تفاصيــل التقرير
سياسة القفل كيف تحولت السجون الإسرائيلية إلى نظام للإعدام البطيء
في ظل التطورات المتسارعة المرتبطة بحالة الطوارئ المُعلنة إثر الحرب على إيران، أعلنت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير تعليق جميع الجلسات القضائية للأسرى إلى أجل غير مسمى، وإلغاء كافة زيارات السجون هذا الأسبوع مع احتمالية كبيرة لاستمرار الإلغاء. والأخطر: أن كل أسير كان مقرراً الإفراج عنه ولم يُطلق سراحه، يُعدّ اعتقاله الإداري مجدَّداً تلقائياً — دون جلسة، ودون قرار.
حين تُغلق الأبواب على الأبواب
ثمة مصطلح يتداوله الأسرى الفلسطينيون المحررون في وصف لحظات القسوة القصوى داخل السجون الإسرائيلية. يسمونه بينهم «سياسة القفل». لا يظهر هذا المصطلح في الوثائق الرسمية لمصلحة السجون الإسرائيلية المعروفة باسم الشاباص، لكنه يتكرر في شهادات الأسرى الذين خرجوا من الزنازين هزيلي الأجساد مثقلين بتجربة عزل شامل يكاد يبتلع الإنسان من الداخل.
يعني القفل في مفهومه — كما يرويه الأسرى — إغلاق كل منفذ على الأسير في وقت واحد: إغلاق باب الزيارة، وباب المحامي، وباب الطعام الكافي، وباب الدواء، وباب الضوء، وباب الخبر. يصبح الأسير محاصراً داخل مساحة ضيقة من الجدران والوقت حتى يكاد ينسى أن أحداً في الخارج يعلم بوجوده.
ما كان يُروى سابقاً كإجراءات استثنائية في فترات التصعيد بات اليوم أقرب إلى نمط دائم من إدارة السجون، يتكثف كلما انشغل العالم بصراعاته الكبرى وابتعد الضوء أكثر عن الزنازين.
الأرقام التي لا تنتظر
يبلغ عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 11,100 أسير ومعتقل — وفق آخر الأرقام الصادرة عن وزارة شؤون المرأة حتى أكتوبر 2025 — بينهم 53 أسيرة، اثنتان منهن من قطاع غزة، ونحو 350 طفلاً يحتجزهم الاحتلال في سجني مجدو وعوفر. ومنذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى اليوم ذاته من عام 2025، سُجِّلت نحو 20 ألف حالة اعتقال في الضفة الغربية والقدس، من بينها 595 امرأة.
ويشكّل المعتقلون الإداريون النسبة الأعلى بين فئات الأسرى، إذ يبلغ عددهم نحو 3358 معتقلاً — أي ما يقارب 36% من إجمالي الأسرى — محتجزون دون توجيه تهمة رسمية إليهم ودون سقف زمني واضح، استناداً إلى ملفات سرية لا يسمح حتى لمحاميهم بالاطلاع عليها.
ولا تشمل هذه الأرقام آلاف المعتقلين المحتجزين في المعسكرات العسكرية التابعة لجيش الاحتلال، ولا سيما أولئك الذين اعتقلوا من قطاع غزة منذ اندلاع الحرب؛ حيث تشير تقارير حقوقية إلى وجود أعداد كبيرة منهم في مراكز احتجاز عسكرية لا تخضع لرقابة مستقلة، وصفتها منظمات حقوقية بأنها أقرب إلى الإخفاء القسري الجماعي.
خلف هذه الأرقام بشر — لكل رقم اسم، وخلف كل اسم أم تنتظر، وطفل لا يعرف متى يعود أبوه.
حين يتحول السجن إلى مساحة للعقاب المفتوح
تظهر شهادات عدد كبير من الأسرى المحررين خلال الأشهر الأخيرة تصعيداً غير مسبوق في ممارسات القمع داخل السجون الإسرائيلية، تشمل الضرب الممنهج والرش بالغاز، واقتحام الغرف بشكل متكرر من قبل الوحدات الخاصة، وإجبار الأسرى على النوم في ظروف برد قاسية، إضافة إلى سياسة إهمال طبي ممنهجة تسببت بانتشار أمراض جلدية كالجرب في بعض الأقسام.
وتمتد القيود لتطال الحياة الدينية أيضاً؛ ففي شهر رمضان تفرض إدارة السجون قيوداً تمنع الأسرى من أداء الصلاة الجماعية وقراءة القرآن بصورة طبيعية، مع مراقبة مستمرة وتحذيرات متكررة من أي تجمعات داخل الغرف. وتترافق هذه القيود مع اقتحامات دورية ومنتظمة للأقسام، وفرض عقوبات جماعية، وأساليب ضغط جسدي ونفسي تهدف إلى كسر الإرادة.
وأكد مكتب إعلام الأسرى أن عدداً من أسرى غزة المحتجزين في سجن الرملة يواجهون ظروفاً بالغة القسوة، مع قيود تمنعهم من نقل تفاصيل دقيقة عن أوضاعهم أو إرسال رسائل موسّعة لذويهم. وتشير شهادات إلى إجبار بعض الأسرى على البقاء معصوبي الأعين لساعات طويلة يومياً، باستثناء فترات محدودة للاستحمام.
