تفاصيــل التقرير
الأسير المحرر أحمد أبو راس: الحياة بصحبة الموت
في متاهات السجون ودهاليزها، أحداث لا يتصورها عقل، وقصص تفوق الخيال، وخلال حرب الابادة التي أكلت الأخضر واليابس، وأكلت كل قانون وميثاق وإنسانية، مورست بحق المعتقلين فظائع لا يزال كثير منها طيّ الكتمان.
الممر "اللآمن:
خلال الأشهر الأولى للحرب ومع بداية الاجتياح البريّ للقطاع، طلبت قوات الاحتلال من المواطنين النزوح جنوباً إلى مدن وسط وجنوب القطاع، وحددت لهم مساراً معيناً أطلقت عليه اسم الممر الآمن، لكنه كان مصيدة لاختطاف الفلسطينيين.
في نوفمبر عام ٢٠٢٣ كان أحمد أبو راس برفقة زوجته وطفله ذي العام الواحد، يعبرون حاجز نيتساريم الذي يتوسط طريق النزوح، وهناك قام الجندي بالمناداة عليه بلون ملابسه، ثو ذكره بالاسم، وطلب منه الاقتراب من ساتر تجمع الجنود، وهناك أخذ رقم بطاقة الهوية وبصمة العين، وأمره بخلع ملابسه قم تم تكبيله بمرابط بلاستيكية خلف ظهره، سمح الجنود لعائلته بالمرور، أما هو فبدأت رحلته القاسية منذ تلك اللحظة، حيث وضع الجندي علامة على ظهره وكتب عليه "إعدام"، لكن الضابط أمره بعدم قتله، لأنهم بحاجة إليه، في تلك اللحظة لم يكن أحمد يعلم أن الموت كان أكثر الخيارات رحمة!
درع بشري ثم جثة حية
اقتيد أحمد عارياً مقيداً إلى موقع فجة العسكري في منطقة بئيري، وهناك استخدم كدرع بشري لموقع المدفعية هناك، وبقي على تلك الحال 48 ساعة، دون ملابس ولا أغطية ولا طعام، وبعد ذلك نقل إلى مركز احتجاز سديه تيمان، حيث قابله الطبيب وسأله عن وضعه الصحي، شرح له أحمد أنه يعاني أمراضاً ويحتاج دواءً بعينه، لكن ذاك لم يكن في الحسبان، ثم أعطوه ملابس للمرة الأولى منذ ثلاثة أيام، واقتيد إلى التحقيق مباشرة، حيث ما لم يكن أيضاً في الحسبان.
خلال فترة التحقيق التي استمرت ٢٤ ساعة، مكث أحمد في منطقة "الديسكو" التي تحتوي على سماعات ضخمة مشغلة طوال الوقت، مقيداً ومعصوباً على فراش متعفن لا يصل سمكه إلى سنتيمترين، وغطاء قذر مبتل بالماء، في مكان مفتوح لا سقف له، ويسلط عليهم مراوح كبيرة، وزيادة على ذلك يتلقون المسبات والكلام البذيء وسب الذات الإلهية.
جحيم التحقيق
داخل غرف شهدت إزهاق الكثير من الأرواح، قضى أحمد ١٣ يوماً، على حافة العيش، لا يصل إلى الموت، ولا تصله الحياة، استمرت جولات التحقيق المتتالية، كل جولة بين ٦ ساعات و١٢ ساعة، يذوق فيها عذابات لا تتصور؛ كان المحققون يسألون أسئلة لا يعرفها المواطنون، ثم ينهمونهم بالكذب، ويصبون جام غضبهم عليهم، وفي إحدى الجولات قامت المحققة بخلع أظافر أحمد العشرين، وتعرض للضرب والإذلال المتواصل.
الموت يحوم بين الأسرى
خلال مكوث أبو راس في سديه تيمان، وبعد حوالي ١٠ أيام على انقضاء التحقيق، استشهد أسير في القسم من شدة البرد، بعد أن رفض الجنود إعطاءه غطاءً، وبعد إخراج جثته من القسم، وسط ذهول وصدمة الأسرى، قامت القوات بقمع القسم بحجة أنهم صلوا على الشهيد، رغم أن وضعهم لا يسمح لهم بفعل ذلك.
أما القمع فقصة عذاب أخرى، يقتحم الجنود المكان ويكيلون الضرب المبرح للجميع، يقول أحمد عن قمعه: "بعد أن عانيت ما عانيت من الضرب، أحضروا الكلب البوليسي، فوضع رجليه على أكتافي ورأسه فوق رأسي، وكان لعابه يسيل على وجهي، ثم تركوني مقيداً بأصفاد حديدية مدة يومين ممنوعاً من غسل وجهي، أو استخدام الحمام.
الكذبة الكبرى
بعد قرابة أسبوعين على جحيم سديه تيمان، جاء الضابط وقال لنا: "إنتو اليوم مروحين على غزة". فرح المحتجزون الغارقون في عذاباتهم، وبدأت عمليات نقلهم، لكنهم لم يكونوا يعلمون أنهم في كذبة كبيرة تنتهي بهم موزعين بين سجون الاحتلال المركزية.
في المحطة الأولى من النقل، وصل الأسرى إلى مكان عند مدخل بئر السبع، يطلقون عليه اسم "الكلابة"، كانوا ينزلونهم بأعداد محدودة، وبمجرد دخولهم المكان، يسمع الأسرى من الخارج أصوات الكلاب المسعورة المرعبة، فيتخيلون أن زملاءهم قد أكلوا، يقول أحمد: "نظرت بجانبي فرأيت زميلي وسألته برعب: إيش حيصير؟ فقال لي: خلص، احنا حنموت"!
