كم أفقدت الحرب أناساً سندهم، وكم لُوِّعت قلوب على أحبابها، وكم تعذبت أرواح كانت في قدرها منذ بدئه معذّبة، وفي قصة ريم المغربي، تجسيد لفقدان السند، والمسنود في آن.
بعد انتصاف الشهر الأول من الحرب، بدأت تتضح معالم نوايا الاحتلال التي لم تتخذ أية خطوط حمراء، وبدأ سكان المناطق الغربية لمدينة غزة يدركون أن أوامر الإخلاء لم تكن
تجربة أو مناورة على الإطلاق، حين باغتتهم القذائف والصواريخ بكل أشكالها وأنواعها ولم تدع فرصة لنجاة أي كائن حي، فدفنت كل من بقي في بيته تحت ركامه.
نزوح اضطراري
مدفوعين بالذعر والخوف على أطفالهم، غادر سكان المناطق التي كانت تقترب منها قوات الاجتياح البري، ونزحوا إلى مناطق ظنوها أكثر أمناً، تروي ريم المغربي كيف طلبت قوات الاحتلال من سكان منطقة جامع فلسطين التي تسكنها، الإخلاء بالكامل، حيث تقدمت الدبابات من المكان، وأحاطته، ومع منتصف شهر نوفمبر كان الحي كله قد أصبح محاصراً، وتحت النار، لحسن حظ ريم، كانت قد غادرت مع زوجها موسى المغربي، الستيني المريض بالسرطان، وابنيها إبراهيم، وحازم الذي لديه مشكلة في سمعه، ويستخدم سماعة طبية، ونجوا من حصار الحي، حين مكثوا في مركز إيواء بمدرسة العائلة المقدسة مدة50 يوماً.
مع بداية شهر ديسمبر أُعلن عن هدنة قصيرة، تنفس فيها الناس الصعداء، وعادوا لمناطقهم يتفقدون المنازل، ويعاينون الدمار، ويبحثون عن المفقودين، وينتشلون الشهداء، بمجرد أن دخلت الهدنة حيز التنفيذ رجعت ريم وعائلتها إلى بيتهم الذي لم يكن قد دُمّر كلياً، ومكثوا فيه أيام الهدنة التي كان يتم تجديدها كل يومين، وفي الليلة الأخيرة، كانت الصاعقة.
هجوم مباغت
تروي ريم كيف أنهم توقعوا تمديداً آخر لأيام الهدنة، لكنه لم يحدث، وقبل أن يتمكن أحد من اتخاذ قرار ما، استعر أتون الحرب من جديد وبلا هوادة، وبدأت الغارات الشديدة بشكل مباشر وسريع، والقصف الجنوني لم يهدأ كأنه كان رابضاً يتربص، كوحش ينتظر إشارة الهجوم! في ظل هذا الذعر المباغت، قرر موسى زوج ريم ألا يغادر البيت، فمرضه يثقله، وصحته لا تساعده على كثرة التنقل، والمكوث في ظروف غير مريحة، وأخبر زوجته أنه يفضل الموت في بيته على الموت مشرداً على قارعة الطريق برفقة السرطان.
بقيت العائلة المكونة من ستيني مريض، وثلاثيني بنصف سمع، وامرأتين إحداهما عجوز، ورجل واحد سليم، في المنزل تحت القصف المتواصل والعنيف، الذي ظل يشتد حتى انتهى بوصول جنود الاحتلال إلى منزلهم، تقول ريم المغربي إنهم كانوا في البيت في الطابق العلوي، عندما سمعوا أصواتاً في الأسفل، اتضح بعدها أنهم مجموعة من جنود الاحتلال يتجاوز عددهم الأربعين جندي، يحتلون الطابق السفلي، ثم ما لبثوا أن بدأوا ينادون على من في البيت يطلبون منهم النزول للأسفل.
تنكيل واختطاف
ساعدت الأم ابنها حازم على فهم ما يحدث حوله، واصطحبته هو وحماتها إلى الأسفل، ورافقهم ابنها الآخر إبراهيم، أما والدهم موسى، فبقي في الأعلى بسبب مرضه الذي أعاقه عن النزول. حاولت ريم أن تشرح للجنود أنهم مدنيون مسالمون، نصفهم مرضى، ونساء، لكنهم تجاهلوا حديثها وأرسلوا جندياً أجبر موسى المريض على النزول، وبعد صراخ وتنكيل،
طلب الجندي من ريم الصعود للأعلى وأخذ بعض الاحتياجات، وروت لنا كيف أجبروها وحماتها على مغادرة المكان، تقول إنها نزلت من الأعلى، فوجدت أنهم قد خلعوا عن الرجال ملابسهم، وقيدوا أيديهم، ثم قال لها الجندي: انظري إليهم جيداً، لأنك لن تريهم بعد الآن!
النجاة الثانية من الموت
وسط دموعها وقلة حيلتها حاولت ريم أن تؤكد لهم أنهم مرضى، ولا ذنب لهم، فقاموا بتهديدها بالسلاح، وأجبروها على الخروج، فغادرت مع ام زوجها، في الثامن من ديسمبر 2023م، وهو اليوم الذي شاهدت زوجها وابنيها للمرة الأخيرة..
خرجت ريم مقهورة ومكسورة، تجر الحزن والخوف، وتحمل الهم على كتفيها، ولجأت إلى منزل أختها، تحاول أن تلملم بقايا قلبها، لكن الاحتلال لم يعطها الفرصة لذلك..
تروي ريم ليلة تم قصف بيت أختها، أنها علقت بين الركام تحت الأنقاض، وظنت أنها لن تنجو، وقالت: "تمنيت أمنية واحدة، أن أراهم مرة قبل موتي". تم إنقاذ ريم بأعجوبة، ونجت هي وأختها لكن الأخت فقدت زوجها وأبناءها.
وحدة قهر، وعذاب
تمكث ريم الآن برفقة أختها، وتحاول كل منهما أن تكون سند الأخرى، في وحشة الحرب وقسوتها، تصبّر ريم أختها، وتذكرها بأن مصير عائلتها قد عُرف، لأنهم شهداء في النعيم، وفي نفس الوقت ترثي نفسها الضائعة في متاهة المجهول، لا تعلم عن زوجها وأبنائها شيئاً، هل زوجها حي؟ أم أكل السرطان جسده؟ هل ابنها حازم يسمع ما حوله، أم أخذوا سماعته؟ هل تعرضوا للضرب والتعذيب، أم تم إعدامهم؟ أسئلة تتضاعف وتزداد ثقلاً، وتجثم على صدر ريم، وآلاف غيرها، مثل صخرة خانقة تكاد تقطع عنهم الأنفاس..
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...