تفاصيــل الخبـر
الأسير المحرر رامي أبو زبيدة: يوميات الإجرام في سجن النسيان
داخل علب إسمنتية باردة، أو أقفاص حيوانات مهينة، أو خيام في صحراء قاسية، عاش الأسرى أياماً يتوقف فيها الزمن، ولا تسير عقارب الساعة، حيث عالم لا ينتمي إلى البشرية سوى في المظهر الخارجي، ولا يعرف من الإنسانية سوى كل ما هو ضدها، وفي الاسم الأكثر رعباً في قائمة السجون، "سديه_تيمان" دوّن الأسير رامي أبو زبيدة يوميات من الحقيقة، فكانت أبشع من كل محاولات الخيال، يقول فيها: "سديه تيمان ليس مجرد معتقل؛ هو مساحة خارج كل القوانين، يقع بين بئر السبع وغزة، ويديره الجيش مباشرة، بلا رقابة ولا قواعد واضحة، وكأن الغاية الوحيدة من وجوده هي كسر الإنسان الفلسطيني القادم من غزة".
القسم الأفظع في "سديه_تيمان"
في قسم يدعى "قسم أبو علي"، اتخذ السجان لنفسه لقباً يوحي بالألفة، لكنه كان ترجمة للسخرية، وتمثيلاً للإهانة بكامل أشكالها، حتى في المسميات، لم يكن ذلك ال "ابو علي"، مجرد سجان، بل "كابوساً حياً" كما وصفه من عاشروه، له لسان يلسع كسوط، ألفاظه لا يمكن مجاراتها فحشاً وقبحاً،
كلما شعر بالملل، استدعى "فرقة القمع" التي لا تدخر جهداً في وحشيتها، وأخذ يستمتع بسماع أنين الأسرى، وكان غالباً ما يقتاد المعتقلين إلى خارج القسم، وما يلبث صراخهم إلا أن يصل إلى مسامع زملائهم الأسرى، تحت وطأة الهراوات والضرب والتنكيل.
"أبو علي" ذاك لم يكن حالة خاصة، بل كان الإجرام والوحشية طابعاً عاماً مشتركاً بين كل المجندين، الذين كانوا يحولون أبسط الحقوق الإنسانية كقضاء الحاجة، إلى عنوان للإذلال؛
كانوا يخرجون جنونهم على الأسرى كلما طلب أحدهم إذناً بالذهاب إلى المرحاض، فيطلبون منهم طلبات مهينة وغير منطقية، مثلاً: "ارسم سُلماً على السياج وتسلّقه"، "أنت الآن تقود سيارة، تعرّض لحادث!"، وهكذا كانوا يجبرون الأسرى الغارقين في جراحهم على تمثيل هزلي ليجعلوهم مادة للسخرية والضحك، بل وكان الأمر يتجاوز هذه الحدود، وتصل إلى حدّ يأمر السجانون فيه الأسرى بتمثيل أدوار الحيوانات: انبح كالكلب، قم بتقليد القطة، انهق كحمار.. كل ذلك مصحوباً بالشتائم والإهانات، ظناً منهم أنهم قادرين على كسر الأسرى، لكن رغم أجسادهم الجريحة، كانت عيونهم لا تركع.
مادة للاستعراض
لا ينقص السجانين في سديه تيمان أي حافز ليزدادوا بطشاً، ولا يحتاجون تشجيعاً على إجرامهم، لكنهم في وجود المجندات، يتفوقون على أنفسهم في التوحش، لاستعراض جبروتهم وإثبات رجولتهم المشوهة أمام زميلاتهم، فكان الأسرى هم قرابين هذا الاستعراض الدنيء، وكانت أجسادهم هي مسرح الصعود في مراتب اللاإنسانية.
