تفاصيــل التقرير
من " تكسير العظام " إلى الضرب والتعذيب الممنهج داخل سجون الاحتلال
لم تكن سياسة "تكسير العظام" التي برزت خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى مجرد إجراء ميداني عابر، بل شكّلت ملامح نهج متكامل في التعامل مع الفلسطينيين، قائم على كسر الجسد لإخضاع الإنسان الفلسطيني وإرادته ، وحينها، وثّقت التقارير الصحفية والحقوقية آلاف حالات الضرب المبرح والكسور المتعمدة بحق الشبان الفلسطينيين ، التي أودت بحياة عدد من المعتقلين أو تركتهم بإصابات دائمة.
اليوم، وبعد عقود، لم يعد المصطلح متداولًا رسميًا، لكن الممارسة لم تختفِ؛ بل أعادت إنتاج نفسها داخل السجون عبر أدوات أقل صخبًا وأكثر استنزافًا ، وبين الأمس واليوم، تمتد خيوط واضحة تربط بين أجساد كُسرت في الشوارع، وأجساد تُستنزف خلف القضبان.
كسر الجسد في العلن
بزخمها ، شكّلت الانتفاضة الفلسطينية الأولى محطة مفصلية في تاريخ النضال الفلسطيني، ليس فقط بسبب الدور الشعبي، بل أيضًا بسبب طبيعة الرد الإسرائيلي الذي اتسم بالقسوة المفرطة والانتهاكات الممنهجة.
ومن أبرز السياسات التي اعتمدها الاحتلال في مواجهة المقاومة الشعبية ما عُرف إعلاميًا بـ "تكسير العظام"، وهي من أكثر السياسات الإجرامية التي اعتمدتها قوات الاحتلال لقمع الاحتجاجات الشعبية، واستهدفت بشكل خاص فئة الشباب ، ونُفِّذت على نطاق واسع في الضفّة الغربية وقطاع غزة ، كان الهدف الإسرائيليّ بثّ الرعب من خلال الضرب الشديد، الذي قد يصل حتى الموت، في محاولة لردع الناس عن الخروج في المظاهرات وكبح الانتفاضة.
في أواخر عام 1987، ومع اتساع رقعة المواجهات، أقرّ وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين سياسة " القوة والضرب "، والتي تُرجمت ميدانيًا إلى أوامر مباشرة للجنود باستخدام العنف الجسدي الشديد ضد المتظاهرين، بما في ذلك الضرب بالعصي والهراوات الثقيلة وأعقاب البنادق بشكل أدى في كثير من الحالات إلى كسور متعمدة في الأطراف.
وفي سياق الانتهاكات التي رافقت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، تبرز قضية الشهيد خضر إلياس الترزي كواحدة من الشهادات الصادمة على سياسة تكسير العظام وما رافقها من تعذيب ممنهج داخل مراكز الاعتقال.
ففي الثامن من شباط / فبراير عام 1988، اعتقلت قوات الاحتلال الشاب خضر الترزي (20 عامًا) من حي الزيتون شرق مدينة غزة، بعد شهرين فقط من اندلاع الانتفاضة ، ومنذ اللحظة الأولى، تعرّض لاعتداءات عنيفة، حيث تم ضربه بوحشية وربطه على مقدمة جيب عسكري أثناء نقله، في مشهد يجسّد طبيعة الانتهاكات التي كانت تُمارس ميدانيًا آنذاك.
نُقل الترزي لاحقًا إلى معتقل " أنصار 2 "، حيث تدهورت حالته الصحية بشكل حاد، وسط رفض إدارة المعتقل تقديم العلاج اللازم له، بذريعة أنه في حالة احتضار، وأمام صرخات وضغوط الأسرى، جرى تحويله إلى مستشفى سوروكا في بئر السبع، الذي رفض استقباله، قبل أن يُنقل مجددًا إلى مستشفى أشكلون، إلا أنه استشهد في الطريق بتاريخ التاسع من شباط / فبراير 1988.
عقب استشهاده، تم نقل جثمانه إلى معهد " أبو كبير " الطبي، حيث أفادت عائلته بوجود شبهات حول سرقة أعضاء من جسده، خاصة بعد تسليمه وهو يفتقد بعض أعضائه الداخلية وعينيه ، وأكد التقرير الطبي وقتها أنّ سبب الوفاة يعود إلى " الضرب المبرح والتعذيب الشديد " ، موثقًا إصابته بكسور في جمجمة الرأس، وكسر في العمود الفقري، إضافة إلى كدمات وكسور متعددة في أنحاء جسده.
