لا يُولَد الأسير أسيرًا. يولد ككل البشر: بيدين تبحثان عن لعب الطفولة، وبعينين تتعلمان اللون قبل أن تعرفا العتمة. لكن في فلسطين، ثمّة خطوط خفيّة تغيّر مسار العمر مبكرًا؛ خطوط يتركها جنودٌ يمرّون في الأزقة، وأسوارٌ تُبنى فوق بكاء الأمهات، وسماءٌ تُصبح منخفضة إلى حدّ تشبه السقف الحديدي لزنزانة لم تُبنَ بعد.
هناك، ينشأ جيلٌ كامل على المفارقة: أن يتعلم معنى الحرية قبل أن يختبرها، وأن يعرف ثمنها قبل أن يطالب بها. وفي هذا البرزخ بين زمنين—زمن الطفولة وزمن المقاومة—تولد سيرة الأسير الفلسطيني، لا كحكاية فرد، بل كامتداد لبلدٍ بأكمله يحاول أن يحفظ ظله من الانطفاء.
جذور الحكاية: طفلٌ يبحث عن قريته الممحوة
وُلد ناصر محمود أحمد عويس في مخيم بلاطة عام 1970، لكن المخيم لم يكن مجرد مكان للنوم واللعب؛ كان ذاكرة متوارثة من الشيخ مؤنس المهجّرة، وكأن القرية التي اختفت من الخرائط بقيت تسكن داخله. تحت سقف البيت المكدّس باللاجئين، نشأ الطفل الذي سيكبر على سؤال واحد: لماذا خرجنا من هناك؟
كان ناصر فتىً يحمل أكثر مما يحتمل عمره، سريع الالتقاط، يكتب على الجدران قبل أن يتقن الكتابة في دفاتر المدرسة. وفي جامعة النجاح، حين درس علم الاجتماع، بدا وكأنه يدرس نفسه: المخيم كمجتمع، الغضب كدافع، والناس كشبكة متماسكة لا تنهار رغم كل شيء.
المخيم… أول المدرسة وأول المعركة
في شبابه انضم لحركة فتح، وكان جزءًا من القوة الضاربة للانتفاضة الأولى: الحجارة، الزجاجات الحارقة، المنشورات، الخطوات الليلية بين الأزقة حين كانت كل حركة محسوبة وكل نفسٍ قابلًا أن يكون الأخير. لم يكن يرى نفسه قائدًا آنذاك، لكنه وجد نفسه في قلب الأحداث، وصارت المسؤولية تكبر معه.
ومع الزمن، صار اسمه يتردد في محطات المواجهة: هبة النفق عام 1996، معركة قبر يوسف عام 2000، ثم مطاردة طويلة خلال انتفاضة الأقصى انتهت بواحد من أثقل ملفات الاتهام لدى الاحتلال. حمّله الاحتلال المسؤولية عن عمليات مؤلمة، فلاحقته المطاردات، ثم الاعتقال في نيسان/ أبريل 2002، حكم أربعة عشر حكمًا بالمؤبد، وكأن المحكمة لا تعاقب عمره فقط، بل تعاقب إمكانية خروجه من الذاكرة.
خسارات لا تُحصى… وصمت لا ينكسر
لم يكن ناصر معزولًا عن خساراته الكبرى: اغتيال شقيقه زهير، ابنه محمد، وابن عمه الأسير بشير. كانت أخبار ثقيلة تأتيه عبر الزيارات أو من أفواه رفاق الزنزانة. لكنه كان يعالج هذه الخسارات بالصمت؛ ليس صمت الانكسار، بل صمت من يعرف أن البكاء رفاهية لا يسمح بها السجّان.
كان يعود إلى دفاتر علم الاجتماع التي درسها، يعيد التفكير في معنى الصمود، معنى البقاء، معنى أن يتحوّل الإنسان من فردٍ في المخيم إلى عمودٍ في الحركة الأسيرة.
وهكذا أصبح أحد قادتها، منظمًا لخطوات التمرد داخل السجن، مشاركًا في الإضرابات، ومسؤولًا عن توحيد أبناء التنظيم خلف قرار واحد.
السابع من أكتوبر… السجن كما لم يعرفه الأسرى من قبل
منذ السابع من أكتوبر، لم يعد السجن كما كان. تغيّرت معاييره، قسوته، شكله، وحتى القوانين غير المكتوبة التي اعتادها الأسرى عبر سنوات طويلة. صار كل يوم يحمل احتمال عقاب جديد، وكل ساعة اختبارًا آخر للصبر. وفي هذا المشهد المتحوّل، أصبحت تجربة كل أسير — بما في ذلك ناصر عويس — محكومة بمرحلة هي الأشد والأكثر عنفًا في تاريخ الحركة الأسيرة.
داخل الأقسام، تراجع كل شيء إلى الحدّ الأدنى: الطعام أصبح مجرد “حصة للبقاء” وليس للإنسان، وجبات فقيرة لا تسدّ الجوع، وانقطاع مستمر للمواد الأساسية، حتى تلك التي اعتاد الأسرى الحصول عليها بالحدود الدنيا. الزيارات توقفت بالكامل. عائلات بأكملها تعيش في ظلام كامل، لا تعرف هل أبناؤها ما زالوا بخير، وهل ينامون أم يعانون، هل مرّت عليهم أيام أصعب من هذه أم أن الأسوأ ما زال آتيًا.
