الأحد 10 مايو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

حين يُعتقل الجسد المريض: قصة الأسير أحمد نصر الله

15 ديسمبر 2025 قراءة 5 دقيقة

في السجون الإسرائيلية، لا يُنظر إلى المرض بوصفه حالة إنسانية تستوجب الحماية، بل يتحوّل في كثير من الأحيان إلى عبء إضافي يُترك الأسير ليحمله وحده. الأسرى المرضى يعيشون مواجهة يومية مع الألم والإهمال في آن واحد، حيث تتقاطع المعاناة الجسدية مع سياسات اعتقال لا تراعي الحد الأدنى من متطلبات الحياة. في هذا الفضاء المغلق، يصبح المرض حكمًا مضاعفًا، وتتحول الرعاية الصحية من حقّ مكفول إلى استثناء نادر.

على مدار السنوات، وثّقت مؤسسات حقوقية حالات عديدة لأسرى يعانون أمراضًا خطيرة ومزمنة، تُركوا دون متابعة طبية حقيقية، أو حُرموا من علاجهم المنتظم، في انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني الذي يفرض على سلطات الاحتلال مسؤولية الحفاظ على حياة المعتقلين وصحتهم.

 وفي قلب هذا الواقع القاسي، تبرز قصة الأسير المريض أحمد نصر الله، بوصفها مثالًا صارخًا على التقاء المرض بالاعتقال، والعائلة بالصدمة، والطفولة بمشهد لا يُنسى.

أحمد نصرالله: حياة معلّقة بين العلاج والاعتقال

قبل اعتقاله، لم يكن أحمد نصر الله رجلًا معافى يعيش حياته بشكل طبيعي. كان مريض سرطان يخوض معركة طويلة مع الجسد، ويتلقى منذ ما يقارب السنة والنصف علاجًا منتظمًا في المستشفى الحكومي الوحيد في قطاع غزة الذي يشرف على علاج مرضى السرطان. كان جسده مرتبطًا بمواعيد دقيقة لجرعات المناعة والعلاج الكيماوي، وأي إخلال بهذا النظام الطبي كان يعني تعريض حياته لخطر حقيقي.

مرّ أحمد خلال سنوات مرضه بسلسلة عمليات جراحية معقّدة، أُزيل خلالها جزء كبير من معدته، إلى جانب عملية سابقة في الرأس، ما جعل حالته الصحية شديدة الحساسية. لم يكن المرض مجرد تشخيص طبي، بل واقعًا يوميًا يُفرض على تفاصيل حياته وحركة جسده وقدرته على المقاومة. ومع ذلك، كان يحاول أن يعيش قدر الإمكان حياة طبيعية، وأن يبقى قريبًا من أطفاله، حاضرًا في تفاصيلهم الصغيرة، رغم التعب المستمر.

 

 

 

اللحظة التي انكسر فيها اليوم العادي

في يوم اعتقاله، لم يكن في المشهد ما يوحي بأن الكارثة على وشك الوقوع. تلقّى أحمد جرعته العلاجية في المستشفى، ثم عاد إلى المنزل ليقضي وقتًا قصيرًا مع أسرته. جلس مع أطفاله، تناول معهم طعام الغداء، ودخل ليستريح قليلًا. لم تمضِ سوى دقائق حتى جاء أحد أبنائه يحمل مفتاح السيارة، يطلب من والده أن يأخذه إلى الدكان القريب لشراء بعض الحاجيات.

تحت إلحاح الأطفال، قرّر أحمد اصطحابهم جميعًا. كانت رحلة قصيرة، يفترض أن تنتهي سريعًا. لكنه ما إن خرج بالسيارة من باب المنزل متجهًا نحو الشارع، حتى اعترضت طريقه حافلة بشكل مفاجئ. تنبّه أحمد للأمر، وطلب من ابنه التوقف فورًا. نزل شخص بلباس مدني واتجه نحوه مباشرة، وبنبرة مريبة سأله إن كان بحاجة إلى مساعدة. رفض أحمد العرض، وحاول تغيير مسربه، لكن الحافلة عادت لتغلق الطريق من الجهة الأخرى.

في لحظة واحدة، تغيّر كل شيء. وُجه السلاح إلى رأس أحمد، فُتح باب السيارة بالقوة، وبدأت القوات بالنزول بأسلحتها وسط صراخ الأطفال وانهيارهم. أُجبر أحمد على النزول من السيارة، وبدأت عملية تفتيش مهينة أمام أطفاله، جُرّد خلالها من ملابسه، بينما كان يحاول الالتفات إليهم ليطمئنهم. منعوه بعنف، وضربوه، وسحبوه بالقوة.