ويُعدّ خضر الترزي أول من استشهد داخل سجون الاحتلال خلال انتفاضة الحجارة، لتبقى قضيته شاهدًا حيًا على مرحلة اتسمت باستخدام العنف المفرط والتعذيب كأدوات لقمع الفلسطينيين، وواحدة من أبرز الوقائع التي وثّقت طبيعة الانتهاكات في تلك الحقبة.
حالات التعذيب وتكسير العظام لم تكن بداية العهد بهذا الاجرام ، فاستنادًا إلى ما هو موثق ومُعلن من قبل مؤسسات الأسرى، يُعدّ الأسير يوسف الجبالي أول من استُشهد داخل السجون الإسرائيلية، وذلك بتاريخ 4 كانون الثاني/ يناير عام 1968 في سجن نابلس، ليشكّل اسمه بداية سجل طويل من الشهداء الذين قضوا تحت وطأة الاعتقال والضرب والتعذيب .
وفي السياق ذاته، يُسجَّل الأسير قاسم أبو عكر من القدس كأول شهداء أسرى المدينة، حيث استُشهد جرّاء التعذيب داخل سجن المسكوبية بتاريخ 23 آذار/ مارس عام 1969، في واحدة من أوائل الحالات التي وثّقت استخدام التعذيب كأداة داخل مراكز التحقيق.
كان المقدسي قاسم أبو عكر في الثلاثين في عمره عندما نقل إلى سجن المسكوبية، وتوقفت حياته عند ذلك العمر..وشهد سجن المسكوبية في القدس، أول حالة استشهاد في صفوف الحركة الأسيرة في القدس، ومنذ الثالث والعشرين من آذار عام 1969 ليلة مصرع أبو عكر على يد جلاديه وحتى اليوم وصل عدد الشهداء الأسرى إلى ( 326 ) شهيد حسب تقارير رسمية صادرة عن مؤسسات الأسرى .
تُظهر هاتان الحالتان المبكرتان أن سياسة التعذيب داخل السجون لم تكن طارئة، بل شكّلت نهجًا ممتدًا عبر العقود، سبق حتى أحداث الانتفاضة الفلسطينية الأولى، واستمر بأشكال وأساليب مختلفة حتى اليوم.
تُشير المعطيات الموثقة لدى مؤسسات الأسرى إلى أن التعذيب داخل السجون الإسرائيلية شكّل نهجًا ثابتًا منذ عام 1967، حيث سُجّل استشهاد (71) أسيرًا فلسطينيًا وعربيًا نتيجة التعذيب، إضافة إلى إصابة أعداد كبيرة بإعاقات دائمة جرّاء ما تعرضوا له من انتهاكات جسدية ونفسية قاسية.
وتكشف الإحصائيات أن التعذيب لم يكن استثناءً، بل تجربة شبه عامة رافقت الاعتقال، حيث أفادت تقارير مؤسسات الأسرى، بأن جميع المعتقلين تعرّضوا لشكل أو أكثر من أشكال التعذيب أو المعاملة المهينة ، فقد تعرّض 96% منهم للضرب، و94% للحرمان من النوم، و94% للإجبار على الوقوف لفترات طويلة، فيما تعرّض 89% لما يُعرف بـ”الشبح” إلى جانب الحرمان من الطعام والشراب، و70% لظروف من البرد أو الحر الشديد، و60% للاحتجاز في ظروف قاسية تُعرف بـ" الثلاجة " ، كما أفادت المعطيات بأن أكثر من 50% تعرّضوا لاعتداءات جسدية حساسة، بما في ذلك الضرب والضغط على الأعضاء التناسلية.
ولا تقتصر أساليب التعذيب على ذلك، إذ وثّقت الشهادات ممارسات أخرى بنسب متفاوتة، منها الهزّ العنيف، والتعرية، والتحرش والاعتداءات الجنسية، والتهديد بالاغتصاب أو تنفيذه، إضافة إلى استخدام أدوات حادة أو إدخال أجسام غريبة في الأعضاء التناسلية، والاعتداء بالهراوات والغاز المسيل للدموع، واستغلال الإصابات القائمة، فضلًا عن الصعق بالكهرباء، والعزل الانفرادي، والحرمان من الزيارات، والإهمال الطبي.
