الاثنين 6 يوليو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

الأسير إسلام جرار: ابن جنين الذي ورث جينات المخيم

19 يناير 2026 قراءة 4 دقيقة

بين أزقة المخيم، مخيم جنين عام ٢٠٠٢، كانت ثلة من الأبطال تتحصن في منزل، بعد أيام من معركة دامية، ألقت دولة الاحتلال فيها بكل جيشها، في مواجهة المنازل المتلاصقة التي تضم عشرات فقط من أبطال المقاومة، حصار، دمار، وكمائن أذاقت الجنود ويلات الأزقة، حتى قرروا هدم المخيم بأكمله فوق رؤوس من فيه بالجرافات والصواريخ، داخل أحد المنازل كانت تلك الثلة محاصرة، قام الأبطال بتفخيخ البيت بالكامل، ولحظة الاقتراب، لم ينفجر المنزل، وتمكنت قوات الاحتلال من مداهمته، وأسر من كان بداخله من الشباب، في 26/8/2002، كان من بينهم الشاب إسلام جرار، لكن قصته لم تبدأ هناك، بل بدأت قبل ذلك بكثير.

جينات البطولة

في قرية برقين قصاء مدينة جنين سنة ١٩٧٣ م، ولد إسلام جرار، ونما في كنف عائلة ملتزمة دينياً، محبة للعلم، وذات حسّ وطني عالٍ، وسرت في دمائه جينات جنين البطولية، التي تمرّ عبر الأجيال، كشجرة جذرها ضارب في عمق التاريخ.

عام ١٩٨٧ م، عندما اندلعت انتفاضة الحجارة، كان إسلام في الرابعة عشرة من عمره، فلم يهدأ يوماً، وكان يشارك أصحابه إلقاء الحجارة، وإشعال الإطارات، والمقاومة بالطرق البسيطة، وحين تصاعد خوف الأهل عليه، قرر أن يغير طريقه، ليس طريق المقاومة، بل طريقة تنفيذها، فاستعان بالكتمان والإعداد.

العلم والعمل

أنهى إسلام تعليمه الأساسي، ثم تخصص في دراسة برمجة حاسوب في جامعة القدس أبو ديس، ومن هناك، بدأت تتفتح أمامه آفاق أكبر للمقاومة، فانضم للعمل الطلابي، ومن ثم للعمل المقاوم، وكانت فترة التسعينات مليئة بالاعتقالات والملاحقات، حتى بدأت الألفية الثانية، واندلعت انتفاضة الأقصى، لتبدأ مرحلة الذروة في حياة إسلام المقاومة.

عملية صفد

مطلع شهر أغسطس عام ٢٠٠٢ م، وقعت عملية صفد، كانت رداً مزلزلاً على اغتيال صلاح شحادة في قطاع غزة، خطط للعملية إسلام جرار برفقة جمال أبو الهيجا، ومازن فقها، وقيس عدوان، وكان  المنفذ الاستشهادي جهاد حمادة، الذي فجر نفسه في حافلة جنود عند مفترق ميرون قرب صفد، قتل في العملية تسعة صهاينة، وأصيب أربعون، كان كثير منهم في حال ميئوس منها، ومنذ تلك اللحظة انتقل اسم إسلام من مجرد اسم في قائمة المطاردين لقوات الاحتلال، إلى أحد أبرز الأسماء في رأس القائمة، وظلّ مطارداً مدة عام ونصف، حوصر فيها أكثر من مرة، لكنه نجا من كل مرة حتى اجتياح جنين الذي اعتقل فيه.

تعذيب وانتقام

باعتقال إسلام جرار، بدأ فصل جديد في حياته النضالية، عنوانه المعاناة، بدءاً بالتحقيق والسجن النفسي والجسدي والعزل لمدة ستين يوماً دون نوم، والإخفاء القسري، وبعد تلك الفترة بعثوا بصورة لأهله، الذين لم يتعرفوا إليه!

المحكمة الهزلية للمحتل حكمت على إسلام جرار بتسعة مؤبدات، وفوقها سبع سنوات، بعد أن قدموا ضده لائحة اتهام مكونة من 13 صفحة، التهمة الأكبر فيها كانت الوقوف خلف عملية صفد البطولية.

 ظلام السجن

بعد الحكم بسنتين ونصف، سمح لإسلام برؤية أهله، وحتى عام ٢٠١٣ لم يكن قادراً على مقابلتهم دون حاجز، يومها سمح له بالتسليم على والديه واحتضانهما، والتقاط صورة معهما، كانت هي الوحيدة، لأن والدته غادرت الدنيا بعد ثلاث سنوات وهي تصارع السرطان، ولم يعلم إسلام بذلك إلا مصادفة عندما سمح له بمهاتفة أخته، وسأل عن أمه، فتلقى الخبر الصاعق.

كانت سنوات السجن معاناة خالصة، أضرب فيها إسلام عن الطعام عدة مرات، وتم عزله أكثر من مرة، ونقله إلى سجن منعزل جنوب فلسطين، وعذبوا أهله في كل زيارة.

كانوا يتفننون في طرق قهر وإذلال الأسرى، لكنهم كانوا لهم -كما يقول إسلام- بالمرصاد.

 نور الصبر

في عمر الثانية والخمسين، وفي مدة سجن عمرها أربعة وعشرون عاماً، يقبع اليوم إسلام جرار خلف قضبان الزنزانة، بطلاً لم يفتّ الاعتقال من عضده، بل قواه، فأكمل تعليمه وحصل على ماجستير في العلوم، ويحاضر للأسرى الذين يتقدمون للدراسات العليا، معنوياته عالية، يبعث بسلامه لأبيه مع كل محرّر، وكلهم يتسابقون للذهاب والتعرف إلى والد هذا البطل الذي أحبه الجميع.

ألف إسلام كتاب "نصر الطيار"، تحدث فيه عن الشهيد نصر جرار، وتفاصيل معركة مخيم جنين، وصنائع أبطاله، وظهر فيه حبه الشديد للمخيم وانتماؤه القوي له، يقول: " ولدت في جنين، ولجنين كبرت وتعلمت وقاومت، وأسرت بفضل جنين، ولن أتكلم الا باسم المخيم"

 الأمل المرّ

إسلام صالح جرار لازال في سجنه يواجه أوضاعًا صحية قاسية في "جانوت"، نتيجة سياسة التجويع والإهمال الطبي المتعمّد التي تنتهجها إدارة سجون الاحتلال منذ اندلاع الحرب على غزة، وقد فقد كثيراً من وزنه، وتدهورت حالته الجسدية، ولا تسمح له إدارة السجن بالخروج إلى “الفورة”، سوى مرة واحدة كل أسبوعين لمدة ساعة فقط.

لكنّ الأمل يولد من عمق الألم، وتنمو أزهاره الغضة بين مفاصل الصخر في الفليات القاسية، وإذا نما، فإنه لا بد أن يثمر.

مواد مشابهة