حين يقرر شخص حرّ أن يقاوم مغتصبه، فإنه يبذل في سبيل ذلك كل ما يمكنه من فعل، وقول، وبينما يبدع البعض في إطلاق الرصاص، يتفوق آخرون في رشق الكلمات، ويستنفد كل منهم جهده لإيلام المحتل، وتأكيد عدالة القضية، وهناك من حاز ميزة القدرة على النضال بأكثر من طريقة، والتفوق في المقاومة بأساليب متعددة، مثل صاحب قصتنا هذه، الذي أتقن سلاحي القلم والرصاص في آن واحد.
أول الغيث رصاصة
كان كميل أبو حنيش شاباً يافعاً عندما انطلقت انتفاضة الحجارة عام 1987، فانخرط في فعالياتها التي شملت مدينته نابلس، وتميزت فيها، وظل ناشطاً في اتحاد لجان الطلبة الثانويين، حتى انضم رسميًا لصفوف الجبهة الشعبية عام 1992، وترّأس جبهة العمل الطلابي التقدّمية، وأشرف على إصدار صحيفة "الهدف الطلابي"، ومن ثم تولّى مهمة المكتب الطلابي المركزي للجبهة الشعبية في الضفة الغربية.
وبعد انتهاء مسيرته الطلابية، انتقل إلى حمل البندقية، فأسس "قوات المقاومة الشعبية" التي تحولت لاحقًا إلى "كتائب الشهيد أبو علي مصطفى"، وتدرجت به المناصب حتى قاد الجهاز العسكري للجبهة الشعبية في نابلس وشمال الضفة.
مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، كان أبو حنيش على رأس المطلوبين للاحتلال، فنجا من عدة محاولات اغتيال كان أبرزها "طرد ملغّم" عام 2001، وظل مطارداً مدة عامين ونصف، حتى تمكنت قوات الاحتلال من اعتقاله أخيراً عام 2003 بعد محاصرته حصاراً محكماً، وبعد أشهر من التحقيق والتعذيب تم الحكم عليه بـالسجن تسع مؤبدات، وغرامات مالية تفوق ال 60 مليون شيقل.
وابل الكلمات
في السجن انفتحت أمام كميل أبو حنيش ساحة جديدة للمقاومة بالكلمة، وفرت ظروف السجن أدواتها المناسبة، حيث كان السجن يعج بالأنشطة الثقافية والتربوية والتوعوية، التي كان لها دور مهم جداً في إثراء حياته الثقافية، واكتشف أنه كاتب، فثابر على نشر المقالات، وعلى مدار أكثر من 20 عاماً أصبح كميل يكتب بشكل يومي، وكان بوسعه الكتابة عن كلّ شيء؛ عمل على نشر سلاسل طويلة من المقالات كانت تصل أحياناً إلى 40 حلقة، وله كتاب طبع في الخارج اسمه "الكتابة والسجن"، فاز بجائزة وزارة الثقافة، لقد حول كميل ورفاقه السجن إلى ساحة يتحدّون فيها السجّان بالكلمة والورقة.
الحرية المهيبة
بعد أكثر من عقدين في السجن، خاض فيهما جميع الإضرابات الجماعية عن الطعام، وشغل موقع قائد الجبهة في السجون مدة أربع سنوات، تحرر الأسير كميل أبو حنيش، عضوا للمكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وعانق الحرية بقوله: "ولدت وأنا أشهد احتلالاً غاشماً، ولهذا السبب انخرطت في النضال الوطني منذ عام 1987، فصار النضال جزءاً من حياتي، كنت أرى نفسي مناضلاً في كلّ الساحات، وبعد تحرّري سأواصل هذا النضال حتى النفس الأخير".
مواد مشابهة
الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال : أجساد مُرهَقة وكرامة...
في سجن الدامون، لا تبدأ المعاناة عند لحظة الاعتقال، بل تتجدد كل يوم داخل زنازين تُدار بمنطق القوة والعقاب ، وه...
مناضل أنفيعات بطل “نفق الحرية” الذي يذبل ببطء داخل العزل
أمضى مناضل ما يقارب 15 عاماً في سجون الاحتلال، قبل أن يتحول اسمه، مع خمسة أسرى آخرين، إلى رمز فلسطيني بعد انتز...
حين يتحول الجرح إلى تهمة: إعادة اعتقال الأسرى المحررين في غز...
في هذه الشهادة، لا يظهر الجسد كضحية فقط، بل كمساحة يُعاد تعريفها داخل منظومة الاعتقال: البتر يصبح دليلًا، والم...