أعمارهم وأحكامهم، سواء كانوا من الأسرى القدامى أو المعتقلين حديثًا.

حقوق يكفلها القانون الدولي

تؤكد منظمات حقوقية أن الأسرى والمعتقلين يتمتعون بحماية القانون الدولي الإنساني والضمانات الواردة في اتفاقيات جنيف، بما في ذلك الحق في المعاملة الإنسانية والرعاية الصحية والتواصل مع العائلات، مع حظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.

وأثارت تقارير حقوقية متعددة منذ أكتوبر 2023 مخاوف متزايدة بشأن أوضاع الأسرى داخل السجون الإسرائيلية، في ظل تزايد الشكاوى المتعلقة بظروف الاحتجاز والرعاية الصحية والقيود المفروضة على الزيارات.

لا تقتصر معاناة الأسرى الأردنيين على الأحكام الطويلة أو ظروف الاحتجاز، بل تمتد إلى واحدة من أكثر القضايا إيلامًا بالنسبة لهم ولعائلاتهم، وهي قضية الزيارات.

فبحسب اللجنة الوطنية الأردنية للأسرى والمفقودين، شهد ملف زيارات الأسرى الأردنيين تعثرًا طويلًا خلال السنوات الماضية، ما حرم العديد منهم من رؤية آبائهم وأمهاتهم وأبنائهم لفترات امتدت أعوامًا متواصلة.

وبالنسبة لكثير من الأسرى الأردنيين، تحولت الزيارة من حق إنساني إلى حلم مؤجل، فيما فقد بعضهم أفرادًا من عائلاتهم دون أن يتمكنوا من وداعهم للمرة الأخيرة، وكبر أبناء آخرين ووصلوا إلى سن الرشد قبل أن يتمكنوا من لقاء آبائهم المعتقلين.

ولا تتوقف آثار الاعتقال عند الأسرى أنفسهم، إذ تعيش عائلاتهم حالة انتظار دائمة تتجدد مع كل حديث عن صفقات تبادل أو تحركات سياسية، حيث يترقب الأهالي أي خبر قد يحمل إليهم أمل اللقاء بعد سنوات طويلة من الغياب.

 صفقات التبادل تعيد الملف إلى الواجهة

أعادت صفقات التبادل الأخيرة ملف الأسرى الأردنيين إلى واجهة الاهتمام الشعبي والإعلامي، وسط ترقب واسع من عائلاتهم.

ويقول مقرر اللجنة الوطنية الأردنية للأسرى والمفقودين، فادي فرح، إن آمال أهالي الأسرى تتزايد يومًا بعد يوم في رؤية أبنائهم يعودون بعد سنوات طويلة من الأسر، في وقت تؤكد فيه اللجنة أهمية استمرار الجهود الرامية إلى إبقاء ملف الأسرى الأردنيين حاضرًا ضمن أي تحركات أو تفاهمات مستقبلية تتعلق بملف الأسرى.

وجددت التطورات الأخيرة الاهتمام بملف الأسرى الأردنيين، بعدما عاد إلى واجهة النقاش العام مع الحديث عن صفقات التبادل، في حين ما زال عشرات الأسرى يقضون مؤبدات وأحكامًا طويلة داخل السجون الإسرائيلية.

عزلة مضاعفة

يرى متابعون لملف الأسرى الأردنيين أن معاناتهم لا تنبع فقط من وجودهم داخل السجون الإسرائيلية، بل أيضًا من محدودية الحضور الإعلامي والحقوقي لقضيتهم مقارنة بملفات أسرى أخرى تحظى بمتابعة أوسع.

وبين أسرى اعتقلوا مع بدايات انتفاضة الأقصى وآخرين دخلوا السجون خلال الأعوام الأخيرة، يبدو ملف الأسرى الأردنيين شاهدًا على قضية امتدت عبر أجيال ولم تنته بعد.

فخلف كل اسم في القوائم الرسمية سنوات من الغياب، وعائلات تنتظر زيارة أو رسالة أو خبرًا مطمئنًا، فيما يواصل العشرات منهم قضاء مؤبدات وأحكامًا تمتد لعقود طويلة.

ويؤكد فادي فرح أن عائلات الأسرى لا تزال تتطلع إلى اليوم الذي يعود فيه أبناؤها بعد سنوات طويلة من الاعتقال، في مشهد يلخص واحدة من أطول القضايا الإنسانية المفتوحة في المنطقة، حيث يتقاطع الزمن مع السجن، وتبقى العودة إلى البيت والأهل والأحبّة أملًا مؤجلًا ينتظره الأسرى وعائلاتهم على حد سواء.

مواد مشابهة

مئة يوم من الفقدان:...

عد نحو 100 يوم من الفقدان والبحث، عاد الطفل أحمد الجرجاوي إلى عائلته بعدما اعتقد والده إبراهيم أنه استشهد. خلا...

15 يونيو 2026 اقرأ
الأسرى الفلسطينيون...

من “الأشرطة الحمراء” إلى حملة “أنقذوا الأسرى”، ومن الوقفات الشعبية إلى حملات الترجمة الرقمية والضغط الحقوقي، ت...

9 يونيو 2026 اقرأ