لم يكن هؤلاء الرجال في ساحات قتال حين اعتُقلوا. كانوا نازحين يبحثون عن ملجأ، أو مرضى ومرافقين داخل مستشفى، أو عائلات تستعد لمغادرة مدرسة في وسط حرب إبادة مفتوحة على غزة. ومع ذلك، انتهى بهم الأمر في معسكر اعتقال عسكري يحمل اسمًا صار مرادفًا للرعب: سدي تيمان.
من هناك، من ذلك المعسكر القابع على تخوم غزة، خرجت ثلاث شهادات متقاطعة، تكشف تفاصيل حياة كاملة وسط العراء: تجويع، تعذيب، غياب للقانون، ومحاولة ممنهجة لتحويل الإنسان إلى رقم مكسور الإرادة.
هؤلاء ليسوا مجرّد حالات فردية، بل عيّنة مما جرى لآلاف الفلسطينيين الذين اعتُقلوا بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، في مدارس الإيواء والمستشفيات والشوارع، ثم اختفوا لشهور وسنوات في شبكة من السجون والمعسكرات المغلقة أمام أي رقابة حقيقية.
من المدرسة والمستشفى إلى الشاحنة المغلقة
عماد نبهان كان قد نزح من بيت لاهيا إلى جباليا وفقًا لأوامر الجيش. ظن أن وجوده في مدرسة قريبة من المسجد سيمنحه حدًّا أدنى من الأمان، فإذا بها تصبح نقطة اعتقال جماعي.
مصعب ماهر حمو اعتُقل من داخل مستشفى الشفاء يوم 18 آذار/مارس 2024، في اليوم الثامن من رمضان. أُخرج المرضى والمرافقون إلى ساحة المستشفى بين صفوف من الكاميرات، ثم أُجبروا على خلع ملابسهم بالكامل، ولم يُترك لهم سوى الملابس الداخلية لساعات طويلة، صائمين، تحت الشمس والإذلال.
أما محمد إياد رمضان قرموط، فاعتُقل من مدرسة في 25 أكتوبر، بينما كانت عائلته تستعد لمغادرة المدرسة، ظنًّا منهم أنهم ينتقلون إلى مكان أكثر أمنًا.
المشترك بين الثلاثة أن لحظة الاعتقال لم تكن مجرد توقيف، بل بداية اختفاء قسري؛ فقد تعرّضوا منذ اللحظة الأولى لسلسلة من الإجراءات: تقييد الأيدي برباطات بلاستيكية تشق الجلد، تغمية العينين، الضرب، والتكديس في شاحنات مغلقة تجمع بين مئة وخمسين إلى مئتي أسير في الحيز الخلفي، بلا تهوية كافية ولا مساحة للحركة، في رحلة نقل وصفها أحدهم بأنها “أقرب إلى النقل إلى مقصلة جماعية منها إلى سجن”.
سدي تيمان: معسكر لخلع الإنسان من إنسانيته
في معسكر سدي تيمان، تتوقف الساعة، ويتحوّل الجسد إلى موضوع تجارب قاسية.
عماد يروي أنه بعد يومين من التحقيق الميداني، نُقل إلى ما يسمى “البركسات” في سدي تيمان، ثم بدأ الطواف بين السجون، لكن المعاناة هناك كانت الأشدّ.
مصعب يقول إنه قضى مئة يوم متواصلة في البركسات، مكلبش اليدين والقدمين، ومغمى العينين طوال الوقت. طيلة هذه المدة، لم يعرف تعاقب الليل والنهار إلا من أصوات الحراس، ولم يُسمح له بالنوم إلا ساعات قليلة، بعد يوم يبدأ من الخامسة فجرًا حتى الحادية عشرة ليلًا، يُمنع فيه الأسرى من الاستلقاء أو إراحة أجسادهم.
الحياة اليومية في سدي تيمان تُختزل في ثلاثة مشاهد قاسية:
المشهد الأول هو الطابور إلى الحمّام.
حمّام واحد عبارة عن صندوق بلاستيكي مكشوف، بلا ماء كافٍ ولا ستار، يقف أمامه الأسرى في طابور قد يضم خمسين إلى سبعين اسمًا. الجنود يقفون فوق رؤوسهم بالشتائم والضحك والضرب. من لم يحتمل الانتظار أو لم يستطع الحركة بسبب القيود، كان يُجبر على التبوّل في مكانه، في مشهد من الإذلال المتعمّد وكسر الكرامة.
