تفاصيــل الخبـر
نساء خلف القضبان: روايات حية من سجن الدامون
من داخل سجن الدامون تتكشف ملامح واقع قاس تعيشه الأسيرات الفلسطينيات منذ اندلاع عدوان الاحتلال على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث تصاعدت الانتهاكات بحق النساء المحتجزات بصورة غير مسبوقة. وتظهر الشهادات الواردة من داخل السجن إلى جانب ما ترصده المؤسسات الحقوقية صورة قاتمة من القمع الممنهج الذي يمس كل تفاصيل حياة الأسيرات اليومية من التفتيش العاري والإهانات اللفظية إلى الإهمال الطبي والتجويع والاحتجاز في بيئة مكتظة وغير صالحة للعيش.
ويبلغ عدد الأسيرات حتى منتصف نوفمبر 2025 نحو 52 أسيرة من مختلف المناطق الفلسطينية، بينهن أسيرة واحدة من غزة يقبعن جميعا وسط غياب الرقابة الدولية واستمرار سياسة العقاب الجماعي بحقهن.
انتهاكات متصاعدة : شهادات حية من داخل سجن الدامون
تكشف الشهادات الواردة من الأسيرات الفلسطينيات المحتجزات في سجن الدامون عن حجم المعاناة اليومية التي يتعرضن لها منذ لحظة اعتقالهن وحتى أدق تفاصيل حياتهن . فهذه الأصوات المتعبة ترسم مشهدا شاملا لسياسة منظمة من الإهمال الطبي والتنكيل الجسدي والنفسي، وسوء المعاملة، وحرمان النساء من أبسط الحقوق التي يكفلها القانون الدولي الإنساني.
تبدأ إحدى هذه الشهادات مع الأسيرة فداء عساف، الأم المصابة بالسرطان من بلدة كفر لاقف في قلقيلية، والتي اعتقلت في 24 فبراير 2025 أثناء عودتها من جلسة علاجية. تروي فداء أن ما واجهته منذ اللحظة الأولى لم يكن سوى معاملة مهينة تنطوي على قسوة مفرطة، حيث خضعت لتفتيش عارٍ مصحوب بإهانات وشتائم نابية، قبل أن تُنقل إلى غرفة موبوءة تفتقر للطعام والماء وتنتشر فيها الحشرات. وتشير في شهادتها إلى أن وضعها الصحي تدهور بشكل سريع نتيجة غياب الرعاية الطبية ووجودها في بيئة غير إنسانية، ما أدى إلى ارتفاع مؤشرات مرضها مجددا دون أي استجابة من إدارة السجن رغم حاجتها الملحة لعلاجات يومية أساسية.
وتأتي شهادة الأسيرة إباء أغبر من رفيديا في نابلس مواليد 28 مايو 2002 والمعتقلة منذ 16 مارس 2025، لتقدم وصفا مختصرا لكنه كفيل بكشف عمق المأساة. تقول إباء: إن سجن الدامون يعيش على وقع قمعات متكررة تقتحم خلالها القوات الخاصة الزنازين برفقة كلاب بوليسية، بينما تنتشر الأمراض الجلدية بين الأسيرات بسبب الحشرات والحر الشديد والرطوبة. وتوضح أن الاحتياجات الأساسية غير متوفرة من صابون وغيارات وملابس داخلية، وأن الملابس التي يمتلكنها أصبحت بالية تماما وسط رفض إدارة السجن تزويدهن بأي بدائل في حين يزداد الضغط عليهن يوما بعد يوم.
أما شهادة الأسيرة حنان البرغوثي، المولودة عام 1964 من قرية كوبر في رام الله والأم لسبعة أبناء والجدة لسبعة عشر حفيدا، فتأتي لتكشف جانبا أكثر قسوة وإذلالا. تقول حنان إن السجن شديد البرودة ولا تتوفر فيه الحرامات، حتى أن بعض الأسيرات لم يمشطن شعرهن منذ عام كامل، فيما تتناقص أوزانهن بشكل ملحوظ بسبب سوء التغذية. ترافق ذلك شتائم مستمرة من السجانين، وتفتيشات تقتحم فيها الغرف عدة مرات يوميا، أما الطعام فـ "زفت" كما وصفته، وتقول: "حتى الملفوف المعفن بنوكله".
