تفاصيــل الخبـر

الأسير المحرر عبد الحميد حمدونة: رحلة العذاب في سديه تيمان

السجن وحده كمفهوم -مجرداً من أية إضافات- عقوبة، وفكرة سلبك الحرية مؤلمة، حتى لو كنت داخل السجن في نعيم، فكيف إذا كان السجن ليس عقوبة تتحمل مسئولية أفعالك التي قادت إليها، بل ظلماً يضطهدك فيه معتدٍ يسجنك دون تهمة، وكيف إذا كان اقتادك مدنياً مذعوراً منزوعاً من بين أفراد أسرتك، في ذروة الحرب وهرب النجاة، وكيف فوق ذلك كله، يكون السجن تمثيلاً حقيقياً للجحيم على الأرض، تُذاق فيه كل أصناف العذاب؟!

كل هذا فقط لأنك إنسان قُدّر له أن يكون فلسطينياً، وأن يعيش في غزة، ويشهد الحرب.

الصدمة

اعتقل الأسير المحرر عبد الحميد حمدونة على حاجز نيتساريم، في ديسمبر ٢٠٢٣، وهو يعبر (الممر الآمن) حسب تسمية الاحتلال، وهو المسار الذي حدده للمدنيين للنزوح عبره نحو جنوب القطاع لضمان سلامتهم، وهناك مع أفراد أسرته، حاملاً طفله الصغير، نادى عليه الجنود بشكل عشوائي، وبدأت قصة العذاب.

قرب الحاجز جرت عملية تفتيش وإهانة وضرب ونزع الملابس، ثم تم تقييده وتعصيب عينيه، ووضع في مكان انتظار يستقبل المزيد من الأسرى، يسمع صوت الرصاص وصوت الجنود دون أن يرى شيئاً، كان المعتقلون جالسين على ركبهم على الحجارة في الجو البارد العاصف شتاء، لا كلام ولا حركة ولا مطالب، يقول حمدونة: "أنا طلبت ماءً فأحضره وسكبه على الحجارة أمامي".

الطريق إلى الجحيم

أحضروا مركبة عسكرية لها قسم ملحق في الخلف، وقاموا بجر المحتجزين جراً ورميهم داخل العربة، في معاملة مهينة كالتعامل مع الحيوانات، كانوا يحملون الشخص مقيداً ومعصوباً ويلقون به في الداخل فوق من سبقه، فيقع الأذى والضرر على الجميع.

توجهت المركبة إلى الداخل المحتل، وطوال الطريق كانوا يضربون بكل الأشكال: بالهراوات، بأعقاب البنادق، بالأرجل، وأي شيء يحدث ألماً، بينما كان السائق يتعمد القيادة بعنف في الطريق الوعرة ليزيد من أذاهم.

لعنة "البركسات"

بعد وصول العربة إلى مكان مجهول، قام الجنود بإلقائهم خارج العربة بنفس الطريقة المهينة، على الأرض بعنف وقسوة، فكانوا يسقطون فوق بعض أو فوق الحجارة، كان بينهم كبار السن والأطفال، مجموعة من المعتقلين أعمارهم بين ال١٦ وال٦٠، بدأوا أيامهم الأولى بعدة جروح وكسور من رحلة الطريق فقط.

في ظلمة المجهول، حاول بعض المحتجزين التواصل مع الجنود بالعبرية، وفهموا منهم أنهم في منطقة غلاف غزة، في معسكر احتجاز يسمى "البراكسات"، وهي منطقة فرز، يقضي فيها المعتقل وقتاً مؤقتاً قبل نقله إلى سجون أخرى.

أيقن حمدونة أنه معتقل، وكان ذلك الإدراك أقسى ما يختبره، في ظل تركه لعائلته على الحاجز وحدها، وسط حرب شعواء، وفي مجهول كبير.

كانت البراكسات عبارة عن مكان واسع مفتوح، مقسم لأجزاء بواسطة شباك، تشبه الأقفاص، ويحيط بالمكان كله جداران حديديان، ثم جدار من الخرسانة المسلحة، ومحاط كله بأسلاك شائكة تغطي السقف والجوانب،

تلك البراكسات امتدّت وتطورت، لتصبح أبشع مراكز الاعتقال في العالم، المسمّى "سديه تيمان".

يوميات الجحيم

في سديه تيمان قضى حمدونة ٢٢ يوماً، مقيداً، معصوب العينين، جالساً في وضعية ثابتة على الركب، رأسه لأسفل، كل يوم، تمنع الحركة، يمنع الكلام، تمنع الصلاة، يأكل، يذهب إلى الحمام، ينام، وهو مقيد ومعصوب!

أول إجراء كان إجبار الأسرى على لبس زي باللون الرمادي، فأصبح رمزاً للسيطرة والإذلال، يقول حمدونة: "أنا ألغيت اللون السكني من حياتي تماماً، لا يمكنني ارتداؤه، وحرّمت على نفسي ذلك إلى يوم الدين".

كان المكان يشبه حظيرة البقر، قد يتسع لخمسين شخص، لكنه كان يحوي مائة وعشرين، بداخله حمامان، والريح تضربه من كل جانب والمطر يسقط فوقه، وليس للأسرى سوى الأرض، وفراش رقيق رطب ومتعفن، لا يسمح لهم استخدامه سوى خلال ساعات النوم الخمسة.

