تفاصيــل التقرير
بين صدمتين من فقد الأخ إلى أبواب السجن
قصة كرم وادي، الذي اعتُقل من مركز إيواء في شمال قطاع غزة في ديسمبر 2023، ليقضي 23 شهرًا بين التحقيق والسجون، بينما كانت عائلته تبحث عنه كأحد المفقودين
في 9 ديسمبر 2023، داخل مدرسة خليفة التي تحولت إلى مركز إيواء للنازحين شمال قطاع غزة، كان كرم عبد الناصر نمر وادي يحاول استيعاب خبر استشهاد شقيقه قبل ثلاثة أيام فقط. لم يكن قد خرج بعد من صدمة الفقد، حين وجد نفسه أمام مسار آخر تمامًا: الاعتقال.
في ذلك المكان المؤقت، الذي جمع مئات النازحين هربًا من القصف، لم يدم الإحساس بالأمان طويلًا. حين دخل الجنود وطلبوا من الشبان الاصطفاف، تحولت ساحة المدرسة خلال دقائق إلى نقطة فرز. كل من تجاوز الثامنة عشرة أُخرج من بين العائلات، دون سؤال أو تدقيق.
“طلبوا من الشباب يطلعوا”، يقول كرم. كان عمره حينها ثمانية عشر عامًا “بالضبط”. لم تُؤخذ إصابته بعين الاعتبار، ولا حالته النفسية بعد فقد شقيقه. “كان الأخذ عشوائي”.
من ساحة المدرسة إلى زنازين التحقيق
قُيّد مع آخرين، ونُقلوا في آليات عسكرية، لتبدأ رحلة امتدت 23 شهرًا. بين التحقيق والتنقل في السجون، تكررت التفاصيل القاسية نفسها: اكتظاظ شديد، طعام محدود، وعلاج غائب أو مؤجل.
تنقّل كرم بين عدة سجون، من بينها عسقلان وعوفر والنقب.
في سجن النقب، عاش داخل خيمة مع 37 أسيرًا في مساحة لا تتجاوز خمسين مترًا مربعًا.
النوم متلاصق، والحركة محدودة، والهواء نفسه يبدو أقل من أن يكفي الجميع. “كنا نتكركب”، يقول.
الأمراض كانت جزءًا من الحياة اليومية. أصيب بمرض جلدي (الإسكابيوس) لفترة طويلة دون علاج فعلي. لم يكن هناك خيار سوى الاعتماد على بعضهم البعض. “كنا نعالج بعض بأدوات بسيطة”.
الاقتحامات كانت تقطع هذا الروتين بشكل متكرر. وحدات خاصة تدخل، يُطلق الغاز والرصاص المطاطي، ويتعرض الأسرى للضرب. في إحدى المرات، انفجرت قنبلة قرب أذنه، ما أدى إلى فقدان جزئي في السمع. وفي مرة أخرى، استخدم غاز يقول إنه “حرق الجلد وأفقدهم القدرة على المقاومة”، واستمرت آثاره لأيام.
خارج السجن حياة تتفكك في الغياب
خلال فترة اعتقاله، فقد كرم والده وشقيقين. لم تصله الأخبار في حينها، ولم يتمكن من وداعهم. لثمانية أشهر، لم تكن عائلته تعرف عنه شيئًا، بعد تعذر وصول المحامين إليه. “كانوا معتبريني من المفقودين”، يقول.
صُنّف كرم تحت مسمى “مقاتل غير شرعي”، وهو توصيف يُستخدم للاحتجاز دون مسار قانوني واضح، ويتيح تجديد الاعتقال دوريًا. عُرض على المحكمة خمس مرات، وفي كل مرة كان القرار التمديد لستة أشهر إضافية. خلال ذلك، لم يُسمح له بلقاء محامٍ، رغم محاولات عائلته.
حتى لحظات الأمل لم تكن مستقرة. في إحدى المرات، أُدرج اسم كرم ضمن صفقة تبادل، والتقى بالفعل بمندوبين من الصليب الأحمر، في خطوة كان يفترض أن تسبق خروجه. لكن ذلك لم يكتمل. أُعيد إلى السجن مرة أخرى.
“كانت انتكاسة كبيرة”، يقول. لم يكن الأمر مجرد تأجيل للإفراج، بل عودة مفاجئة إلى النقطة ذاتها، بعد أن بدأ يتخيل نفسه خارجها.
لاحقًا، في 13 أكتوبر، جاء اسمه مجددًا ضمن صفقة أخرى. هذه المرة، خرج فعليًا. لحظة الإفراج كانت أقرب إلى حالة من الارتباك الجماعي، أكثر منها لحظة واضحة المعالم؛ انتقال سريع من مساحة مغلقة إلى فضاء مفتوح لا يزال غير مفهوم بالكامل.
خارج البوابات، لم يكن المشهد هادئًا. عائلات كانت تسبق وصول الحافلات، تبحث بين الوجوه عن أبنائها الذين انقطعوا لسنوات، وأصوات تنادي أسماءً لم تُنطق منذ زمن. كان اللقاء يحدث على شكل اصطدام مفاجئ بين الغياب الطويل ومحاولة استعادته في لحظة واحدة.
داخل هذا المشهد، خرج الأسرى إلى عالم تغيّر كثيرًا عمّا تركوه خلفهم. الطرقات التي عرفوها لم تعد كما هي، والمباني التي حفظوها في الذاكرة كانت قد تبدلت أو اختفت. بعضهم كان يحدّق بصمت في الدمار الممتد، وكأنهم يحاولون إعادة تركيب صورة مدينة لم تعد تشبه نفسها.
لم يكن السجن ينتهي عند البوابة. يقول كرم إنه خرج وهو يحمل معه وجوهًا وأسماءً بقيت في الداخل، وأيامًا يعرف أنها ما زالت تتكرر هناك. حتى بعد الإفراج، بقي جزء منه عالقًا في تلك المساحة.
خارج السجن، تبدو الحياة وكأنها استعادت شكلها الطبيعي، لكن بالنسبة لكرم، لا تزال هناك فجوة يصعب ردمها. ليس فقط بسبب ما عاشه، بل بسبب ما يعرف أنه ما زال مستمرًا هناك.
في كل مرة يُذكر فيها اسم سجن، لا يتعامل معه كمكان بعيد، بل كمساحة ما زال جزء منه عالقًا فيها. كأن الخروج لم يكن قطيعة كاملة، بل انتقالًا بجسد واحد، وترك الباقي خلفه.
آخر التقارير
-
خلف الشمس: منظومة الاحتجاز الإسرائيلية والانتهاكات...
17 أبريل 2026 -
حين تتحول الزنازين إلى محطات أخيرة في حياة الأسرى...
31 مارس 2026 -
بيان صادر عن مؤسسة العهد حول استشهاد الأسير الصحفي...
28 مارس 2026 -
حين يُصبح الإعدام قانونا...
26 مارس 2026 -
بيان صادر عن مؤسسة العهد الدولية حول ما يسمى "قانو...
26 مارس 2026 -
الأسير المحرر محمد البكري: رمضان خلف أسوار السجن،...
24 مارس 2026