وتسرد حنان تفاصيل يوم من أيامها القاسية حين أخرجت الأسيرات في 13 أكتوبر إلى الساحة ووجوههن على الأرض وأيديهن مكبلة إلى الخلف، حيث جرى تفتيش اثنتين منهن تفتيشا عاريا . وتواصل حنان سرد انتهاكات أخرى منها قمع الأسيرة شيرين حمامرة لأنها تأخرت في الحمام، حيث جرى تكبيل بنات غرفة 4 بالكامل، فيما تعرضت إحدى الصبايا لرش الغاز في وجهها ثم ضربت على رأسها حتى سال دمها لساعات.
وتقدم حنان وصفا لظروف غرفة 9، حيث تتواجد 11 صبية داخل غرفة فيها 6 أبراش فقط، ما يعني أن خمس فتيات يضطررن للنوم على الأرض. ثم تعود لتروي تفاصيل اعتقالها فجر 30 سبتمبر 2025 حين اقتحمت 15 دورية منزلها الساعة الثالثة إلا ثلث، وتم تكبيلها إلى الخلف ووضعها على أرضية "بوز النمر" المبللة والرطبة، قبل نقلها إلى مركز تحقيق عوفر حيث صدر بحقها اعتقال إداري. وبعد ذلك نقلت إلى سجن الدامون حيث خضعت لتفتيش عارٍ بالكامل أثناء وصولها وصودرت ملابسها، وأُعطيت بديلا عنها "أواعي شاباص" ، وتضيف أنه في الليلة نفسها تعرضت الأسيرات لقمعة جديدة، حيث أجبرن على القرفصة في الساحة وتعرضت هي نفسها للضرب على الرأس بواسطة البسطار.
وتأتي شهادة الأسيرة ولاء طنجي من مخيم بلاطة، المولودة في 30 يوليو 1996 والمعتقلة منذ 4 يوليو 2025، لتعيد تأكيد نمط التعذيب ذاته. تروي ولاء أنها تعرضت للكلبشة المدمجة لليدين والرجلين طوال الوقت حتى حفرت آثارها على جسدها. وتصف القمعة الكبرى التي نفذتها قوات اليماز داخل السجن حيث اقتحمت الغرف بأسلحة وجرى خلالها اعتداء مباشر عليها، إذ "شالتني السجانة زي شوال الطحين وزتتني بالساحة، ودعست على رقبتي بالبسطار".
ثم عُزلت في غرفة مليئة بالصراصير والفئران، وقضت 12 ساعة يوميا في العزل وهي مكبلة. وتقول إن التفتيش لم يتوقف حتى داخل العزل وكان يجري الساعة الثالثة صباحا قبل أن تصف تلك الفترة بأنها "أصعب حبسة". وتختتم ولاء شهادتها بالعودة إلى لحظة اعتقالها حين اقتحم 11 جيب عسكري منزلها عند الساعة الثالثة فجرا، وجرى الاعتداء عليها بالضرب قبل نقلها إلى مركز تحقيق المسكوبية لمدة شهر كامل ثم إلى سجن الدامون.
وتجمع هذه الشهادات بتفاصيلها الكاملة على رسم صورة واحدة لواقع الأسيرات في سجن الدامون؛ واقع يتسم بقمع منهجي وتضييق متصاعد وبيئة عقابية قاسية تستهدف فيها النساء عبر سياسات تهدف إلى كسر إرادتهن وإضعاف صمودهن في ظل غياب أي رقابة دولية فاعلة أو تدخل حقيقي يحميهن من هذه الانتهاكات المتواصلة.