هذا ما يصفه الأسرى بسياسة القفل في تجليها الأشد قسوة لا خبر يصل إلى الداخل، ولا صوت يخرج إلى الخارج.
الإعدام البطيء
منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 استشهد أكثر من مئة أسير فلسطيني داخل السجون الإسرائيلية، وفق تقديرات مؤسسات حقوقية فلسطينية، وسط مخاوف جدية من أن يكون العدد الحقيقي أكبر في ظل التعتيم المفروض على بعض أماكن الاحتجاز.
وتشير شهادات الأسرى إلى تدهور حاد في مستوى الغذاء والرعاية الطبية، إذ فقد كثيرون منهم ما لا يقل عن خمسة وعشرين كيلوغراماً من أوزانهم جراء التجويع وسوء التغذية. وتتكرر الحالات التي يخرج فيها الأسير بجسد منهك وأمراض مزمنة مكتسبة داخل الزنزانة.
ومن أبرز الحالات التي وثّقتها مؤسسات حقوقية، استشهاد الأسير المحرر خالد الصيفي — البالغ سبعة وستين عاماً — بعد أسبوع واحد فقط من الإفراج عنه، إذ خرج في حالة صحية حرجة نتيجة ما تعرض له خلال فترة اعتقاله. كذلك يُروى عن أسرى آخرين أن قضاءهم فترات طويلة دون رعاية طبية كافية تسبّب بإصابات دائمة وأمراض لا يمكن تعويضها بعد الإفراج عنهم. وفي الحالتين، لم يُطلَق سراحهم أحراراً — بل أُفرج عن أجساد أنهكها نظام ممنهج.
الأسيرات: وجه آخر للإعدام البطيء
في يوم المرأة العالمي من مارس 2026، أصدرت وزارة شؤون المرأة الفلسطينية تقريراً تحليلياً بعنوان «الأسيرات الفلسطينيات: الواقع والانتهاكات والتحديات»، كشف عن أبعاد إنسانية بالغة الخطورة غالباً ما تغيب عن التغطيات الإعلامية.
وثّق التقرير معاناة الأسيرات من العزل الانفرادي المطوّل، والتحقيق المتواصل، والحرمان من الزيارات، والإهمال الطبي المتعمد، والتجويع، والاكتظاظ الشديد. كما تضمّن شهادات موثقة حول الضرب والتعذيب والتحرش الجنسي والتهديد بالاغتصاب ممارسات تستهدف كسر الإنسانة قبل كسر الأسيرة.
وتبرز من بين الحالات الموثقة صورة مركّبة من المعاناة: أسيرة مصابة بالسرطان محرومة من العلاج، وأم حامل تعاني نقص الرعاية الصحية وغياب الخدمات الطبية المتخصصة، وأمهات اعتُقلن إلى جانب بناتهن، وشقيقتان تقضيان محكوميتهما معاً خلف القضبان. خلف كل حالة منهن عائلة مُفككة وأطفال ينتظرون.
ويُضاف إلى ذلك استمرار سياسة الإخفاء القسري بحق أسيرات من غزة، وعدم الإفصاح عن أماكن احتجازهن — مما يجعل التحقق من أوضاعهن أو التدخل لصالحهن شبه مستحيل.
595 امرأة اعتُقلت منذ أكتوبر 2023. ليس أرقاماً — بل أمهات وبنات وشقيقات اختُطفن من حياة كاملة.
تشريع الموت
في موازاة السياسات الميدانية داخل السجون، تتحرك الحكومة الإسرائيلية على المسار التشريعي أيضاً. فقد دفعت الحكومة بمشروع قانون يتيح تنفيذ عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، وأجاز المشروع القراءة الأولى في الكنيست وسط مخاوف حقوقية من أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العقوبات القصوى.
ويرى مراقبون أن هذا المسار التشريعي يأتي في سياق بيئة سياسية إسرائيلية تتجه نحو مزيد من التشدد، مستفيدةً من حالة الانشغال الدولي وتراجع الضغط الفعلي على سياسات الاحتلال.
الإخفاء القسري
من بين أخطر الممارسات التي رافقت الحرب الأخيرة، توسعت ظاهرة الإخفاء القسري بحق المعتقلين الفلسطينيين، خصوصاً أولئك الذين اعتقلوا من قطاع غزة. فقد أجرت سلطات الاحتلال تعديلات على ما يسمى «قانون المقاتل غير الشرعي»، مما يتيح احتجاز المعتقلين لفترات مطولة دون الكشف عن أماكنهم أو السماح بزيارتهم من قبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر — التي أعربت بدورها عن قلق بالغ إزاء تقييد وصولها إلى هؤلاء المحتجزين.
هذا يعني ببساطة أن هناك أسرى مجهولي الأعداد الحقيقية، مجهولي المواقع، مجهولي الظروف — أسرى خارج السجلات الرسمية تقريباً، خلف جدران لا يراها أحد.
