تفاصيــل التقرير

الأسيرات الفلسطينيات بعد أكتوبر 2023 تصاعد الاعتقال وتحديات الحماية القانونية


في شهر المرأة… من يحتفي بهن ومن يحصيهن

في مارس من كل عام، تُضاء المنصات الدولية احتفاءً بالمرأة. تُرفع شعارات الحماية والكرامة والمساواة. لكن في مارس 2026، كانت سبعون فلسطينية تقريباً خلف الجدران، وفق تقرير صادر عن مركز فلسطين لدراسات الأسرى حتى نهاية فبراير، بعد تسجيل إحدى وعشرين حالة اعتقال جديدة لنساء خلال شهر واحد فقط.

قبل أسابيع كان العدد يقارب ستاً وخمسين. هذا الفارق ليس تفصيلاً إحصائياً، بل مؤشر على تصاعد واضح في استهداف النساء منذ حرب أكتوبر 2023. خلف كل رقم امرأة لها بيت وأطفال ودور اجتماعي، وحين يُحتسب العدد في شهر يُفترض أن يُحتفى فيه بالنساء، يتحول الإحصاء نفسه إلى سؤال أخلاقي وقانوني.

تصاعد الاعتقال وتحول طبيعة الاستهداف

ارتفاع عدد الأسيرات إلى نحو سبعين حتى نهاية فبراير 2026 ترافق مع حملة اعتقالات واسعة بلغت 525 حالة خلال الشهر ذاته في الضفة الغربية والقدس. من بين النساء المعتقلات طالبتان جامعيتان، صحفية محررة، فتاة قاصر في السابعة عشرة، ونساء من مدن متعددة مثل نابلس والقدس وطولكرم ورام الله.

اعتقال القاصرات يضع المسألة مباشرة في إطار اتفاقية حقوق الطفل، التي تحظر الاحتجاز التعسفي للأطفال وتلزم بتوفير حماية خاصة لهم. أما استهداف الطالبات والصحفيات، فيكشف أن الاعتقال لا يطال فقط أفعالاً مزعومة، بل أدواراً عامة.

النماذج السابقة للأسيرات اللواتي أُفرج عنهن تشرح هذا التحول. خالدة جرار القيادية التي يُعاد اعتقالها بعد كل إفراج تكشف أن الاحتجاز لا يرتبط بحادثة منفصلة، بل بدور مستمر. المحررة جعابيص الجريحة التي تحدثت عن تأجيل علاجها والاكتفاء بالمسكنات تكشف أن الجسد ذاته يتحول إلى مساحة ضغط. الأسيرة بشرى الطويل وصفت العزل بأنه أقسى من الزنزانة لأنه يسلب الإحساس بالوقت. هذه الشهادات لا تُستدعى كذكريات فردية، بل كمؤشرات على نمط.

سياسات الاحتجاز داخل السجن من التضييق إلى النمط الممنهج

في فبراير وحده، صدر 709 أمر اعتقال إداري جديد وتجديد، وفق التقرير ذاته. وبينما يشمل الرقم الرجال والنساء، فإن تجديد الاعتقال الإداري لأسيرات مثل أسيل مليطات وهناء حماد، وتحويل سجى دراغمة إلى الاعتقال الإداري، يعكس أن هذا الإجراء يُستخدم بحق النساء بصورة متكررة.

الاعتقال الإداري يعني احتجازاً دون لائحة اتهام علنية، استناداً إلى ملف سري، مع إمكانية تجديد القرار دورياً. المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنص على عدم جواز توقيف أي شخص تعسفاً. وعندما يتكرر التمديد دون محاكمة علنية، يصبح التعسف مسألة واقعية لا نظرية.

داخل سجن الدامون، تشير إفادات متقاطعة إلى تراجع ملموس في الظروف المعيشية منذ الحرب. قبل أكتوبر 2023، ورغم قسوة الواقع، كان هناك هامش أوسع للزيارة وإدخال الكتب والمواد الأساسية. بعد الحرب، تقلص الغذاء كمّاً ونوعاً، قُيّدت المستلزمات النسائية، شُددت الإغلاقات، واتسع نطاق العزل.

التفتيش الجسدي المهين، الذي تحدثت عنه أسيرات محررات في تقارير سابقة، يمس خصوصية المرأة وكرامتها بصورة مباشرة. في سياق النساء، لا يمكن فصل هذا الإجراء عن أثره النفسي والاجتماعي. الرطوبة والاكتظاظ يسهمان في انتشار أمراض جلدية، والرعاية الطبية تواجه تأخيرات في الفحوصات وصعوبة في الوصول لاختصاصيين، مع اعتماد واسع على المسكنات.

