في اللحظة التي يُنتزع فيها اسمك منك، لا تفقد وسيلة التعريف فقط، بل تخسر أحد آخر ما يربطك بذاتك كما عرفتها. في تلك المسافة الضيقة بين الاسم والرقم، تبدأ حكاية تتكرر في شهادات معتقلي غزة منذ اندلاع الحرب، ويروي أحد فصولها الأسير المحرر محمود السوسي، من حي الشجاعية شرق القطاع.
لم يكن الاعتقال لحظةً عابرة في حياته، بل مسارًا متدرجًا من الإجراءات التي أعادت تعريفه قسرًا، منذ الساعات الأولى داخل مجمع الشفاء الطبي.
لشفاء: لحظة الاعتقال الأولى
في الثامن من رمضان عام 2024، كان محمود داخل قسم التخصص في مستشفى الشفاء، حين دوّى القصف عند المدخل قرابة الثانية فجرًا، وسقط شهيد أمام الباب. يقول:
“طلعت عشان أطلع بره، فلقيت الجنود والدبابات موجودين في الشفاء”.
أُخرج من في المبنى على دفعات، ثم جرى تقسيمهم أمام الكاميرات. بعد ذلك، اقتيدوا إلى محيط المكان، حيث بدأت أولى مراحل الانتهاك، في مشهد يجمع بين الإخضاع العلني والعنف المباشر.
“جردونا من ملابسنا وخلونا بالبوكسر، وقعدونا على الأرض على الحصمة… وكانوا يبصقوا علينا واحد واحد”.
خلال عملية الفرز، استخدم الجنود الهواتف لفحص الهويات. عند دوره، طُلب منه التقدم، ثم أُعيد فجأة.
“رجّعني وزق علي وقال تعال… ما رحت عنده”.
لاحقًا، قُيّدت يداه بأربطة بلاستيكية شُدت حتى تورمت، وعُصبت عيناه، قبل أن يُنقل إلى غرفة احتجاز مكتظة. هناك، جلس مع عشرات المعتقلين على ركبهم، في وضعية قسرية ممتدة، يتحول فيها الجسد إلى عبءٍ على صاحبه.
حين ارتفعت الأصوات من شدة الألم، جاء الرد ضربًا مباشرًا. يتذكر:
“من كتر ما نزعج، الجندي خبطني بالدبشك على كتفي… ضل كتفي مخلوع تقريبًا ثلاث شهور”.
في الصباح، لم يكن هناك استيقاظ بالمعنى المعتاد، بل طقس يومي يعيد إنتاج الإهانة.
“كانوا ييجوا الصبح يقولوا صباح الخير ويرشوا علينا ميّة ساقعة”.
عبارة تحمل مفارقة قاسية، حيث يُستخدم شكل التحية ذاته كمدخل للإذلال، لا كإشارة لبدء يوم.
لكن ما سبق كان تمهيدًا فقط.
سيدي تيمان”: نظام القهر اليومي
التحول الأثقل بدأ مع نقله إلى سجن “سيدي تيمان”، حيث يأخذ الاحتجاز طابعًا أكثر تنظيمًا، دون أن يفقد عشوائيته العنيفة.
“سيدي تيمان كان قهر الرجال”، يقولها هذه المرة كخلاصة تختصر التجربة.
هناك، لا يعود الأمر مجرد احتجاز، بل نظامًا يوميًا محكمًا للتحكم في الجسد والتفاصيل. بركسات تفوح منها روائح الحيوانات والبراز، وفرشة بالكاد تُرى، لا تتجاوز نصف سنتيمتر، قضى عليها 96 يومًا.
الاستيقاظ يتم بالضرب على ألواح الزينكو بعد الفجر.
الوضعية ثابتة: جلوس دائم، أرجل ممدودة، أيدٍ مكبلة، وعيون معصوبة.
النوم ليس حقًا، بل استثناء.
“ممنوع تغير القعدة… إذا رفعت راسك بعاقبوك، وإذا نزلتها يقولك بدك تنام”.
حين يصبح الرقم هو الاسم
داخل هذا النظام، يختفي الاسم بوصفه علامة شخصية.
“الرقم هو الاسم”.
يحمل كل أسير سوارًا برقم. أربع مرات يوميًا، تُنادى الأرقام. أي خلل—حتى لو كان تكرارًا—كفيل باستدعاء ما يسميه الأسرى “فرقة الكلاب”.
“كانوا يدخلوا ومعهم كلاب… واللي يلاقوا رقمه بياخذوه، يعلقوه على الحيط، وبعدين يقعدوا يتشاوروا من وين يبدؤوا… وبعدها يبدأ الضرب والتكسير”.
في تلك اللحظات، لا يكون الجسد مجرد هدف، بل مساحة مفتوحة للعقاب، يُترك بعدها على الأرض، كأن شيئًا لم يحدث.
التهمة كانت جاهزة لمعظمهم: “مقاتل غير شرعي”.
بعد ثلاثة إلى أربعة أشهر، زارتهم محامية، لكن دون أثر فعلي. لم تنجح في نقل أي معلومات عن العائلات، ولم يتمكنوا من معرفة ما يجري خارج المعتقل.
“كنا مغيبين تمامًا”.
حتى خلال النقل، لم يتوقف العنف.
“في الباص كانوا يضربونا طول الطريق، رايحين وجايين”.
داخل السجن، لم يكن الخوف من الحاضر فقط، بل من القادم أيضًا. يتحدث محمود عن وقع النقاشات حول قانون إعدام الأسرى:
“كنا نتمسك بالأمل بالصفقة… لكن اليوم الوضع أصعب”.
وعن المطالبة بالحقوق، يضيف:
“كنا نطلب الصليب الأحمر، يقولوا ما إلكم حقوق… إنتوا عايشين في كلابة، مش في فندق”.
في الثالث عشر من مارس 2025، خرج محمود السوسي ضمن صفقة تبادل، بعد أن أُبلغ قبل ثلاثة أيام فقط بإدراج اسمه.
خرج باسمه هذه المرة. لكن الرقم، كما يبدو، لم يغادره بالكامل.
تعكس هذه الشهادة نمطًا متكررًا وثّقته منظمات حقوقية بشأن معتقلي غزة، حيث تتقاطع الإفادات حول التعذيب، والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية، والحرمان من الضمانات القانونية الأساسية، بما في ذلك الحق في التواصل مع المحامين أو اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في مخالفة لمبادئ راسخة في القانون الدولي الإنساني، ولا سيما ما نصّت عليه اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين وقت الحرب، وحظر المعاملة المهينة.
في مثل هذه الشهادات، لا يكون سلب الحرية هو الحد الأقصى للعقوبة، بل بدايتها. هناك، حيث يُنادى على الجسد برقم، لا يلتفت أحد إن تأخر الصوت أو اختفى.
الصفّ طويل، والرؤوس منحنية، والعيون معصوبة.
رقم يُستدعى، فينهض جسد.
رقم آخر يتأخر، فيُسحب من مكانه.
وفي مكان ما بين النداء والصمت،
يبقى الاسم معلقًا…
لا يُقال،
ولا يُنسى.
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...