تفاصيــل التقرير
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
ست سنوات من العزل والعقوبات أنهكت جسده وأسير جنين لم يعد قادراً على الوقوف طويلاً
“نفسي أجتمع مع إخوتي على مائدة واحدة”. أمنية مؤجلة منذ 16 عاماً خلف القضبان
حين دخلت المحامية إلى غرفة الزيارة، لم يحتج مناضل يعقوب عبد الجبار أنفيعات إلى كثير من الكلام ليشرح ما فعله العزل بجسده.
كان يتحدث بصعوبة، يلتقط أنفاسه ببطء، ويتوقف بين الجملة والأخرى كأن الكلمات نفسها أصبحت عبئاً عليه. حتى الوقوف لم يعد يحتمله أكثر من دقائق قليلة.
الأسير القادم من بلدة يعبد جنوب جنين، وأحد أبرز المشاركين في عملية “نفق الحرية”، يقضي سنواته الأخيرة داخل العزل الانفرادي، بعد إعادة اعتقاله في سبتمبر 2021، في ظروف تقول عائلته ومحاموه إنها دفعت حالته الصحية إلى مرحلة خطيرة من التدهور المستمر.
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتزاعهم حريتهم من سجن جلبوع عبر نفق حفروه بأدوات بدائية.
لكن تلك اللحظة التي بدت لكثيرين أقرب إلى معجزة، أعقبتها سنوات طويلة من العقوبات والعزل والتنكيل، انتهت بإعادته إلى الزنازين الانفرادية منذ اعتقاله مجدداً بتاريخ 16 سبتمبر 2021، إلى جانب فرض غرامة مالية بحقه بلغت 18 ألف شيقل.
في 20 أبريل 2023، تمكنت محاميته من زيارته، لكن الزيارة تحولت إلى صدمة بالنسبة لها.
لم يستطع الحديث إلا لدقائق معدودة.
كان يعاني من خدران في أنحاء جسده، ودوخة متواصلة، ولم يكن قادراً على الوقوف أكثر من عشر دقائق. اشتكى حينها من آلام حادة في القفص الصدري، وضعف في جهازه التنفسي، إضافة إلى آلام شديدة في المعدة.
قبل تلك الزيارة، كان أنفيعات قد خاض إضراباً عن الطعام استمر 45 يوماً، اكتفى خلاله بالماء والملح فقط، احتجاجاً على ظروف عزله. لكن الإضراب ترك آثاراً قاسية على جسده.
فقد ما يقارب 20 كيلوغراماً خلال أشهر قليلة، وأصبح تناول الطعام مهمة مؤلمة. كان يبلل الخبز بالماء ليسهل ابتلاعه بسبب الحموضة الحادة وآلام المعدة التي لم تعد تفارقه.
حتى الماء البارد لم يعد قادراً على شربه بسهولة. فبحسب ما نقلته محاميته، كان يشعر بتشنجات في جسده عند شربه من شدة الإنهاك الذي وصل إليه.
زنزانة رطبة وصعوبة في التنفس
مع مرور الوقت، لم تتحسن حالته، بل ازدادت سوءاً. في الرابع من مايو 2026، زاره محاميه مجدداً، لكن الزيارة لم تستمر أكثر من ربع ساعة بسبب حالته الصحية المتعبة.
يقول المحامي إن مناضل لم يكن قادراً على الحديث لفترات طويلة، وكان يتنفس بصعوبة واضحة، ويستخدم بخاخاً لمساعدته على التنفس داخل زنزانة تفتقر للتهوية المناسبة وتغمرها الرطوبة.
كما اشتكى من آلام شديدة في الجهة اليسرى قرب القلب والأمعاء، فيما تؤكد عائلته أن ظروف العزل وقلة الطعام فاقمت وضعه الصحي بشكل متسارع.
وتقول العائلة إن كمية الطعام المقدمة له “لا تكفي”، في وقت تتواصل فيه مناشداتهم للمؤسسات الحقوقية والنقابات الطبية للتدخل وإنقاذ حياته.
وبحسب مؤسسات حقوقية دولية، فإن العزل الانفرادي طويل الأمد يُصنف شكلاً من أشكال المعاملة القاسية واللاإنسانية، خاصة عندما يقترن بالإهمال الطبي والتدهور الصحي المستمر.
وتشير عائلة أنفيعات إلى أنه كان من أوائل الأسرى الذين قُطعت رواتبهم، وما يزال حتى اليوم دون أي معالجة لهذا الملف.
عائلة تعرف السجون جيداً
لا يعيش مناضل السجن وحده. فشقيقاه أيوب وقيصر من الأسرى المحررين، بينما ما يزال شقيقه الأكبر نضال معتقلاً داخل سجن “ريمون”، بعد أن أمضى 13 عاماً متواصلة في الأسر.
ورغم سنوات الاعتقال الطويلة، تقول عائلته إن أكثر ما كان يتمناه مناضل لم يكن الحرية بصورتها الكبيرة التي يتخيلها الناس، بل لحظة عائلية عادية. نفسي أجتمع مع إخوتي على مائدة واحدة”.
ستة عشر عاماً مرت دون أن تتحقق هذه الأمنية البسيطة.
وخلف أبواب العزل الثقيلة، ما يزال مناضل أنفيعات ينتظرها، بينما يواصل جسده خسارة معركة الوقت ببطء
آخر التقارير
-
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المح...
4 مايو 2026 -
من " تكسير العظام " إلى الضرب والتعذيب الممنهج داخ...
30 أبريل 2026 -
بين الجسد والذاكرة: شهادة من داخل السجن
28 أبريل 2026 -
بين صدمتين من فقد الأخ إلى أبواب السجن
25 أبريل 2026 -
خلف الشمس: منظومة الاحتجاز الإسرائيلية والانتهاكات...
17 أبريل 2026 -
حين تتحول الزنازين إلى محطات أخيرة في حياة الأسرى...
31 مارس 2026