المشهد الثاني هو التابوت الحديدي الذي تحدّث عنه عماد.
قفص ضيق محكم الإغلاق، يُقيد فيه الأسير من يديه وقدميه، ويُغطّى رأسه بالكامل. ثلاث فتحات صغيرة فقط: اثنتان بالكاد تكفيان للتنفس، وثالثة يُدخَل منها أنبوب يحمل سائلًا يسمّونه “طعامًا موصوفًا من الطبيب”، قليل من الشوربة أو الفيتامينات لا يكفي طفلًا. داخل هذا التابوت، يتحوّل الزمن إلى عذاب خالص، ويبدأ الجسد بالتورّم والتقرّح تحت القيود، بينما يُترك الأسير لساعات وأيام يدور في دائرة الجوع والخنق والبرد.
المشهد الثالث هو الاقتحامات والضرب والكلاب.
كان الجنود يقتحمون البركسات فجأة، يطلقون الكلاب بين الأسرى، ينهالون عليهم ضربًا بالعصي والأيدي والأقدام، ويُسمَع صراخ الرجال من زوايا المكان. لم يكن هناك معيار واضح لهذا القمع يكفي أن يتحرك أحدهم، أو يطلب ماءً أو دواءً، حتى يتحوّل المكان كله إلى ساحة عقاب جماعي. أسرى شمال غزة – كما يروي محمد – كانوا هدفًا خاصًا للانتقام، وكأن الجغرافيا وحدها تهمة تستحق المزيد من الضرب.
التجويع والإهمال الطبي… حين يصبح الموت نتيجة متوقعة
الطعام في سدي تيمان وعوفر لم يكن وسيلة بقاء، بل أداة من أدوات العقاب.
وجبات الصباح: علبة جبنة صغيرة، تفاحة، خيارة، وبندورة لا تكفي لإفطار طفل.
الغداء: تونة أو جبنة أو قليل من الأرز الخفيف، بكميات لا تسد رمقًا.
العشاء: جبنة أو “تطلة” من الطحينة المخففة.
الفواصل الزمنية بين الوجبات طويلة إلى حدّ أن الأسرى يصلون إلى الوجبة التالية وهم في حالة انهيار جسدي كامل. محمد يصف الخبز بأنه “كالهواء”، بلا قوام، بلا طعم، لا يشبع ولا يمنح الجسم أي طاقة.
لكن الأكثر فداحة كان الدواء. حبة مسكن من نوع “أكمول” كانت تحتاج إلى إضراب كامل داخل الغرف، يواجه بعدها الأسرى اقتحامًا وضربًا وقمعًا، ثم في كثير من الأحيان لا يحصلون على الدواء أصلًا.
مرضى الأعصاب، العظام، الضغط والقلب، كانوا يُتركون بلا متابعة. بعضهم، كما يروي عماد، بدأت أجسادهم تتقيّح وتظهر عليها دمامل وجروح ملتهبة، تُركت بلا علاج إلى أن فقدت أجسادهم القدرة على المقاومة.
في إحدى الغرف، فقدوا أربعة شباب، ماتوا لأن أجسادهم لم تعد تتحمل التلوث والجروح والالتهابات. الموت كان يحدث على مرأى من الجميع، فيما يُقال للأسرى: “العلاج بعد السفراء”، أي بعد الترحيل أو الصفقة عبارة تعني عمليًا أن العلاج لن يأتي أبدًا.
هذا الإهمال لم يكن نتيجة فوضى، بل جزء من نظام كامل لـالإعدام البطيء.
التجنيد تحت الجوع… والاتهامات الجاهزة والحرمان من المحامين
إلى جانب التعذيب الجسدي والنفسي، كان هناك خط آخر للضغط: محاولة تحويل الأسير إلى مخبر أو متعاون تحت وطأة الجوع.
عماد يروي أن بعض الأسرى كانوا يُعرض عليهم طعام أفضل أو كميات أكثر، على أن يكون ذلك ثمنًا لموافقتهم على العمل مع الاحتلال. من يأكل من هذا الطعام يُعتبر موافقًا، ومن يرفض يُترك للتجويع والتعذيب. هكذا، يتحوّل الخبز إلى أداة ابتزاز، والجوع إلى وسيلة لتفكيك المجتمع الأسير من الداخل.
