تفاصيــل الخبـر

سيديتيمان

أمين بركة… صحفي خرج من الجحيم حيًّا

لم يكن أمين خالد سليمان بركة يبحث عن بطولة، ولا عن صورة على هامش الحرب. كان صحفيًا يؤدي عمله، يتنقّل بين مستشفى ناصر ومناطق النزوح في خان يونس، محاولًا أن ينقل ما يجري في مدينةٍ كانت تُمحى أمام عينيه. لكن في لحظة واحدة، تحوّل من ناقلٍ للحكاية إلى أحد أكثر فصولها قسوة.

في الأيام الأولى للحرب، اضطر أمين إلى النزوح مع عائلته من شرق خان يونس إلى غربها، بعد تصاعد القصف وسقوط الشهداء وتدمير المنازل. فرض عليه عمله الصحفي البقاء قريبًا من مستشفى ناصر، بينما نُقلت زوجته وأطفاله الثلاثة—شام ولانا وسند—إلى إحدى مدارس الإيواء، بعد إصابتهم في قصف استهدف منزل عائلة زوجته.

في أحد الأيام، توجّه لزيارة عائلته داخل المدرسة، لكن قوات الاحتلال حاصرت المكان فجأة، وأجبرت الموجودين على الخروج باتجاه حاجز عسكري نُصب قرب جامعة الأقصى غرب خانيونس هناك، بدأت الرحلة إلى الجحيم.

لحظة الانكسار الأولى

كان المشهد أقرب إلى أهوال يوم القيامة: إطلاق نار فوق رؤوس المدنيين، قذائف تسقط قرب المدرسة، جرحى وشهداء في المكان. خرج أمين بصحبة والدته وزوجته وأطفاله الثلاثة. كان يحمل طفله الصغير سند، الذي لم يتجاوز العامين، بين ذراعيه.

عند الحاجز، ناداه جندي إسرائيلي باسمه، وأمره أن يترك طفله ويتقدّم. رفض سند أن يفارقه، لكن أمه انتزعته من حضنه. أمام أعين الناس، أُجبر أمين على خلع ملابسه كاملة، في طقس إذلال علني، ثم قُيّدت يداه خلف ظهره وقدماه، وتعرّض للضرب وهو عارٍ، في صباح شتوي بارد.

أُجبر على اتخاذ وضعية السجود منذ التاسعة صباحًا حتى أذان المغرب، دون حركة، بينما كان الجنود يتعمّدون ضربه وإهانته، خاصة في الوجه والمناطق الحساسة، مستخدمين أعقاب البنادق واللكمات. كان بين المعتقلين أطفال وقاصرون ومسنّون ومرضى، ولم يُستثنَ أحد من العنف.

من الحاجز إلى غرف التعذيب

مع حلول المساء، نُقل المعتقلون إلى مقر المحكمة الشرعية القريب من الحاجز. هناك، استُكمل الضرب الجماعي حتى ساعات الفجر، وهم مقيّدون، عراة، ومعصوبو الأعين. ثم جرى تكديسهم فوق بعضهم داخل عربات عسكرية، وسُكب عليهم الماء البارد تحت المطر، وأُجبروا على ترديد هتافات تمجّد الاحتلال وتسيء للمقاومة، وسط شتائم طالت الأمهات والزوجات.

بعد قرابة ساعة من التنقّل، وصلوا إلى موقع عسكري مظلم شرق خان يونس. فُصل المعتقلون إلى مجموعتين، ونُقل أمين لاحقًا إلى غرفة تحقيق ضيقة. هناك، رُفع اللثام عن وجهه، وبدأ التحقيق.

قال له المحقق ساخرًا: “أهلًا بالصحافة”. كان واضحًا أن اعتقاله لم يكن مصادفة.

تركّزت الأسئلة حول عمله الصحفي، ومصادر المواد المصوّرة التي تبثها وسائل الإعلام الفلسطينية. سخر المحقق من إجاباته، ثم قال بوضوح: “أنتم أخطر علينا من المقاتلين”.