ومع الحرمان، جاء العزل؛ عزل طويل وممتد، تحوّل إلى عقاب مقصود، تستخدمه إدارة السجون لاستهداف الأسرى المؤثرين، أصحاب الدور التنظيمي والروح الجماعية… أولئك الذين يعرف الاحتلال أن كسرهم يعني كسر البقية. أما التفتيشات الليلية فكانت الوجه الآخر لهذه السياسة: اقتحامات مفاجئة، صراخ، تدمير ما تبقى من ممتلكات الأسرى البسيطة، بعثرة الأغراض القليلة التي تشكّل آخر ما يربط الأسير بشعور “الملكية” أو “النظام”.
وما كان يُعتبر عبر عقود من الإضرابات الطويلة “إنجازات” منتزعة بعرق الأسرى وصمودهم، صار يُسحب تدريجيًا: الكتب منعت، الدراسة أوقفت، الكهرباء قُطعت لساعات طويلة، أدوات الطبخ صودرت، وحتى حركة الأقسام — تلك المتنفّس الوحيد — ضُيّقت إلى حدّ الشلل. الفورة اختُزلت إلى دقائق، والماء انقطع عن بعض الأقسام لفترات تُستخدم كأداة عقابية ضمن سياسة الضغط القصوى. حتى الملابس لم تسلم من هذا التقييد المهين.
في قلب العتمة… يظهر دور القائد
في هذه المرحلة، التي يمكن القول إنها الأكثر ظلامًا منذ سنوات طويلة، برز دور الأسرى القادة — ومن بينهم ناصر — بشكل أكبر من أي وقت مضى. كان الاحتلال يدرك أن ضرب “الروح الجماعية” هو طريق أسرع للسيطرة، لذلك كان يستهدف هؤلاء تحديدًا. لكن ناصر، الذي قضى عمره بين الزنزانة والقيد والتجربة، كان يعرف كيف يواجه هذا النوع من المواجهات: بهدوء داخلي، بقدرة على تنظيم النفَس، وبإصرار على ألّا يتحوّل السجن إلى فكرة تستوطن الروح.
كان الأسرى يقولون عنه إنه من أولئك الذين يعيدون ترتيب الفوضى؛ يحافظ على رباطة الجأش عندما تضيق المساحة، وعلى المعنى عندما يفقد كل شيء معناه. وفي زمنٍ كُسرت فيه الكثير من القواعد، بقيت قوة الإرادة هي القاعدة الوحيدة التي لا يستطيع الاحتلال انتزاعها… تلك التي جعلت ناصر يقف ثابتًا، لا لأنه تعوّد على الألم، بل لأنه قرّر ألّا يسمح للألم بأن يكون سيّد المكان.
إرادة لا تُعتقل… وروح لا تُقمع
رغم قسوة الاعتقال، ظلّ ناصر يحتفظ بمساحته الداخلية، تلك التي لا يملك الاحتلال الوصول إليها مهما اشتدّت إجراءات القمع. فالسجن، بالنسبة له، لم يكن مكانًا فقط، بل امتحانًا يوميًا لإرادةٍ يعرف أنها أقوى من الحديد. حاولت إدارة السجون، خصوصًا بعد السابع من أكتوبر، أن تكسر هذا الثبات عبر سياسات مشددة طالت معظم الأسرى: مضاعفة العزل، تقليص الطعام، حرمان الزيارات، وإجراءات عقابية وصلت حدّ سحب الحدّ الأدنى من حقوقهم.
لكن ناصر، مثل كثير من الأسرى، واجه ذلك بالصمود الصامت؛ صمود لا يحتاج إلى طقوس ولا أدوات، بل إلى قرار داخلي يقول إن السجن لن يتحول إلى هوية. كان يردّد لرفاقه: “الزنزانة ما بتربّي فينا ضعف… إلا إذا سمحنا إلها.”
وهكذا بقي ثابتًا رغم كل محاولات القمع، يعتني بما تبقّى من إنسانيته، ويحافظ على روحه كجزء من معركة طويلة مع الاحتلال.
حين يصبح الإنسان هو المعنى
قصة ناصر عويس ليست سجلاً أمنيًا ولا تقريرًا تاريخيًا، بل مرآة لرحلة كاملة: من طفل يسمع حكاية الشيخ مؤنس في غرفة ضيقة، إلى شابٍ يتقدّم الصفوف، إلى أسيرٍ يحمل أربعة عشر حكمًا بالمؤبد لكنه لا يعيش يومًا إضافيًا في الهزيمة.
إنها سيرة أسير فلسطيني يملك ما هو أثقل من السلاح: القدرة على أن يبقى إنسانًا رغم أن المكان كله صُمِّم لنزع الإنسانية.
وبين جدران السجن التي حاولت أن تختصر عمره، ظل ناصر يكتب يومه كما لو أنّه يكتب تاريخًا لا يُمحى—تاريخ رجلٍ لم يسمح للسجن أن يدخل قلبه، وإن دخله جسده منذ زمن بعيد.
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...