ولم يقتصر الأمر على وجود الأسرى في الأقسام، بل كانت حافلات النقل بين أماكن السجن المختلفة مسرحاً آخر للاستعراض والتنكيل، ورغم أن أقسام السجن متقاربة، كانت عملية النقل تستخدم الدوران كجزء من العقوبة، حيث ينقل المعتقل بجرّه جراً مكتوف الأيدي والأقدام، معصوب العينين، مطأطئ الرأس، حيث يتناوب الجنود داخل الحافلة -التي تتحول إلى غرفة تعذيب- الصراخ على الأسرى وشتمهم، ثم ضربهم بعنف في مناطق مختارة مع التكرار، وصعقهم بالكهرباء بشكل مفاجئ، والزمن هناك لا معنى له، المسافة التي تحتاج دقائق قليلة، تستغرق ساعات، وهكذا تستمر دوامة الإذلال حتى يملّ المجرمون ويفتحون باب الحافلة.
لا رؤية، ولا حديث
خلال أشهر اعتقاله في سديه تيمان، لم تفارق العصبة عيني أبو زبيدة، يقول: "من الثالث من مارس حتى العاشر من يونيو 2024، لم أعرف لون الصباح، ولا فرق الغروب، ولا هيئة الوجوه" كان ذلك هو نظام الاعتقال في ذلك الجحيم: ممنوع عليك أن ترى، أن تتحرك، أو أن تتكلم، تمضي عليك مئات الأيام في وضعية واحدة، أية التفاتة، أو همسة تعني عقاباً شديداً قد يكلفك حياتك.
تمنع الصلاة، ليس الصلاة المعروفة بهيئتها، بل الصلاة بالإيماء، أو بالعينين، إذا ضبطت تتمتم أو تحرك شفتيك، يتم قمعك، بتهمة أنك ربما تصلي أو تسبح!
وهناك قد يكون بجوارك صديق، أخ، أو زميل، لكنك لا تعرف، ولو عرفت لا يمكنك النظر إليه أو الكلام معه.
وفي سديه تيمان، التقى الأسير رامي أبو زبيدة صدفة بصديقه المقرب، وكان فقد كل معلومة عنه، وجلس بجانبه، لكنه لم يجرؤ على الالتفات إليه، أو الحديث، ظلا هكذا ثماني عشرة ساعة، متجاورين كغرباء، حتى استرقا بعض اللحظات عند النوم، مختبئين في البطانية، كما قال رامي: "همسنا، تأكدنا أننا ما زلنا أحياء، طمأن بعضُنا بعضًا،كأن تلك الدقائق القليلة كانت تعويضًا عن عمرٍ كامل".
الظلام لا يحجب النور
قضى الأسير أبو زبيدة ثلاثة أشهر في سديه تيمان، لم يرَ الضوء، ولا الشمس، لكن نوره كان في قلبه، اتخذ الذكر مصباحاً والصبر ضياء، والإيمان مفتاح نجاة، وفي الظلام، حافظوا على عقولهم من الضياع، بالفكر والذكرى، والمراجعة والمذاكرة، وإنبات الثقة، وزرع اليقين، فحصدوا الأمل، لكنهم شهدوا على أقبح وجوه الاحتلال، ودونوها شهادة للعالم، وللتاريخ، لعنة ستظل تتراكم حتى تنهي وجود الاحتلال.
كما سجل الأسير المحرر رامي أبو زبيدة شهادته بهذه الكلمات:
"إنني أكتب هذه الشهادة لا بمداد الحبر، بل بمرارة الذكرى. أضعها وثيقةً للتاريخ، وفاءً لإخوةٍ لي لا يزالون يصارعون الموت البطيء خلف تلك القضبان.
سيبقى المعتقل شامخاً بكرامته، وسيبقى السجان سجيناً لدناءة فعله"
آخر الأخبار
-
التعذيب كسياسة: شهادتان من غزة توثّقان جرائم الاعت...
30 January 2026 -
أمين بركة… صحفي خرج من الجحيم حيًّا
28 January 2026 -
الصحفيون الفلسطينيون في زنازين الاحتلال مهنة قيد ا...
27 January 2026 -
الأسير رائد أبو حمدية: خلية الرعب التي ولدت في صور...
23 January 2026 -
الشيخ الذي لم يغادر السجن حسام حرب… سيرة عمر مؤجَ...
20 January 2026 -
الأسير إسلام جرار: ابن جنين الذي ورث جينات المخيم
19 January 2026