وتعكس هذه الأرقام والشهادات، بمجملها، صورة متكاملة عن منظومة من الانتهاكات التي رافقت تجربة الاعتقال، بما يشير إلى ترابط وثيق بين الاعتقال والتعذيب كسياسة مستمرة، وليست حالات فردية معزولة، وهو ما تؤكده تقارير حقوقية منذ ما قبل الانتفاضة الفلسطينية الأولى وحتى اليوم.
من الشارع إلى الزنزانة: انتقال سياسة الضرب
في المرحلة الحالية ، لم يعد " الكسر" يُمارَس على مرأى من العالم كما كان خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، بل انتقل إلى داخل الجدران المغلقة ، حيث تتراجع إمكانيات التوثيق وتضعف فرص المساءلة ، ورغم غيابه عن العلن، لم تختفِ سياسة تكسير العظام، بل أُعيد إنتاجها بأساليب مختلفة ضمن منظومة الاعتقال ، ومع مرور الوقت ، تحوّلت أدوات القمع من الميدان إلى مراكز التحقيق والسجون، حيث برزت منذ تسعينيات القرن الماضي أنماط ممنهجة من الانتهاكات، شملت الضرب المبرح، والحرمان من النوم، والعزل الانفرادي، و" الشبح "، إلى جانب سياسات التجويع والإهمال الطبي ، وتُصنَّف هذه الممارسات، وفق القانون الدولي، ضمن التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.
ورغم اختلاف الشكل بين المرحلتين، بقي الهدف واحدًا: كسر إرادة الإنسان الفلسطيني وإخضاعه بالقوة ، ويمكن قراءة ما جرى خلال الانتفاضة الأولى كأساس لنمط مستمر من الانتهاكات، تطوّر من العنف الميداني المباشر إلى منظومة أكثر تنظيمًا داخل السجون، دون أن يكون أقل قسوة ، فبدل أن تُمارَس سياسة كسر العظام في الشوارع ، باتت تُمارَس داخل غرف التحقيق والزنازين، بعيدًا عن الرقابة.
في المحصلة، لا يمكن فصل ممارسات الماضي عن الواقع الراهن داخل السجون؛ فهما حلقتان في سياق واحد يعكس استمرارية في النهج وتحوّلًا في الأدوات، وفي نموذج يعكس امتداد هذا النهج، تبرز حالة الأسير أمجد عوّاد، المعتقل منذ عام 2011 والمحكوم بالسجن خمسة مؤبدات وسبع سنوات، حيث تشير المعطيات إلى تعرضه لسلسلة اعتداءات جسدية ونفسية ممنهجة داخل سجن جلبوع.
ووفق إفادات مؤسسات الأسرى، فإن عوّاد يتعرض لاعتداءات متكررة باستخدام العصي الحديدية، ما أدى إلى إصابته بكسور ورضوض في أطرافه، إلى جانب استهداف مناطق حساسة في جسده، خاصة أسفل الأذنين، في أسلوب يهدف إلى إيقاع ألم شديد دون ترك آثار واضحة. كما يعاني من إصابات سابقة في الفم نتيجة تكسّر أسنانه، إضافة إلى تعرضه لإطلاق الرصاص المطاطي على أجزاء مختلفة من جسده.
ولا تقتصر الانتهاكات على الاعتداء الجسدي، بل تمتد إلى التضييق النفسي، حيث تتعرض الغرفة التي يُحتجز فيها لاقتحامات متكررة، في محاولة لزعزعة استقراره. كما فُرضت عليه قيود مشددة خلال زياراته القانونية، إذ مُنع من الحركة الطبيعية أثناء لقاء محاميه، واضطر للتواصل عبر الهاتف، ما حال دون استكمال الزيارة التي لم تتجاوز عشر دقائق.
إضافة للأسير عوّاد، تخرج شهادات أخرى من داخل السجون ، من بينها ما تعرّض له الأسير عاصم أبو الهيجا، الذي يروي تفاصيل اعتداءات جسدية قاسية منذ لحظة نقله بين السجون.
ووفق شهادته، فقد تعرّض للضرب المبرح من قبل عدد كبير من السجانين، باستخدام العصي وأدوات مختلفة، في مشهد اتسم بالعنف الجماعي والمكثف، حيث جرى الاعتداء عليه بشكل متكرر، مع تعمّد استهداف رأسه وجسده، ما أدى إلى تدهور حالته الصحية وفقدانه القدرة على المقاومة في بعض اللحظات.