عندما أدخل أحمد الكلابة، كانت مساحتها ١٠٠ متر، ملأى بالجنود، ومع كل جندي عصا، أو حديدة أو صاعق كهربائي أو كلب، بمجرد الدخول يبدأ الضرب بكل الأشكال، ثم التعذيب الممنهج، حيث تعرض أحمد للشنق بالمرابط البلاستيكية، لمدة دقيقة حتى فقد الوعي، فتركوه ملقى على الأرض وداسوا عليه بالبساطير، حتى أفاق، ومن ثم أمروا الكلب البوليسي بالهجوم عليه، فنهشه بأظافره ومزّق ملابسه، أخيراً أخذوه للطبيب الذي يسأل عن مناطق الألم، ثم يضربه عليها بشكل متعمد ومقصود!
تلقى أحمد برفقة الأسرى هذه العذابات وهم يطنون أنهم عائدون إلى بيوتهم، لكنهم في الحقيقة نقلوا إلى النقب.
التحقيق من جديد
عند وصولهم النقب، كان الضباط يستقبلون الأسرى بما يسمى "التشريفة"، حيث يسير الأسرى 50 متراً، مقيدين الأيدي والأقدام، وعلى الجانبين جنود يضربونهم ويسكبون عليهم ماءً ساخناً، ثم يتم تفتيشهم تفتيشاً عارياً، وحين يصلون القسم، يتم استدعاؤهم للتحقيق المعروف باسم "المسلخ"، حيث الشبح، الضرب، والتعذيب، يقول أحمد: "علقوني من قدميّ بالجنازير، مقلوباً رأساً على عقب، مدة ثلاثة أيام، وكان المحقق يمسك رأسي ويضعه في المرحاض، ويصعقني بالكهرباء، جسمي مليء بآثار الحروق".
أما التهمة؟ لا توجد تهمة، يحاولون فقط تكوين بنك معلومات، وفي أول محكمة صورية عرض عليها أبو راس، تم اتهامه بكونه مقاتل غير شرعي، تهمة لا دليل عليها ولا تفاصيل لعقابها.
عذابات النقب
في سجن النقب، لا طعام، لا شراب، لا غطاء، لا ملابس، وفي برد الشتاء والمنخفضات، كان الأسرى يلبسون بلوزة نص كم وبنطالاً خفيفاً، الطعام في الوجبات الثلاثة، لا يكفي طفلاً بعمر الخمس سنوات لوجبة واحدة.
الاستحمام بمياه باردة، وخلال 14 شهراً، استحم أحمد بماء ساخن مرة واحدة فقط.
هناك مقص واحد مخصص ل 150 شاب، كل ثلاث شهور يصلك الدور، فتختار إما أن تحلق شعرك أو أن تقص أظافرك.
المياه تتوفر كل 24 ساعة، ساعة واحدة فقط.
ومع كل هذا الذل، انتشر مرض الجرب بين الأسرى، قام الجنود بإعطائهم دواءً قالوا إنه علاج، لكن المرض زاد، وظهرت عليهم أعراض أخرى مثل الأرق والتوتر.
يقول أحمد: "في يوم جاءت وحدة القمع، وأخذونا إلى غرف العقاب، وعند عودتنا وجدنا الضابطة ترش بخاخاً على ملابسنا، بعدها انتشر المرض، ثم قام السجانون بتدوير بين الأقسام وبين سجون النقب وعوفر ونفحة لينتشر أكثر، ولم يتم علاجنا إلا عندما بدأت العدوى تظهر على الجنود".
كانت هنالك عمليات تحرش ببعض الشباب، والكثيرون استشهدوا في السجون، وفي تجربة أحمد أبو راس وحدها، شهد موت ثلاثة من الأسرى، ويقول إن هؤلاء الشباب "قتلوا"، ويذكر أسماءهم: صايل أبو سعد، الذي تركوه ينزف حتى الموت، أشرف أبو وردة، الذي أصيب بجلطة ورفضوا علاجه، وعلاء، الذي تركوه بدون طعام أكثر من شهر، مضيفاً:
"هؤلاء رأيتهم بعيني في القسم الذي كنت فيه".
عناد، أمانة، وأمل
رغم كل شيء، داخل السجن كان الأسرى يقاومون، ويحاولون صناعة حياة، أقاموا مسابقات لحفظ القرآن، ومسابقات ثقافية، صاموا أيام الاثنين والخميس، ويدعون بعضهم على الفطور، ويقيمون كل يوم خميس حفل مديح نبوي، يضيف أحمد: " كنا نحتفل بعيد ميلاد أو ذكرى زواج، نجمع بعض الخبز والمربى واللبن ونصنع ما يشبه الكعكة، ورغم منع الصلاة، كنا نصلي جماعة داخل الخيمة، كانت عزيمة الشباب فوق".
يعبر أحمد عن امتنانه لأية مجهودات لمناصرة الأسرى وتفعيل قضيتهم، ويؤكد على وجوب أن تكون مستمرة، ويؤكد على وعده الذي قطعه على نفسه بأن يكون صوت الأسرى ويوصل أمانة تحريرهم.
آخر التقارير
-
بيان صادر عن مؤسسة العهد حول استشهاد الأسير الصحفي...
28 مارس 2026 -
حين يُصبح الإعدام قانونا...
26 مارس 2026 -
بيان صادر عن مؤسسة العهد الدولية حول ما يسمى "قانو...
26 مارس 2026 -
الأسير المحرر محمد البكري: رمضان خلف أسوار السجن،...
24 مارس 2026 -
في عيد الأم.. أمهات خلف القضبان 39 أمًّا في سجون ا...
22 مارس 2026 -
عيد في الزنازين كيف سرقت حرب الإبادة آخر ما تبقى م...
20 مارس 2026