القانون الدولي حروف بلا قوة
منذ عام 1967 اعتقلت إسرائيل أكثر من 750 ألف فلسطيني، أي ما يقارب عشرين بالمئة من سكان الأراضي الفلسطينية وأربعين بالمئة من الذكور الفلسطينيين.
ورغم أن القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف تنص صراحةً على حماية المعتقلين في النزاعات المسلحة، فإن الأسرى الفلسطينيين يُحرمون عملياً من هذه الحماية، ويجري التعامل معهم وفق أنظمة استثنائية تفرضها مصلحة السجون الإسرائيلية. وتشير تقديرات مؤسسات حقوقية إلى أن أكثر من تسعين بالمئة من الالتماسات القانونية المقدمة لتحسين ظروف الأسرى يتم رفضها.
حين تتوقف العدالة بمرسوم
في مارس 2026، أضافت حالة الطوارئ المُعلنة طبقةً جديدة من الإغلاق فوق إغلاق السجون. أعلنت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير تأجيل جميع الجلسات القضائية — جلسات التثبيت والاستئناف والمرافعات — إلى أجل غير مسمى، دون تحديد مواعيد بديلة.
وتقتصر الجلسات المنظورة حالياً أمام المحاكم العسكرية على تمديد التوقيف حصراً، دون النظر في أي ملفات أخرى. أما الالتماسات المقدمة قبل إعلان حالة الطوارئ فلا تزال قيد الانتظار، ولا يُسجَّل أي التماس جديد إلا في الحالات التي تعتبرها المحكمة «ضرورية للغاية».
والأشد خطورة في هذا كله: أن كل أسير كان مقرراً الإفراج عنه ولم يُطلَق سراحه يُعدّ اعتقاله الإداري مجدَّداً تلقائياً — دون جلسة، ودون قرار مُعلَن، ودون أي إجراء قانوني. تُلغى كافة زيارات السجون أيضاً، مع احتمالية كبيرة لاستمرار الإلغاء الأسبوع القادم.
حين يصبح الصمت جريمة
حين تحدث الأسرى المحررون عن «سياسة القفل» كانوا يصفون لحظات استثنائية من القسوة داخل السجون. اليوم تبدو تلك اللحظات وكأنها تحولت إلى واقع يومي.
أكثر من تسعة آلاف أسير فلسطيني يعيشون خلف القضبان في وقت ينشغل فيه العالم بأزماته الكبرى. خلف كل رقم منهم قصة، وخلف كل قصة عائلة تنتظر خبراً قد لا يأتي.
الصمت الطويل الذي يحيط بالسجون لا يلغي ما يجري داخلها — بل يجعله أكثر خطورة. الجريمة التي لا تُرى كثيراً ما تستمر أطول.
وترى مؤسسة العهد الدولية، في ضوء ما وثّقته من مئات الشهادات الميدانية، أن ما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية لا يندرج في خانة الانتهاكات الفردية أو الاستثنائية، بل يشكّل منظومة ممنهجة من الجرائم تستوجب المساءلة القانونية الدولية.
وتؤكد المؤسسة أن الأسرى الفلسطينيين مشمولون بالحماية المنصوص عليها في اتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة، ولا سيما بعد انضمام دولة فلسطين إليهما، مما يُلزم سلطات الاحتلال قانونياً بضمان الرعاية الطبية والغذاء الكافي وإتاحة الزيارات وإخطار ذوي المعتقلين. وأن امتناع إسرائيل عن تطبيق هذه الاتفاقيات لا يُسقط الالتزام القانوني الدولي، بل يرسّخ وصف الاحتلال بالدولة المارقة على القانون الإنساني.
كما تُصنّف المؤسسة الاعتقال الإداري المفتوح — الذي يُجدَّد تلقائياً دون جلسة ودون توجيه تهمة — انتهاكاً صريحاً للمادتين 42 و78 من اتفاقية جنيف الرابعة، اللتين لا تجيزان الاعتقال إلا لأسباب أمنية قهرية ولفترة زمنية محدودة، لا أن يتحول إلى عقوبة مفتوحة بلا سقف.
وتدعو المؤسسة المجتمع الدولي والمحكمة الجنائية الدولية — التي باتت تملك اختصاصاً صريحاً على الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية منذ عام 2021 — إلى تفعيل آليات المساءلة بحق المسؤولين عن سياسات التجويع والتعذيب والإخفاء القسري، مؤكدةً أن الصمت الدولي في مواجهة جرائم موثقة بالشهادات والأرقام يُعدّ شريكاً في استمرارها.
آخر التقارير
-
بيان صادر عن مؤسسة العهد حول استشهاد الأسير الصحفي...
28 مارس 2026 -
حين يُصبح الإعدام قانونا...
26 مارس 2026 -
بيان صادر عن مؤسسة العهد الدولية حول ما يسمى "قانو...
26 مارس 2026 -
الأسير المحرر محمد البكري: رمضان خلف أسوار السجن،...
24 مارس 2026 -
في عيد الأم.. أمهات خلف القضبان 39 أمًّا في سجون ا...
22 مارس 2026 -
عيد في الزنازين كيف سرقت حرب الإبادة آخر ما تبقى م...
20 مارس 2026