الأطفال شاهدوا والدهم يُهدَّد بالسلاح، ويُضرب، ويُسحب من بينهم. كانوا يصرخون، يتوسلون، يكررون جملة واحدة: لا تأخذوا أبونا. لكن المشهد كان أقسى من أن يتوقف عند صراخ طفل أو رجاء أم.

دُفع أحمد إلى داخل الحافلة وأُغلق الباب بسرعة، وبقي أطفاله في الشارع وحدهم، مذهولين، غير قادرين على استيعاب ما حدث للتو.

حين يصل الخبر إلى الأم متأخرًا

لم تكن زوجته، دعاء نصرالله، شاهدة على لحظة الاعتقال نفسها. العملية نُفذت بسرعة تشبه الاختطاف المباغت. كانت في ساحة المنزل تنظف المكان، قبل أن يخترق الصراخ هدوء اللحظة. خرجت مسرعة إلى الشارع، لتسمع طفلها يصرخ: الجيش أخذ أبوي.

 

ما رأته لم يكن مجرد أطفال يبكون، بل وجوه صغيرة مصدومة، محمّلة بمشهد سيلازم ذاكرتهم طويلًا. في تلك اللحظة، بدأ قلق جديد يتشكّل في قلب الأم، قلق لا يتعلق بالغياب فقط، بل بما هو أخطر: مصير رجل مريض بالسرطان، انقطع فجأة عن علاجه، واختفى دون أي معلومة.

اعتقال بلا معلومة وقلق بلا حدود

منذ اليوم التالي لاعتقال أحمد، بدأت العائلة رحلة البحث عن خبر. تواصلوا مع مكتب الشكاوى في القدس، أبلغوا عن اعتقاله، وطلبوا معرفة مكان احتجازه ووضعه الصحي. لكن الصمت كان الجواب الوحيد. لم تصل أي معلومة رسمية، ولم يُبلغوا عن مكان وجوده، ولا عن ظروفه الصحية.

هذا الغياب القسري للمعلومة شكّل عبئًا نفسيًا ثقيلًا على العائلة، خاصة في ظل الأخبار المتداولة عن أوضاع السجون، حيث يعاني الأسرى من نقص الأدوية، ورداءة الطعام، وسوء النظافة، وضعف التهوية، وانتشار الأمراض. وبالنسبة لأسير مريض بالسرطان، ضعيف المناعة، فإن أي تأخير في العلاج أو أي عدوى بسيطة قد تكون تهديدًا مباشرًا للحياة.

الأسرى المرضى والالتزامات القانونية المغيّبة

ينصّ القانون الدولي الإنساني بوضوح على مسؤولية سلطة الاحتلال عن صحة الأسرى وحياتهم. اتفاقية جنيف الرابعة تُلزم بتوفير الرعاية الطبية اللازمة، وضمان استمرار العلاج، ونقل الحالات الخطيرة إلى مستشفيات مناسبة عند الحاجة، وعدم إخضاع الأسرى المرضى لظروف احتجاز تُفاقم أوضاعهم الصحية.

في حالة أحمد نصر الله، فإن استمرار احتجازه دون ضمان علاجه المنتظم، ودون تقديم ملفه الطبي الكامل، يشكّل انتهاكًا صارخًا لهذه الالتزامات. فالمرض هنا ليس ظرفًا طارئًا، بل حالة طبية مثبتة تتطلب متابعة دقيقة لا يمكن توفيرها في بيئة السجن، خاصة في ظل الظروف القائمة.

نداء حياة لا يحتمل التأجيل

قصة أحمد نصرالله ليست حكاية فردية معزولة، بل مرآة لمعاناة مئات الأسرى المرضى الذين يعيشون بين الخوف من المرض والخوف من الإهمال. هي قصة عائلة تُركت بلا إجابة، وأطفال حُملت ذاكرتهم مشهد اعتقال والدهم، وزوجة تعرف أن الزمن ليس في صالحها.

 

إن مؤسسة العهد الدولية، وهي تنشر هذه القصة، تؤكد أن حياة أحمد نصرالله في خطر حقيقي، وأن التدخل العاجل لم يعد خيارًا بل ضرورة. إن ضمان تقديم ملفه الطبي كاملًا، وتأمين وضع صحي خاص له، واستمرار علاجه دون انقطاع، هو الحد الأدنى من الواجب الإنساني والقانوني.

ورغم قسوة المشهد، تبقى كلمات زوجته شاهدة على إيمان لا ينكسر بأن العدل، مهما طال انتظاره، لا بد أن يأتي، وأن الفرج، وإن تأخر، يظل ممكنًا.

مواد مشابهة