الاثنين 6 يوليو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

شهران، أخوان، واختفاء كبير

25 ديسمبر 2024 قراءة 4 دقيقة

 

 

غزة- تسنيم محمد

عندما بدأت هذه الحرب، لم يكن أحد يعلم أنها ستحمل معها صورة النكبة الثانية، وأصنافاً من العذاب، غير التي ألفناها، وحكايات لم نعرفها سوى في قصص الأجداد المهجّرين.. ليست قصص القصف والدمار والتهجير والموت والجوع، هي وحدها ما يدمي القلب، بل قصص الذين فُقِدوا، في غياهب المجهول، لا يعرف لهم مصير ولا يقرّ لذويهم قرار..

من خيمة نزوح غرب الزوايدة، وهي المكان الخامس الذي تقيم فيه، حدثتنا أم مصطفى اللوح، عن فقدها الكبير، ووحدتها المريرة بعد تغييب ابنيها مصطفى وأحمد الذين تشاركا شهر ميلادهما في سبتمبر، حتى إذا بلغا مطلع عقدهما الثاني، تشاركا همّ الاحتلال، وأضافا إلى قائمة هموم عائلتهما هماً جديداً يتضاعف كل يوم..

فُرقة ونزوح

تروي أم مصطفى يوم قررت عائلتها النزوح من مدينة غزة، بعد أن استحال البقاء في منطقتهم، وصار الخطر يداهمهم من كل جانب، كان ابناها أحمد ومصطفى يرفضان الفكرة من الأساس، وكانت العائلة متفرقة، فالوالد في مكان آخر، والأخت المتزوجة في مكان ثالث، غير أن اشتداد القصف ووحشية المحتل أجبرتهم على مرافقة أمهم إلى وسط القطاع.

أثناء إقامتهم المؤقتة في مخيم المغازي، كان الوقت يمضي، والحرب تشتد، والرجوع يصبح أكثر استحالة، سيطرت على مصطفى وأحمد فكرة الرجوع إلى مدينة غزة، وكان جل تفكيرهم في تلك الفترة كيف يتمكنون من ذلك بأية طريقة، تخبرنا أم مصطفى عن محاولاتها المستمرة لتهون عليهما الوضع، وتأكيدها أن الحرب لن تطول وأن هذه مرحلة مؤقتة ستنتهي قريباً، وكيف سيرجعون ليلتقوا بوالدهم وأختهم المتزوجة في غزة.

قهر يتصاعد

ظلّ أتون الحرب مشتعلاً، وظلت تأكل في طريقها كل شيء، وتلاحق النازحين المشردين من بقعة إلى بقعة، وظل الشابان غير متقبلين لموضوع النزوح، ولم تقر لهما عين في أي مكان، وكان أحمد يردد دائماً أنه سيعود إلى غزة، مهما كلفها الأمر، وشاركه مصطفى الفكرة، لكنها استحوذت عليه بصمت، وظلت محاولات الأم متواصلة لتخفيف وطأة الواقع المرير للذل والألم، لكن هناك حيث استقرت العائلة في شرق دير البلح، فقدت الأم قدرتها على الإقناع تحت وطأة القصف المتكرر، وبعد المرحلة المتقدمة من الدمار والوجع، وانقطاع السبل وبُعد الأحبة، اضطرت العائلة للنزوح من جديد، وقررت الأم الانتقال إلى مدينة رفح، تروي أم مصطفى كيف رفض ابنها مصطفى فكرة النزوح المتكرر، واللجوء المستمر، ورفض الذهاب معها إلى رفح، ومع إصرارها وتوسلها، أخبرها أنه سيلحق بهم.

الاختفاء الأول

خرجت الأم مع ابنها أحمد إلى رفح، وبقي مصطفى، الذي لم يلحق بهم، ولم يعرف عنه بعدها أي شيء، قلبت الأم الأرض بحثاً عنه، ولم تترك أحداً يعرفه من قريب أو من بعيد إلا اتصلت به، دون جدوى، اختفى مصطفى في شهر يناير عام 2024، في عامه الثالث والعشرين، كان آخر مكان شوهد فيه هو مدينة دير البلح، ثم لم يظهر له أثر!

انقضى شهران، ولم يغمض لام مصطفى جفن، وجُنّ جنون أحمد، كان النزوح يقتل كل رغبة في الحياة، والحيرة تعمي القلوب، والقلق يمرض النفوس، والمجهول يتربص بالجميع، وكان أحمد لا يفتأ يردد أنه سيعود إلى مدينته وبيته، عبر حاجز نيتساريم المشئوم، مهما كلفه الأمر. حدثتنا أم مصطفى كيف كانت تلك الفكرة ترعبها، لكنها كانت تظن ابنها يمزح أو يبالغ، لأن منطقة نيتساريم أصبحت كابوساً يتربع وسط القطاع، يمنع كل كائن متحرك من الاقتراب منه عن بعد آلاف الأمتار!

الاختفاء الثاني

لكن الكابوس أصبح واقعاً، صباح يوم من شهر مارس، حين استيقظت أم مصطفى فلم تجد أحمد بجانبها، وبحثت عنه في كل مكان، ولم تجد إلا ملابسه وأغراضه الشخصية وهاتفه، ولا شيء آخر يدل على نيته أو مكانه، ومع الذعر الذي تملكها عندما لم تصادف عنه خبراً، أدركت أنه كان جاداً في نيته العودة عبر الحاجز، تروي أم مصطفى بعينين غائرتين لا تملان البكاء، كيف تعلق أحمد بأرضه وبيته في مدينته، رغم أنهم لم يغادروا أرض القطاع، لكنه رفض الخروج من البداية، ومع تكرار النزوح، ومرور الوقت، زاد ألماً وحزناً، وزاد إصراراً على العودة. 

واختفى أحمد في شهر مارس من نفس العام، في عامه الحادي والعشرين، بعد شهرين من اختفاء أخيه، وتضاعف وجع أمهما أضعافاً مضاعفة.

جحيم المجهول

اختنقت ام مصطفى وهي تقول: خرجت مع أحمد ومصطفى والآن أنا بدونهما في خيمة نزوح خامسة، وحيدة بانتظار أي خبر عنهم، والدهم وأختهم في انتظارهم، "قلتلكم حنرجع عالشمال بس اصبروا، استعجلتو ورحتو بدوني، تعبت من غيركم يما".

تقضي أم مصطفى أيامها لا تعلم إن كانا من الأحياء أو الأموات، من المصابين أم من السالمين، من المعذبين الذين يتم تسريب صورهم من داخل مراكز الاحتجاز أم من غيرهم. لا شيء، لا علم ولا ظن ولا دليل.. فقط بحر واسع من المجهول.. وجحيم من الانتظار..

 

 

 

مواد مشابهة