تعرّض أمين للشبح؛ رُفعت يداه المقيّدتان إلى الخلف وربطتا بحبل، وسُحب جسده إلى الأعلى، بينما انهالت عليه الضربات، خاصة في الرأس والبطن والمناطق الحساسة. طُلب منه الإدلاء بمعلومات عن قادة المقاومة وأماكن أسرى الاحتلال، فكرّر أنه صحفي ولا يملك شيئًا. كان الرد مزيدًا من الضرب حتى فقد الوعي.

عندما أفاق، سُكب الماء البارد على وجهه، وقيل له إن التعذيب لن يتوقف. هدّده المحقق بقتل عائلته وبمصير مشابه لما حلّ بعائلات صحفيين آخرين، في محاولة لكسر إرادته.

ما تعرّض له أمين بركة، من تعذيب جسدي ونفسي، وتجويع، وتقييد طويل الأمد، وحرمان من العلاج، يندرج ضمن جرائم المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة، المحظورة صراحة بموجب اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني.

سدي تيمان جحيم بلا اسم

بعد جولات تحقيق متتالية، نُقل أمين إلى معتقل “سدي تيمان”، حيث أمضى أربعة عشر يومًا يصفها بأنها “جحيم بلا ملامح”.

في المعتقل، كان الأسرى مقيّدين اليدين والقدمين على مدار الساعة، معصوبي الأعين، محرومين من الطعام الكافي والماء والعلاج. الطعام لا يكفي طفلًا صغيرًا، والماء يُسمح به لدقيقة واحدة يوميًا داخل حمام واحد يخدم مئات الأسرى.

التعذيب كان ممارسة يومية

ضرب، تجويع، قمع مفاجئ، قنابل صوتية ودخانية، وكلاب بوليسية تُطلق فوق أجساد الأسرى، تنهش ظهورهم وتمزّق ملابسهم، بينما يُجبرون على الانبطاح أو الجلوس القسري لساعات طويلة.

شهد أمين استشهاد أسرى بسبب الإهمال الطبي المتعمّد، وآخرين قضوا أثناء التعذيب، دون أن يُسمح للأسرى حتى بإظهار أي رد فعل. “كان الموت عاديًا بالنسبة للسجّان”،.

رمضان خلف الأسلاك

دخل شهر رمضان والأسرى في قيودهم. مُنعوا من الصلاة علنًا، وأُهين الدين عمدًا، وأُجبر بعضهم على الإفطار بالقوة. لم يتجاوز السحور والإفطار ملعقة مربى أو تونة مع قطع خبز صغيرة، في سياسة تجويع ممنهجة.

في اليوم الأول من رمضان، أُجبر أمين وأسير آخر على الوقوف ورفع أيديهما لساعات طويلة قبيل الإفطار، وهما صائمان، في مشهد اختصر معنى التعذيب النفسي.

انتظار الحرية

بعد 388 يومًا من الاعتقال والتنقّل بين مواقع الاحتجاز، أُبلغ أمين بوجود صفقة إفراج، مع تهديدات واضحة: مغادرة غزة، منع أي مظهر فرح، ومنع استقبال أي جهة. عاش سبعة عشر يومًا من الانتظار القاتل، بين الخوف من الخديعة والقلق على عائلته التي لم يعرف عنها شيئًا.

عند الإفراج، نُقل مع الأسرى إلى معبر كرم أبو سالم. هناك، أُزيل القيد عن يديه بعد أكثر من عام، وبقي أثره محفورًا في المعصم. عندما وصل إلى غزة، علم باستشهاد شقيقين له، وبأن منزله قد دُمّر بالكامل.

لكنه وجد زوجته وأطفاله ووالديه أحياء. احتضن طفله الصغير الذي لم يتعرّف إليه في البداية، ولم يقل شيئًا. في تلك اللحظة، لم تكن الحرية شعارًا، بل جسدًا عاد ليتذكّر أهله.

هذه الشهادة لا تُكتب بوصفها ذكرى شخصية، بل باعتبارها وثيقة حيّة على ما يجري خلف الأسلاك الآن، حيث لا يزال مئات الأسرى يواجهون المصير ذاته، بعيدًا عن الكاميرات، وبانتظار من يسمع.

أخبار مشابهة