ويطل على المكان برجان عسكريان بداخلهما قناصة يصوبون أسلحتهم تجاه الأسرى المقيدين المعصوبين الغارقين في جراحهم.

صباح الخير أيها الحثالة

كان الجنود يوقظون الأسرى في الرابعة فجراً، بإحداث ضوضاء شديدة ضرباً على الجدران الحديدية، ويسخرون منهم بالشتائم على طريقة "صباح الخير أيها الحثالة، صباح الخير يا قذرين" وغيرها من ألفاظ نابية، ثم يبدأون العدد، ومن ثم الجلسة الشهيرة التي تستمر حتى النوم.

كان الطعام صباحاً، شريحتين من الخبز المتعفن، مع القليل من الجبن الفاسد، وحبة طماطم يخرج منها الدود، وظهراً، ذات الشريحتين مع القليل من التونة، وفي المساء أيضاً شريحتان مع المربى، أما ماء الشرب، فكان لترين فقط لكل خمسين أسيراً طوال اليوم.

امتياز "الحمام" ومنّة النوم

دخول الحمام في سديه تيمان كان منحة يتفضل بها الجنود على الأسرى، فيجب على الأسير أن يطلب إذناً، وإذا كان محظوظاً يأتيه الإذن بعد ساعتين أو ثلاث، وإلا فإنه يضطر للبقاء في وضعيته المتخشبة ممنوعاً من قضاء حاجته، ما اضطر بعض الأسرى خاصة من كبار السن والمرضى أن يقضوا حاجتهم في مكانهم! ومن يعترض أو يتحرك دون إذن تتم معاقبته بالضرب المبرح المؤدي إلى كسور ونزيف.

الاغتسال كان مرة واحدة في الأسبوع بماء بارد، مدة ٣ دقائق فقط، يغتسل الأسير أيضاً مقيداً ومعصوباً! مهما كانت حالته الصحية أو إصابته أو جراحه، ومن يتأخر يعاقب، ودون ملابس جديدة، يقول حمدونة إنه قضى ٧ أشهر بنفس الملابس، ما أدى إلى انتشار الأمراض الجلدية المعدية، والقمل والفطريات، دون أي علاج أو دواء.

أما النوم فكان استعراضاً لإذلال الأسرى، يتفضلون عليهم بالسماح لهم به، ففي وقت يختارونه هم يحضر الضابط الذي يتلفظ بعبارة اذهبوا للنوم كأنه يمنحهم مكافأة، وعليهم جميعاً الوقوف وتحيته بالعبرية "شكراً جزيلاً كابتن، تصبح على خير كابتن"، ثم ينامون على الفراش القذر المبلل تحت أضواء كشافات شديدة الإضاءة، وفي برد قارس!

وحشية التعذيب

في غرف التحقيق، وقمعات الأقسام، مارس الجنود ضد الأسرى كل أشكال الإجرام، التعذيب تخطى الإيذاء الجسدي إلى امتهان الكرامة وتعذيب النفس وكسر الروح، مورس في سديه تيمان تعذيب جسدي بالضرب، بالتجويع، بالإهمال الطبي، بالصوت العالي، بالتحرش والاغتصاب، وتعذيب نفسي بالشتم، بالإهانة، بالكذب وادعاء موت الأهل، بالتهديد بقتل الأحبة، بعرض مشاهد مفبركة، وبازدراء الأديان والعبادات.

 

 

 

كان المحققون يسألون المدنيين أسئلة عسكرية دقيقة، لا يعرفوها حتى المتخصصون، ويصبون عليهم جام غضبهم إذا لم يجيبوا، يريدون منهم إجابات بأية طريقة وإن لم يكونوا يعلمون شيئاً، يتلقون ضرباً من المحقق، ومعاونين آخرين، ويتركون ساعات في ساحة ما يعرف ب "الديسكو"، حيث سماعات مشغلة طوال الوقت بصوت في أشد درجات العلوّ، في مكان بارد مفتوح، مقيدين إلى مقاعد تعذيب، وقد سُلط عليهم مكيف هواء بارد ومروحة.

الكثيرون ماتوا في موجات التحقيق، وهجمات القمع، شهد حمدونة موت أحدهم بنفسه، يقول: "كان معنا أسير من سكان بيت لاهيا كبير في السن ومريض، وكان يطلب علاجه باللغة العبرية، لكنهم منعوه، وبعد جولات التحقيق، وجدناه عند الجدار ميتاً الساعة 3 فجراً، جاء الجنود بكل بشاعة سحبوه ووضعوه في كيس اسود، لا ندري هل مات من البرد، أم مات من الجوع، أم مات بسبب قلة العلاج، أم مات من القهر، أم مات من كل هذه الأشياء!".

 النهاية

بعد ٢٢ يوماً من عذاب لا وصف له، وانتظار للموت في كل لحظة، نقل حمدونة إلى سجون أخرى، أبرزها سجن النقب الصحراوي الذي كان شكلاً آخر من أشكال الجحيم.

منّ الله على عبد الحميد حمدونة بالإفراج، ليكون شاهداً على تجربة لابد للعالم أن يسمعها، إذ تطول تفاصيل المعاناة، وتمتد حكايات الظلم والقمع في سجون احتلال لا دين له ولا خلق ولا قانون، ولكل مكان فيها فصول وأحاديث شجن وخذلان، لكنها يجب أن تروى.

أخبار مشابهة