الاثنين 6 يوليو 2026 صوتٌ للأسرى، وذاكرةٌ لا تَنسى

دوار الكويت والنابلسي، كمائن الطحين، ومصائد الجياع

25 ديسمبر 2024 قراءة 3 دقيقة

 

 

على شارع صلاح الدين، كان ثمة معلم في الطريق الرئيسي، يسمى دوار الكويت، يتبع حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، ويتوسط الطريق بين أطراف المدينة، ومنطقة جحر الديك، والمغراقة، وصولاً للمنطقة الوسطى.

أثناء الحرب، بعد أن محى القصف معالم المدينة، وضاعت المسميّات، ظلت الأسماء معلقة في الذاكرة، ومترددة على الألسنة.

ارتبط اسم هذا الدوار في الأذهان كآخر نقطة يمكن الوصول إليها جنوباً، قبل الاقتراب من حدود محور نيتساريم المشئوم جنوباً، والمساحة العازلة الممتدة حوله، التي يمنع عندها مرور أي كائن حي!

ثم ارتبط اسمه بالموت على عتبات الجوع..

مصيدة الجياع

في أيام الحصار المظلمة، كان الاحتلال يمنع دخول أية معونات إنسانية إلى المنطقة الشمالية، ولا تمرّ شاحنات المساعدات عبر حاجز نيتساريم إلى ما بعده، ومع اشتداد الحصار وتصاعد الجوع، لم يجد السكان

هناك شيئاً يأكلونه، سوى علف الحيوانات، وورق الشجر، رغم ذلك كانت بعض الشاحنات المحملة بالدقيق تتمكن من العبور بعد أن يسمح الاحتلال بدخول اثنتين أو ثلاث منها فقط في أحسن الأحوال، وهناك، عند

دوار الكويت، كانت جموع الجائعين تتجمهر منتظرة وصول الإغاثة، عند أقرب نقطة يمكنهم الالتقاء بها فيها، لكن كل ذلك كان خدعة، استدرج بها الاحتلال هؤلاء المساكين ليقتلهم بالجملة، الشهداء كانوا الأوفر حظاً

فالآخرون يعتقلون وينكل بهم أو يضيعون في متاهات المجهول، أو يعودون بحفنة دقيق مغمس بالدم.

مهمة انتحارية

في ليلة من ليالي رمضان ودع علي القصاص ابن الخمسة عشر ربيعاً عائلته وخرج إلى دوار الكويت، لينتظر مع جيرانه وأقاربه شاحنات المساعدات علّه يتمكن من الحصول على قليل يسدّ به رمق المتضورين جوعاً، كانوا

جميعاً يودعون أهاليهم، فهذه الرحلة مآلها مجهول، والذاهب فيها مفقود.

تروي إيمان القصاص والدة علي كيف كان آخر فرحتها، ومدلل العائلة، والقائم على خدمتهم بشراء احتياجاتهم ومسانده إخوانه وتعبئة المياه والوقوف في طابور التكيات وغيرها من المسؤوليات شبه المستحيلة التي خلقتها الحرب.

خرج علي، وانتظرت عائلته على أمل أن يعود لها ابنها الصغير، ومعه حصة صغيرة من طعام، لكن علي لم يرجع، ولم يعرف عنه شيء، غاب علي، وبقي الجوع.

تتذكر إيمان القصاص صغيرها علي، الذي غاب وغاب صوته الجميل الذي كان يطربهم به منشداً في كل حين، علي الذي كان متفوقاً في دراسته متميزاً بين عائلته، تتذكره، إذ كيف لابنٍ أن يُنسى، أو يغادر بال وقلب أمه، وهو طفل

سامته الحرب قسوة العيش، وضياع المستقبل، والغيبة في المجهول.

دوار آخر للموت

على دوار آخر يختلف مع دوار الكويت في الاسم، ويقابله في المكان، ويشترك معه في المهمة والتفاصيل، على شارع الرشيد الساحلي الموازي لشارع صلاح الدين، يقع دوار النابلسي، ضمن حي الشيخ عجلين

الذي يعتبر أيضاً النقطة الأخيرة التي يمكن لسكان المناطق الغربية لغزة الوصول إليها، لملاقاة شاحنات المساعدات والاستفادة منها مجرد وصولها نقطة آمنة، أو هكذا ظنوها، لكنها كانت مصيدة أخرى يجعل الاحتلال الدقيق فيها

طعماً يصطاد به المحاصرين منذ أشهر، فيقصفهم أو يعتقلهم أو يقتلهم ويترك جثامينهم ملقاة على الأرض في المنطقة المحرمة، وبالوعة المجهول، فلا يعلم أحد مصيرهم، وربما لن يعلم،

 وفي أحسن الأحوال ينكل بهم ويجبرهم على النزوح جنوباً مشياً على الأقدام.

مفقود جديد

ستة عشر عاماً، هو عُمْرُ علي الطائي، الذي يسكن مع عائلته حي الزيتون بمدينة غزة، اختفت آثاره وكأنه تبخر في الرابع عشر من مارس عام ٢٠٢٤، كان عمر الطائي من الذين خرجوا منتظرين الدقيق،

لكنه لم يعد بشيء، ولا حتى بنفسه.

تقول والدته: لم أتوقف منذ ذلك اليوم المشؤوم عن البحث بشتى الطرق الممكنة لكن دون فائدة، تواصلت مع المحاميين والمؤسسات الحقوقية، ولم أحصل على شئ، لا معلومة أو إشارة تصلني منذ ذلك اليوم.

لا تريد هذه الأم سوى معرفة مصير ابنها، هل هو على قيد الحياة أم معتقل، فهي كما تقول لا تستطيع العيش مع حقيقة أن مصيره مجهول، فهي لوعة تكوي قلبها كل ثانية، وتستجدي معلومة واحدة، حتى لو كانت خبر موته،

أو استلام جثته، "لا يمكن أن يكون تبخر"!

وتختم حديثها بلوعة تملأ فضاء المدينة: "لقد بتنا نكره سماع اسم الدوار، وبتنا نكره الدقيق، ولم نعد نتذوق طعمه، دقيق مغمس بالدم والفقد والحسرة واللوعة والفراق".

 

مواد مشابهة