تتنوع عذابات هذا الشعب وتتلون، وتتوزع بين شهيد وأسير ومصاب، لكن أكثر هذه الألوان حلكة وأشدها ألماً هو المفقود؛ حيث لا معلومة تشفي غليل المنتظرين، ولا خبر يريح قلوبهم، لا يعرفون أهو حيٌّ فينتظروه، ويحاولوا التواصل معه، والتخفيف من معاناته، أم هو ميّت فيبكوه، ويبحثوا عن جثمانه، ويقيموا له قبراً، ويدشنوا له ورداً من الدعاء والصدقات، ومع كل اسم غائب عن المعلوم، عائلة ملوّعة، وحياة ناقصة، تنتظر اكتمالها برجوعه، ولو كان جثماناً!
انتزاع قسري
كان عصام أبو العون في منزله برفقة أسرته، بعد شهرين من اندلاع الحرب في ٢٠٢٣، واقتحمت حينها قوات الاحتلال المناطق السكنية بوحشية، دون أن تترك فرصة للمدنيين للنجاة أو الاحتماء، ومع وصول الجيش إلى الحيّ الذي يقطنه عصام وعائلته، حوصرت العائلة في المنزل أسبوعاً، ثم اقتحم الجنود المنزل، تقول رندا زوجة المفقود عصام أبو العون: "أخذوا مجموعة من الشباب من البيت بعد تعذيب وضرب، ثم اعتقلوا ثلاثة منهم، أحدهم أفرج عنه بعد ثلاثة أيام، بينما بقي اثنان لا نعرف مصيرهما، وبعد ذلك وفي 26-12-2023 عاد الجيش واقتحم المنزل مجددًا وقاموا بتعذيب من بقي فيه وأخذوهم، وكان عصام من بينهم، ومنذ ذلك اليوم أصبح زوجي مفقوداً".
عامان من المجهول
بعد الحادثة، تواصلت العائلة مع الصليب الأحمر ومع نادي الأسير، ولكن لم يقدم أحد أية معلومة واضحة، وكل الإجابات كانت بأنه «لا يوجد له اسم» أو «غير مسجل»، وبعد خروج بعض الأسرى ضمن مراحل صفقة التبادل، كان أقرباء عصام يركضون منتقلين بين الأسرى بحثاً عن أدنى إشارة أو دليل، وبعضهم أوضح -بعد شرح مفصل عن صفاته وأحواله- بأنه ربما رآه، لكن تلك ال "ربما" تحتاج إلى تأكيد.
ومضة أمل لم تبدد الظلام
بعد الاحتمالات التي تمكن أهل عصام من الحصول عليها، بكونه حياً في الأسر، تمسكوا بها بكل ما أوتوا من قوة، فتواصلت العائلة مع إحدى المحاميات التي تتابع شئون الأسرى، لكنها لم تحصل على إجابة نهائية، كان كل ما يقال لهم: إن الجيش يمنع المنظمات الدولية والمحامين من السؤال عن المفقودين خلال الحرب، والآن، بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، يأملون أن يُسمح لهم بالحصول على معلومات مؤكدة، رغم أنهم لم يحصلوا على شيء حتى الآن.
دوامة من الأسئلة
تقول رانيا زوجة عصام: "نحن لا نعرف شيئًا عنه حتى اللحظة، هل هو حي؟ هل هو شهيد؟ هل هو أسير؟ هل تم تهجيره؟ هل تمت تصفيته؟ لا نملك أي دليل أو معلومة، نتمنى فقط أن نعرف مصيره".
بعد انتهاء الاجتياح وتمكن العائلة من العودة إلى المنزل المقصوف، بحثوا في أرجائه، تحسباً لكونه أعيد إليه أو قُتل فيه، وخلال عملهم في إزالة الركام والتنظيف، لم يجدوا أي أثر يدل على وجود جثمان أو بقايا تدل على وفاته في المنزل، ولم تظهر رائحة تدل على وجود جثة في المكان.
تقول رندا: "طفلته التي كان عمرها سنة ونصف عند فقده ما زالت حتى اليوم تسأل عنه، وتنتظر عودته يوميًا وتقول: بابا راح يجيب لي حاجات وراجع. كل يوم تنتظره، وكل يوم تسأل عنه، وكل ما نملكه هو الدعاء"
المعلومة أُمنية
كل ما تريده عائلة عصام أبو العون هو أن تطمئن إلى مصير ابنها، لتحدد كيف تتعامل مع هذا المصير، وأياً كانت المعلومة، فهي أفضل من المجهول، فقد أرهقهم الانتظار دون يقين، ولا العيش على أمل كاذب، أو دون دليل، وترفع عائلته بعالي صوتها شعار: نريد أن نعرف الحقيقة، سواء كان أسيرًا أو شهيدًا، حتى نتمكن من أن نكرمه ونزوره ونعرف مكانه.
وتطالب كل المؤسسات والجهات المختصة: محامين وهيئات شئون الأسرى، ومنظمات حقوق الإنسان أن تساعدهم، في إيصال معلومة تعتبر أدنى حقوقهم الإنسانية حول مصير ابنهم، فالخوف والمجهول والحيرة والانتظار الذي يعيشونه يوميًا لا يُحتمل.
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...