كما أشار الأسير أبو الهيجا ، إلى احتجازه في ظروف قاسية داخل غرف معزولة، مع استمرار الاعتداءات بشكل شبه يومي، إلى جانب استخدام الغاز والضرب المتكرر، ما يعكس نمطًا واضحًا من التنكيل الممنهج الذي يتجاوز حدود العقاب إلى محاولة كسر الجسد نفسيًا وجسديًا.
في شهادة نشرها "المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى"، روى الأسير الفلسطيني المُحرَّر خالد بركات، الملقب بـ " الناجي من الموت "، تفاصيل ما تعرّض له من انتهاكات وتعذيب خلال فترة اعتقاله في معتقل " سديه تيمان " العسكري.
وبحسب إفادته، أمضى بركات 130 يومًا معصوب العينين ومكبّل اليدين والقدمين، في ظل اعتداءات يومية شملت مهاجمة الكلاب البوليسية للمعتقلين، واحتجازهم داخل أقفاص حديدية مكتظة، حيث وُضع نحو 130 معتقلًا في القفص الواحد تحت مراقبة مستمرة، مع تعرّضهم للضرب والإهانات عند أي حركة.
وأشار إلى تعرّضه لكسر في أضلاعه نتيجة التعذيب، مؤكدًا أنه لم يُعرض على طبيب حتى لحظة الإفراج عنه، ما أدى إلى استمرار الآلام نتيجة التئام الإصابات بشكل غير سليم ، كما وصف ظروفًا مهينة لاستخدام المرافق الصحية، حيث سُمح للمعتقلين باستخدامها مرة واحدة يوميًا في أفضل الأحوال، وهم مكبّلون، أو عبر دلاء داخل الغرف لا يتم تفريغها إلا في ظروف محددة.
وأضاف بركات أنه نُقل بين عدة مراكز احتجاز، وتعرض في معتقل "عوفر" لعمليات ضرب مبرح ومتكرر باستخدام العصي وأدوات حادة، ضمن نمط من التعذيب المنهجي. واستعرض حالة أحد الأسرى المرضى بالسكري، الذي تعرّض للإهمال والضرب رغم وضعه الصحي، ما أدى إلى تدهور خطير انتهى ببتر قدمه بعد نقله للمستشفى.
كما أفاد بتعرض المعتقلين لصعقات كهربائية خلال عمليات النقل، إلى جانب الضرب المستمر داخل الحافلات باستخدام أدوات حديدية ، وتطرّق إلى الظروف المعيشية القاسية داخل السجون، مشيرًا إلى سحب الفرشات خلال فصل الشتاء، وغياب الملابس المناسبة، وانتشار الأمراض الجلدية مثل الجرب بين الأسرى.
وختم شهادته بالإشارة إلى غياب الرقابة الدولية، مؤكدًا أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر لم تزُرهم طوال فترة اعتقاله، إلى جانب تعرّضهم لتهديدات مباشرة بالقتل، وإبلاغهم بمزاعم حول قصف منازلهم واستهداف عائلاتهم، في إطار ضغوط نفسية مكثفة.
نهج مستمر بأدوات متغيرة
إذا كانت سياسة " تكسير العظام " خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى قد استهدفت كسر الجسد بشكل مباشر وسريع، فإن ما يجري اليوم داخل السجون يعكس تحولًا في الوسائل لا في الهدف ، فالكسر لم يعد لحظيًا، بل أصبح عملية بطيئة تقوم على الاستنزاف الجسدي والنفسي .
وبين شاب كُسرت عظامه في الشارع قبل عقود، وأسير يُترك اليوم يواجه الضرب والتعذيب ، المرض والعزل خلف القضبان، يتبدل الشكل وتبقى النتيجة واحدة : إنهاك الجسد حتى حدّه الأخير.
آخر التقارير
-
بين الجسد والذاكرة: شهادة من داخل السجن
28 أبريل 2026 -
بين صدمتين من فقد الأخ إلى أبواب السجن
25 أبريل 2026 -
خلف الشمس: منظومة الاحتجاز الإسرائيلية والانتهاكات...
17 أبريل 2026 -
حين تتحول الزنازين إلى محطات أخيرة في حياة الأسرى...
31 مارس 2026 -
بيان صادر عن مؤسسة العهد حول استشهاد الأسير الصحفي...
28 مارس 2026 -
حين يُصبح الإعدام قانونا...
26 مارس 2026