الاتهامات كانت جاهزة: “أنت من عناصر 7 أكتوبر”، “أنت من منظمة إرهابية”، “أنت من الجهاد الإسلامي”. لا أدلة، لا شهود، ولا فرصة حقيقية للدفاع.
مصعب عُرض على المحكمة، وصدر بحقه قرار اعتقال إداري لستة أشهر دون لائحة اتهام واضحة، ثم مُددت المدة مرة أخرى بذريعة الانتماء لحركة الجهاد الإسلامي. حين طلب لقاء محامٍ، قيل له ببساطة: “لا يوجد، ولا حق لك”.
عماد أيضًا مُنع من مقابلة أي محامٍ، حتى أولئك الذين تم توكيلهم لم يستطيعوا الوصول إليه بسبب رفض الجيش، ليتحوّل الحرمان من المحامي إلى سياسة ثابتة لا استثناء عارضًا.
اللقاء الوحيد الذي سمح لمصعب به مع محامٍ – بعد عام ونصف – كان مع محامي مؤسسة الضمير، محمد الجبارين. جرى أخذه مكبّلًا، مضروبًا، مغمى العينين. لم يُسمح للمحامي بأن يخبره عن أوضاع أسرته، ولا أن ينقل رسالة، اقتصرت المقابلة على التحقق من أنه ما زال حيًا، في انتهاك مباشر لجوهر حق الدفاع، الذي يفترض أن يضمن للأسير محاكمة عادلة، لا أن يُختزل في “إثبات الحياة” فقط.
سنة في السجون… ثم صدمة ما بعد الخروج
امتدت رحلة محمد قرموط بين سدي تيمان وسجن عوفر قرابة عام كامل.
خلال أربعة أشهر في سدي تيمان وأربعة أخرى في عوفر، عاش حياة محصورة بين أرض إسمنتية، برد قارس، بطانيات رقيقة، نوم لا يتجاوز أربع ساعات، وحرمان تام من الهواء والشمس والنظافة.
لم ير أي مؤسسة حقوقية طوال العام، ولم يزرهم الصليب الأحمر إلا قبل يومين فقط من الإفراج، لمجرّد تسجيل الأسماء.
حين خرج، كانت الصدمة مضاعفة.
عاد إلى غزة فلم يجد البيت، بل ركامًا. علم أن ابنه استُشهد، وأن أخاه استُشهد أيضًا، وأن بقية الأسرة بين جريح ومفقود. وجد المخيمات بدل البيوت، والخيام بدل الغرف، والشارع بدل الأمان.
يقول إن قطاعًا كاملًا يعيش حرب إبادة؛ كل شيء فيها مدمّر: المنازل، الشوارع، المستشفيات، وحتى ذاكرة الأطفال.
عماد خرج ليكتشف أن والده حي يُرزق، بعدما أُبلِغ داخل السجن أن والده توفي، في محاولة لكسر روحه. لحظة خروجه كانت أشبه بولادة جديدة، لكنها ولادة من وسط مقبرة جماعية، لمدينة تصرّ على أن تبنى من جديد مهما حوّلوها إلى رماد.
مصعب خرج في 13 أكتوبر، يحمل جسدًا منهكًا وذاكرة مكتظة بالضرب والإهانات، لكنه ترك خلفه آلاف الأسرى الذين ما زالوا يعيشون ما عاشه، وربما أسوأ، بلا أفق واضح للحرية.
من انتهاك حقوق الأسير إلى مستوى جرائم الحرب
ما تكشفه شهادات عماد ومصعب ومحمد لا يبقى في إطار الحكاية الإنسانية فقط، بل يضعنا مباشرة أمام مسؤولية قانونية دولية واضحة.
وفق القانون الدولي الإنساني، وبخاصة اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، فإن أي شخص يقع في قبضة طرف في النزاع، سواء اعتبرته القوة القائمة بالاحتلال “أسير حرب” أو “معتقلًا أمنيًا” أو “محتجزًا إداريًا”، يظل له حدّ أدنى لا يمكن المساس به من الحقوق الأساسية.
المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع تحظر بشكل قاطع التعذيب، المعاملة القاسية، الإهانة، والاعتداء على الكرامة الشخصية، كما تحظر إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات دون محاكمة عادلة تتوفر فيها الضمانات القضائية الأساسية.
في حالة المدنيين، كما هو حال معظم معتقلي غزة الذين اختُطفوا من المدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء، فإن اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب تنص على عدم جواز الاعتقال التعسفي، وتُلزم القوة المحتلة بتوفير ظروف احتجاز إنسانية تشمل الغذاء الكافي، والرعاية الطبية، والنظافة، والحماية من العنف، وحق الاتصال بالعائلة، وحق التواصل مع محامٍ، وحق الزيارة من قبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
الممارسات التي وردت في الشهادات – من التعذيب الجسدي والنفسي، التابوت الحديدي، التجويع الممنهج، الحرمان المتعمد من الدواء، ومنع المحامين، والإخفاء القسري لفترات طويلة – تتعارض كذلك مع اتفاقية مناهضة التعذيب التي تحظر التعذيب حظرًا مطلقًا في جميع الظروف، وتلزم الدول بمنع الأفعال التي تصل إلى مستوى “المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة”. ما ورد عن موت أسرى نتيجة الإهمال الطبي وترك الجروح والالتهابات دون علاج، يرقى إلى مستوى التصفية الجسدية البطيئة، وهو ما يمكن أن يُصنف كـ”قتل عمد” إذا ثبت تعمّد حرمانهم من العلاج.
من زاوية أخرى، فإن نمط الانتهاكات الموصوف في هذه الشهادات – بوصفه جزءًا من سياسة أوسع تستهدف آلاف الأسرى – يدخل في نطاق جرائم الحرب كما يحددها نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية؛ بما في ذلك التعذيب، المعاملة اللاإنسانية، الإضرار العمدي الشديد بالصحة، النقل غير المشروع، الحرمان الجسيم من المحاكمة العادلة، والإخفاء القسري. هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وتظل قابلة للمساءلة أمام المحاكم الدولية والوطنية التي تعتمد الولاية القضائية العالمية.
من الشهادة إلى المسؤولية
يخرج عماد ومصعب ومحمد من السجن وهم يحملون في أجسادهم آثار القيود، وفي ذاكرتهم أصوات الذين لم يخرجوا بعد.
يحكون عن شباب ماتوا في التابوت الحديدي، وآخرين انهارت أجسادهم بسبب الجوع والمرض، وعن رجال أمضوا شهورًا مغمى العينين لا يرون السماء، ولا يعرفون إن كانت عائلاتهم ما زالت على قيد الحياة.
هذه الشهادات ليست مجرد قصص شخصية، بل وثائق إنسانية وقانونية يجب أن تُرفع إلى كل جهة قادرة على التحقيق والمحاسبة؛ من لجان تقصي الحقائق، إلى المقررين الخاصين، إلى المحاكم الوطنية والدولية.
ما يطلبه هؤلاء الأسرى المحررون بسيط في جوهره: أن يُنظر إلى من بقي هناك كأناس لهم أسماء ووجوه وعائلات، لا كأوراق في ملف مغلق.
وأن يُرفع الصوت من أجلهم، قبل أن تصبح حكاياتهم القادمة مجرد توثيق جديد لموتٍ كان يمكن منعه ولم يُمنع.
مواد مشابهة
أجنة خلف القضبان:ثلاث أسيرات حوامل يواجهن الجوع والقمع في سج...
تحتجز قوات الاحتلال الإسرائيلي ثلاث أسيرات حوامل في سجن الدامون، هن أمينة الطويل من قلقيلية، ودانا جودة من ناب...
خلف القضبان بدل قاعات الامتحان : أسرى أشبال حرمهم الاعتقال م...
تمثل قضية طلبة الثانوية العامة المعتقلين سوى جزء من واقع أوسع يعيشه الأطفال الفلسطينيون في سجون الاحتلال. فوفق...
شيماء الخولي: من ساحة المعمداني إلى زنازين الدامون
تقول شيماء إن اللحظة الأصعب لم تكن الاعتقال نفسه، بل شعورها بأنها تغادر غزة إلى المجهول. خلال عملية النقل، راو...