قمع ممنهج: سياسات التعذيب في سجن الدامون
تؤكد شهادات الأسيرات وتقارير حقوقية فلسطينية ودولية تصاعد الانتهاكات بحق النساء المحتجزات في سجن الدامون وسط سلسلة ممنهجة من الإجراءات العقابية التي تشمل:
- التفتيش الجسدي العاري المهين
- الإهانات اللفظية المستمرة
- الحرمان من الغذاء الكافي
- نقص الملابس ومستلزمات النظافة الأساسية
- تهديدات مستمرة بالاعتداء وإعادة الاعتقال
- إهمال طبي متعمد للأسيرات المريضات
وتشير تقارير هيومن رايتس ووتش إلى أن الدامون أصبح رمزًا لانتهاك حقوق النساء، إذ:
- تعاني غرف الدامون من اكتظاظ شديد
- يُحرم الأسيرات من التواصل مع العالم الخارجي
- إهمال طبي وعلاجات تقتصر فقط على المسكنات
كما وثقت منظمة بتسيلم أن 70% من المحررات تعرّضن لتعذيب جسدي مباشر. وتؤكد مؤسسات الأسرى أن الأسيرات محرومات من النظافة الشخصية ومستلزمات الصحة النسائية فيما تم تقليص دقائق الهواء الطلق إلى الحد الأدنى وهو وقت لا يكفي إلا لاستخدام الحمام والتنفس قليلا.
وبعد إعلان الاحتلال حالة الطوارئ، زادت العزلة سوءا بمنع المحامين من الزيارة ما قطع آخر خيط تواصل بين الأسيرات وعائلاتهن. وتنفذ إدارة الدامون تفتيشات ليلية مفاجئة داخل الغرف، تتم خلالها مصادرة المقتنيات وفرض أجواء مرعبة من الترهيب.
صمت دولي وتواطؤ يفاقمان المأساة:
تشكل الانتهاكات المرتكبة بحق الأسيرات الفلسطينيات في سجن الدامون خرقا صارخا للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة التي تفرض على دولة الاحتلال التزامًا واضحًا بحماية الأسيرات وتوفير الرعاية الطبية، وضمان الكرامة الإنسانية، ومنع أي أشكال للتعذيب أو الإذلال أو المعاملة القاسية. كما تعد سياسات العزل، والتفتيش العاري، والحرمان من العلاج، ومنع احتياجات النظافة الأساسية، ومنع الزيارات والاتصال بالعائلة، ممارسات محظورة وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان وميثاق مناهضة التعذيب. هذه الانتهاكات سياسة ممنهجة تمارس بشكل واسع ومنظم ما يضع سلطات الاحتلال تحت طائلة المساءلة القانونية الدولية ويفتح الباب أمام مطالبات جدية بتشكيل لجان تحقيق مستقلة ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.
أكدت مؤسسة العهد الدولية أن الأسيرات الفلسطينيات يعانين أوضاعا مأساوية في سجن الدامون، وسط قمع جماعي وعزل شبه تام عن العالم الخارجي وحرمان مستمر من أبسط الحقوق الصحية والإنسانية التي يكفلها القانون الدولي.
وأشارت المؤسسة إلى أن الشهادات الواردة من داخل السجن تعكس مستوى خطيرا من الانتهاكات بدءا من الإهمال الطبي المتعمد، مرورا بالتنكيل الجسدي والنفسي، ووصولا إلى ظروف الاحتجاز التي تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية.
ودعت المؤسسة مختلف الهيئات الحقوقية والإنسانية إلى التحرك العاجل لكشف حقيقة ما يجري داخل السجن وفضح الممارسات الممنهجة التي تتعرض لها الأسيرات، ومحاسبة سلطات الاحتلال على جرائمها، والعمل الجاد من أجل الإفراج الفوري عنهن دون قيد أو شرط بوصفهن ضحايا لانتهاكات جسيمة تتعارض مع المواثيق الدولية كافة.
ورغم تكرار هذه النداءات يظل المجتمع الدولي صامتا في مواجهة ما يجري فيما تتحول السجون إلى مراكز للتعذيب النفسي والجسدي، وتبقى الأسيرات تحت وطأة القمع والعزل يواجهن السجان بالصمود، ويقابلن الظلم بعزيمة لا تنكسر.
آخر الأخبار
-
الأسير المحرر رامي أبو زبيدة: يوميات الإجرام في سج...
31 January 2026 -
التعذيب كسياسة: شهادتان من غزة توثّقان جرائم الاعت...
30 January 2026 -
أمين بركة… صحفي خرج من الجحيم حيًّا
28 January 2026 -
الصحفيون الفلسطينيون في زنازين الاحتلال مهنة قيد ا...
27 January 2026 -
الأسير رائد أبو حمدية: خلية الرعب التي ولدت في صور...
23 January 2026 -
الشيخ الذي لم يغادر السجن حسام حرب… سيرة عمر مؤجَ...
20 January 2026