اتفاقية مناهضة التعذيب لا تحظر التعذيب المباشر فقط، بل تحظر أيضاً المعاملة القاسية أو اللاإنسانية. وعندما تتراكم عناصر نقص الغذاء، وتقييد العلاج، والعزل المطول، يصبح تقييم الوضع قانونياً بقدر ما هو إنساني.

الأثر يمتد إلى الخارج. الأم التي تُحرم من أطفالها وتُقيّد زياراتها تعيش عقوبة مزدوجة. في مجتمع تُشكّل فيه المرأة محور الأسرة، يصبح احتجازها ضربة لبنية اجتماعية كاملة.

أسيرات غزة الغموض القانوني ومخاطر الاختفاء القسري

يبقى ملف النساء المعتقلات من قطاع غزة الأكثر تعقيداً. تشير المعطيات إلى استمرار احتجاز نحو ألفي أسير من غزة عموماً، وسط مزاعم باستمرار سياسات الإخفاء القسري. في ظل قيود على المعلومات والزيارات، لا تتوفر صورة شفافة حول أماكن احتجاز النساء من القطاع أو ظروفهن.

قانون المقاتل غير الشرعي يتيح احتجازاً طويلاً مع قيود واسعة على الاطلاع على الأدلة. في هذا السياق، يصبح الاحتجاز المصحوب بالغموض القانوني مسألة تثير شبهة الاحتجاز التعسفي.

الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري تشدد على ضرورة الاعتراف بمكان الاحتجاز وإتاحة المعلومات بشأن المصير. أي حجب منهجي للمعلومات المتعلقة بمكان احتجاز النساء أو وضعهن القانوني يثير إشكاليات قانونية خطيرة.

التوصيف القانوني من الانتهاك إلى احتمال الاضطهاد

عند جمع عناصر الاعتقال الإداري المتكرر، والتفتيش المهين، والتضييق المعيشي، وتقييد العلاج، والعزل، واحتجاز القاصرات، والغموض المحيط باحتجاز نساء من غزة، يتشكل نمط يتجاوز الانتهاك الفردي.

نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يعرّف الاضطهاد بأنه الحرمان الشديد من الحقوق الأساسية استناداً إلى هوية جماعية محددة. وإذا ثبت أن النساء الفلسطينيات يتعرضن لسياسات احتجاز ومعاملة تمسهن بصفتهم نساء داخل سياق نزاع مسلح، فإن توصيف الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي يصبح احتمالاً قانونياً جدياً.

كما أن المادة 8 من نظام روما تجرّم المعاملة القاسية والاعتداء على الكرامة الشخصية في النزاعات المسلحة. واستمرار هذه الممارسات، إذا ثبت طابعها الممنهج، يفتح باب المساءلة الدولية.

موقف مؤسسة العهد الدولية وتوصياتها

ترى مؤسسة العهد الدولية، بصفتها مؤسسة مختصة بشؤون الأسرى، أن المعطيات المتعلقة بالأسيرات الفلسطينيات حتى مارس 2026 تشير إلى نمط مقلق من الانتهاكات التي تمس حقوقاً أساسية مكفولة بموجب القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.

وتدعو المؤسسة إلى:

أولاً

قيام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بتكليف لجنة تحقيق أو توسيع ولاية الآليات القائمة لتشمل تحقيقاً خاصاً في أوضاع الأسيرات الفلسطينيات.

ثانياً

مطالبة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بضمان وصول منتظم وغير مقيد إلى جميع أماكن احتجاز النساء، بما في ذلك المحتجزات من قطاع غزة.

ثالثاً

دعوة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إلى فحص المعطيات المتعلقة بالاحتجاز والمعاملة في إطار التحقيق الجاري في الوضع في فلسطين.

رابعاً

مناشدة المقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة والفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي النظر بصورة عاجلة في أوضاع الأسيرات الفلسطينيات.

وتؤكد المؤسسة أن حماية النساء زمن النزاع ليست التزاماً أخلاقياً فحسب، بل واجب قانوني ملزم، وأن أي انتقائية في تطبيق هذه الحماية تقوّض مصداقية النظام الدولي نفسه.

أخبار مشابهة